من اللوحات الكلاسيكية إلى المُشفرة.. كيف أنقذ الأثرياء سوق الفن في زمن الجائحة؟

سوق الفن الكلاسيكي والرقمي تزدهر خلال الجائحة
سوق الفن الكلاسيكي والرقمي تزدهر خلال الجائحة المصدر: بلومبرغ
Andrea Felsted
Andrea Felsted

Andrea Felsted is a Bloomberg Opinion columnist covering the consumer and retail industries. She previously worked at the Financial Times.

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

في نهاية شهر يناير الماضي، بيعت لوحة محفوظة بعناية فائقة لفنان عصر النهضة الإيطالي ساندرو بوتيشيلي، بمبلغ قياسي بلغ 92.2 مليون دولار. وبيع بعدها بستة أسابيع عمل يكاد يكون أبعد ما يكون عن أعمال هذا الفنان والمعلم الكبير، والذي هو عبارة عن تجميع رقمي لصور أخرجها فنان يحمل اسم "بيبل" (Beeple) مقابل 69.3 مليون دولار.

وفي حين أن هاتين القطعتين الفنيتين مختلفتان تماماً عن بعضهما بعضا، إلا أن الإقبال عليهما يحركه عوامل متشابهة. فعلى الرغم من أن سوق الفنون عانت من الإغلاق الوبائي، إلا أنها حافظت على مكانتها في ظل الاهتمام المستمر من جامعي الفنون الأثرياء بهدف الاستثمار. فضلاً عن تدفق المشترين الأصغر سناً، من البارعين في مجال التكنولوجيا والذين تمكنت المعارض والوكلاء ممن يعملون معهم في خلق حضور إلكتروني قوي لهم.

ولن تنسى الصناعة تحولها الرقمي حتى عندما تستأنف المعارض الفنية والمزادات عملها، وكانت المبيعات الضخمة التي حُققت خلال الأسبوع الماضي للوحة الرقمية "كل يوم: أول 5000 يوم" (Everydays: the First 5000 Days) للفنان مايك وينكلمان، المعروف أيضاً باسم "بيبل"، تشير إلى ذلك بالفعل.

فوائض الأموال

ومع اقتراب أسواق الأسهم والعملات المشفرة من أعلى مستوياتها على الإطلاق، رأى العديد من المستثمرين ثرواتهم تنمو مع انخفاض عدد الرحلات والتجارب التي يمكن أن ينفقوا أموالهم عليها. وبالتالي فقد قام من بات لديه فائض من الأموال منهم بإنفاقها ببذخ على بعض الأمور، أما الأكثر تواضعاً ضمن هذه الفئة فدللوا أنفسهم بشراء حقيبة من "لويس فيتون" وأحذية "غوتشي" الرياضية، مما دفع الطلب على أكبر العلامات التجارية إلى مستويات أعلى مما كانت عليه قبل الجائحة. وفي الوقت ذاته هناك من فائقي الأثرياء من يفضل أعمال الفنان ساي تاومبلي بدلاً من كل ذلك.

إلا أن هذا لا يعني أن سوق الفنون محصنة من آثار الجائحة. فقد تراجعت المبيعات العالمية للفنون والتحف بنسبة 22% عن العام الماضي، لتصل إلى 50.1 مليار دولاراً في عام 2020. وفقا لتقرير اقتصادي صادر عن خبيرة الاقتصاد الفني كلير مكاندرو لمعرض "آرت بازل" (Art Basel) ومجموعة "يو بي أس غروب". كما انخفضت فرص المشترين التقليديين للشراء بسبب إلغاء المعارض والإغلاق المؤقت لصالات العرض. لكن بالرغم من ذلك، تمكنت المبيعات من البقاء فوق أدنى مستوياتها السابقة التي سجلتها في عام 2009 في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

أرباح الوباء

وقد كان من الممكن أن يصبح تراجع سوق الفنون أسوأ بكثير لولا الجامعين الأثرياء الذين أمضوا وقتاً أطول في المنزل، وأرادوا تجميل محيطهم باللوحات الفنية. وكان الوضع مماثلاً بالنسبة للأعمال الافتراضية، حيث شجعت الساعات الطويلة من الجلوس أمام الشاشة مستثمري العملات المشفرة، الذين جمعوا ثروات من مكاسب "بتكوين"، على استكشاف وسائل فنية ناشئة مرتبطة برمز غير قابل للاستبدال. وهو ما يعني شهادة رقمية للأصالة تعمل على أساس تقنية الـ"بلوكشين".

كما حالت صالات العرض ودور المزادات التي تحولت نحو العمل عبر الإنترنت دون حدوث هبوط حاد في سوق الأعمال الفنية. حيث وصلت مبيعات الفنون والتحف عبر البيع الرقمي إلى مستوى قياسي بلغ 12.4 مليار دولاراً في عام 2020، أي ضعف قيمة المبيعات الرقمية في العام السابق، ومثلت نسبة 25% من قيمة السوق الإجمالية، بحسب ما قالته ماكندرو.

وقد أدى التحول إلى البيع الرقمي أيضاً إلى ظهور جيل أصغر من هواة جمع التحف، واللذين يعتبرون أكثر نشاطاً عبر الإنترنت وينفقون بشكل أكبر. ووجد تقرير معرض "آرت بازل" ومجموعة "يو بي إس" أن ثلاثة من بين كل عشرة جامعي فنون من أصحاب الثروات الكبيرة من جيل الألفية أنفقوا ما لا يقل عن مليون دولار في عام 2020، مقارنة بنسبة 17% من هواة جمع الفنون من جيل طفرة المواليد. وقالت دار "كريستيز" للمزادات إن نسبة 58% من اللذين تقدموا بعروض لشراء لوحة الفنان "بيبل" "يومياً" كانوا من جيل الألفية.

فن التشفير

ويبدو أن تدفق المشترين الشباب قد أثر على شكل الذوق العام في السوق، حيث زاد الاهتمام بالفنانين الشباب والعالميين، حسبما أظهرت قاعدة البيانات على الموقع (Artprice.com). فعلى سبيل المثال حقق الرسام أمواكو بوافو من غانا، ثاني أعلى إيرادات في المزادات في عام 2020، وهو من بين الفنانين الذين ولدوا بعد عام 1980، متخلفاً فقط عن الراحل ماثيو وونغ.

وكان أبرز مظاهر التحول نحو الإنترنت هو ظهور فن التشفير، والذي تشاهده على الشاشة بدلاً من النظر إليه معلقاً على الحائط. حيث جعلت تقنية "بلوكشين" إثبات ملكية مثل هذا الفن الرقمي أمراً سهلاً، والذي يمثل مشكلة عادة في العالم الرقمي. وكانت لوحة "يومياً" للفنان "بيبل" موجودة منذ أقل من شهر قبل طرحها في المزاد مؤخراً.

ومن المتوقع أن يبقى العمل عبر الانترنت قائماً. وفي حين أن صناعة الفن كانت قد تخلفت عن القطاعات الاستهلاكية الأخرى مثل تجارة التجزئة الفاخرة والعامة في تبنيها للتكنولوجيا، إلا أن الجائحة أجبرت المعارض ودور المزادات على الاستثمار في الأدوات الرقمية مثل غرف المشاهدة عبر الإنترنت. كما ظهرت منصات الفن المشفر مثل "نيفتي غيتاوي" (Nifty Gateway) المدعومة من المستثمر وينكلفوس، والتي تعمل على إشراك جامعي الأعمال الأصغر سناً من خلال نشر أعمال محدودة الاصدار. وهناك مؤشرات إيجابية تشير إلى أننا سنستمر في استهلاك الفن على هواتفنا وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.

مستقبل السوق

الزمن وحده كفيل بإظهار ما إذا كان الأثرياء سيحافظون على إقبالهم على الفنون عندما يفتح باب السفر والترفيه أم لا. فضلاً عن الإجابة عن التساؤل حول ما إن كان المستهلكون الأصغر سناً سوف يواصلون الشراء أم لا. ولكن يبدو أن حظ سوق الفنون سوف يستمر مع استمرار تسجيل ارتفاع في الأسواق والعملات المشفرة وقلة فرص الإنفاق في الغالب خلال جزء كبير من هذا العام. وتأمل المؤسسات المحنكة مثل "كريستيز" بالاستفادة من فنانين مثل "بيبل" في المستقبل بقدر ما يستفيدون من الفنان القدماء كفرانسيس بيكونز.