سعودة الوظائف.. النمط القديم لم يَعُدْ ينفع

أحد مستهدفات رؤية السعودية 2030 خفض معدل بطالة المواطنين من 14 إلى 7%. التحدي يكمن بإيجاد طرق لتوظيف السعوديين دون إعاقة المستثمرين الأجانب الذين غالباً ما ينظرون إلى "السعودة" على أنها ضريبة
أحد مستهدفات رؤية السعودية 2030 خفض معدل بطالة المواطنين من 14 إلى 7%. التحدي يكمن بإيجاد طرق لتوظيف السعوديين دون إعاقة المستثمرين الأجانب الذين غالباً ما ينظرون إلى "السعودة" على أنها ضريبة المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

بعد أشهر من عدم الحصول على وظيفة، ارتدى أخصائي الكمبيوتر السعودي عبداللطيف الجرفان ثوب التخرج الأحمر بدرجة ماجستير من الولايات المتحدة، وبدأ يبيع الشاي المُعد منزلياً على قارعة الطريق.

كان الشاب البالغ من العمر 32 عاماً يأمل أن تجذب حيلته الذكية الزبائن، لكن بدل ذلك، وبغضون ساعات، انتشر مقطع فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي، مما حوَّل الجرفان إلى الوجه المُعبِّر عن البطالة في المملكة العربية السعودية. وهو يقول بهذا الصدد: "كنت أتقدَّم للوظائف وأنتظر الفرج، لكن لم يعد يمكنني الجلوس في المنزل، وكان عليّ القيام بشيءٍ ما".

لتغييرٍ جذري

يُشكِّل خلق فرص العمل أكبر تحدٍّ محلي يواجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في الوقت الذي يعيد فيه تشكيل اقتصاد البلاد الذي يعتمد منذ فترة طويلة على تصدير النفط واستيراد العمالة، فقد وصلت البطالة في السعودية إلى مستوىً قياسي بلغ 15% العام الماضي، عندما تسبَّب تفشي فيروس كورونا بانتكاسة لرؤية 2030 التي يستهدف من خلالها الأمير الشاب تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للأعمال التجارية والسياحة.

و تُهدِّد معدَّلات البطالة المرتفعة بإفقار الطبقة الوسطى التي كانت محمية سابقاً بدرع الإنفاق الحكومي. ومن دون تغيير ٍجذري، فإنَّ معضلة البطالة ستزداد تعقيداً، لاسيَّما مع تدفُّق المزيد من الشباب كل عام على سوق العمل، مما يعزِّز إمكانية تنامي عدم الاستقرار الاجتماعي بفعل تزايد الإحباط.

وظائف متواضعة

على الضفة المقابلة، في حين ضاعفت جائحة كورونا التحدي، فقد أدَّت إلى تحفيز المسؤولين، وتسريع التحوُّل في ذهنية الشباب السعودي، الذين أصبحوا على نحو متزايد يتولون وظائف "الياقة الزرقاء"، أي العمالة اليدوية، التي كانوا يتجنَّبونها في السابق.

فأصبح العمال السعوديون الآن موجودين في كل القطاعات، إذ يقومون بتوصيل الطرود، وتقديم قهوة "إسبرسو"، ونقل معدَّات حفر آبار النفط. وأفصحت العديد من الشركات التي يعمل بها موظفون أجانب، وهم محاصرون في الخارج بسبب إجراءات إغلاق الحدود جرَّاء فيروس كورونا، أنَّها سرَّعت خططها لتوظيف المواطنين السعوديين. وفي الربع الثالث من العام الماضي، عندما انكمش الاقتصاد بنسبة 4.6%، ارتفع عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص بأكثر من 80 ألفاً.

ويرى نواف التركي، نائب رئيس "روابي القابضة"، وهي شركة سعودية لخدمات حقول النفط والمقاولات تسعى بشكل متزايد لتوظيف فنيين محليين، أنَّه "بغض النظر عن شكوك بعضهم بأنَّ السعوديين لا يريدون العمل، كان عليهم إخضاعهم للاختبار، ولبرامج تدريبية مكثفة". مُشيراً إلى أنَّه بالاستناد لتجربة شركته، "فقد ارتقى الموظفون المحليون لمستوى التحدي".

وفي الواقع، أعطت "خطَّة" عبداللطيف الجرفان بالعمل كبائع شاي متجول ثمارها، وحصل على وظيفة في مجاله. وبعد 6 أشهر، يستعد لإطلاق تطبيق يسمى " كانتري فوود" (Country Food) أو "طعام البلد"، الذي يقوم على ربط الزبائن بمطابخ منزلية "غير رسمية" في جميع أنحاء المملكة. وهو إذ يتطلَّع لأن يُحدث هذا التطبيق نقلة نوعية في حياته المهنية، فإنَّه في الوقت عينه يحاول من خلاله "دعم أولئك الذين ليس لديهم وظائف، أو يريدون كسب دخل إضافي".

معضلة تعود لعقود

في حين تكافح العديد من الدول لمواجهة ارتفاع معدَّلات البطالة الناجمة عن جائحة كورونا، فإنَّ مشكلة المملكة العربية السعودية مع هذه الآفة تعود إلى عقود من الزمن، مع تدفُّق أوَّل دفعة من الوافدين للمساهمة بتطوير الصناعة النفطية الناشئة.

ويُشكِّل الأجانب الآن ثلث سكان المملكة البالغ عددهم 34 مليون نسمة. وفي حين أنَّ الحكومة هي المشغِّل الرئيسي للسعوديين - وهو نموذج لا تستطيع الاستمرار بتحمُّله - فإنَّ القطاع الخاص في البلاد يعتمد بشكل كبير على العمالة الرخيصة من الدول الآسيوية والعربية الأخرى، وذلك لأنَّ نسبة 75% من الموظفين في الشركات الخاصة السعودية هم من الأجانب، الذين يكدحون بعملهم ولفترات زمنية أطول مقابل راتب أقل، مما يجعل منافستهم من قِبل المواطنين أمراً فائق الصعوبة.

وفرضت حكومة المملكة منذ فترة طويلة نظام الحصص والحوافز لتوجيه المزيد من المواطنين نحو القطاع الخاص، في عمليةٍ أُطلق عليها مسمى "السعودة"، لكنَّ النتائج لم تتوافق مع النمو السكاني. والجدير بالذكر أنَّ البطالة كانت في تزايد مطَّرد عندما تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد عام 2017، وبدأت تشهد انخفاضاً ملحوظاً عام 2019 مع ارتفاع النمو الاقتصادي، قبل أن تتفشى جائحة كورونا في الربع الأول من 2020، وتُعيد خلط الأوراق.

 رغم أن جائحة كورونا ضاعفت التحدي، فقد أدَّت إلى تحفيز المسؤولين، وتسريع التحوُّل في ذهنية الشباب السعودي، الذين أصبحوا على نحو متزايد يتولون وظائف "الياقة الزرقاء"، أي العمالة اليدوية، التي كانوا يتجنَّبونها في السابق.
رغم أن جائحة كورونا ضاعفت التحدي، فقد أدَّت إلى تحفيز المسؤولين، وتسريع التحوُّل في ذهنية الشباب السعودي، الذين أصبحوا على نحو متزايد يتولون وظائف "الياقة الزرقاء"، أي العمالة اليدوية، التي كانوا يتجنَّبونها في السابق. المصدر: بلومبرغ

منعطف تاريخي

مع بدء تلاشي آثار أزمة كورونا الأكثر حدَّة، فإنَّ السعودية الآن عند منعطفٍ مهم، إذ يجب أن تجد طريقة لتوظيف السعوديين دون إبطاء النمو، ودون إعاقة المستثمرين الأجانب الذين يلعبون دوراً حاسماً بتحقيق خطَّة ولي العهد، لكنَّهم غالباً ما ينظرون إلى "السعودة" على أنَّها ضريبة.

وترى إيمان الحسين، وهي زميلة سعودية غير مقيمة بمعهد دول الخليج العربية في واشنطن، أنَّها معضلة، "ولا أعتقد سيكون هناك حلّ في أي وقت قريب".

وللحفاظ على معدَّل البطالة ثابتاً، يجب على المملكة توفير 150 ألف فرصة عمل سنوياً على مدى العقد المقبل، وفقاً لـ بلومبرغ إيكونوميكس ". ويتطلَّب هدف الأمير محمد بن سلمان، المتمثِّل بخفض معدَّل بطالة المواطنين إلى النصف، أي من 14% إلى 7% بحلول عام 2030، جهوداً ملموسةً أكبر.

ويجب الأخذ بالاعتبار أن َّتقديرات الوظائف المطلوبة لا تأخذ بالحسبان الارتفاع السريع في عدد النساء الباحثات عن عمل مع تخفيف القيود الاجتماعية عليهن. ويعود الفضل بهذا التغيير التاريخي إلى ولي العهد الشاب الذي ألغى الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات، وخفف من قواعد الاختلاط بين الجنسين. لكن هذا الإنجاز يمثِّل تحدِّياً أيضاً، لأنَّه يستوجب خلق المزيد من الوظائف.

واللافت في هذا السياق، أنَّ حجم سوق العمل السعودية يتقلَّص بشكلٍ عام في الآونة الآخيرة، بفعل السياسات المختلفة التي تدفع الأجانب للخروج من السوق والبلاد بشكلٍ أسرع من معدَّل توظيف السعوديين.

سياسة الهجرة

يكافح طارق التركستاني، الشريك المؤسس لشركة البريد السريع السعودية "ساعي"، للتكيف مع متطلَّباتٍ جديدة لسعودة الوظائف المؤقتة أو ذات عقود العمل القصيرة، في غضون 6 أشهرٍ فقط. في وقتٍ نجد فيه أن َّ حوالي 70% من سائقي التوصيل المستقلين، أي الذين يعملون مقابل رسوم توصيل لكل شحنة، هم من الأجانب. مما يعني أنَّ استبدالهم بسعوديين سيتطلَّب زيادة نسبة عمولات التوصيل، وبالتالي رفع أسعار الخدمات على الزبائن حُكماً.

وأوضح أنَّه قد " تمّ وضعنا في مأزق، وقد يُمكن للشركات الكبيرة التعامل مع الأمر، لكن بالنسبة إلى شركة ناشئة سيؤثِّر ذلك سلباً، وبشكلٍ كبير على تنافسيتها".

يجادل الكثير من السعوديين في أنَّ "السعودة" لن تنجح دون تغيير جذري بسياسة الهجرة. ويؤدي البطء بإصدار قوانين جديدة في هذا الإطار إلى ابتداع حلول بديلة، إذ يمكن أن تقوم الشركات بتوظيف العدد المطلوب من المواطنين، ووفق الحدّ الأدنى للأجور للوفاء بالتزامات اللوائح التنظيمية للسعودة. وفي مجتمع محافظ، حيث الزواج فيه أمر حتمي، فإنَّ هذا يجعل تحقيق الاستقرار بالنسبة لهؤلاء الموظفين أمراً صعباً.

ويشكو فواز عايد، 30 عاماً، وهو طبيب الأسنان قضى 3 سنوات عاطلاً عن العمل، قائلاً: "إذا مرَّت بك سنون حياتك، فلا يمكنك استعادتها ". وفي حين جرى، وبعد طول معاناة، توظيفه في شهر أكتوبر الماضي، إلاّ أنَّ العيادة التي يعمل بها تدفع له أقل من 1200 دولار شهرياً، وهذا المبلغ لا يكفي بالطبع لبناء أسرة.

عمال أجانب يصطفون أمام صراف آلي لمصرف الراجحي في العاصمة السعودية الرياض. يشكِّل الوافدون نحو ثلث سكان المملكة البالغ عددهم 34 مليون نسمة
عمال أجانب يصطفون أمام صراف آلي لمصرف الراجحي في العاصمة السعودية الرياض. يشكِّل الوافدون نحو ثلث سكان المملكة البالغ عددهم 34 مليون نسمة المصدر: بلومبرغ

تقليص الفجوة

اعتباراً من هذا الأسبوع، سيتمكَّن غير السعوديين من تغيير وظائفهم دون موافقة كفيلهم بالعمل. ويتوقَّع خبراء اقتصاديون أن يؤدي ذلك لرفع أجور الأجانب، كما سيسهل عليهم ترك الوظائف " التي لا يرغبون بها، مما يقلل من تذمر أصحاب العمل أنه يصعب توظيف السعوديين. لكن هذا القرار لا يحل مشكلة عدم المواءمة بين الباحثين عن عمل من الشباب السعودي أصحاب الاختصاصات والوظائف المتاحة من ذلك "الصنف السيىء" التي تتطلَّب مهارات منخفضة لحدٍّ كبير.

وأفصحت وزارة الموارد البشرية البشرية السعودية في بيان لوكالة بلومبرغ: "نواصل دراسة الإصلاحات والمبادرات لتقليص الفجوة بين السعوديين والأجانب". كما تبحث الوزارة في تقليل ساعات العمل الرسمية، وكيفية توجيه سوق العمل نحو مهارات وإنتاجية أعلى".

وتشير المعطيات إلى أنَّ سوق العمل تحسَّن منذ الربع الثالث من 2020، وهي أحدث البيانات المتاحة.

بعد تخرُّجه في شهر أغسطس الماضي، قدَّم حمد الرشيد البالغ من العمر 23 عاماً طلبات لشغل أنواع الوظائف كافةً - بما في ذلك وظيفة صانع قهوة - التي لم يكن ليفكر فيها قبل بضع سنوات. وعلى غرار عبداللطيف الجرفان، اضطر لبيع الشاي في الشارع. وفي شهر فبراير الماضي، حصل أخيراً على وظيفة صرَّاف بنك مقابل 8500 ريال (2270 دولاراً) شهرياً.

ويُعبِّر حمد الرشيد بمقابلة داخل منطقة عمل مشتركة في الرياض مليئة بالسعوديين عن شعوره أنَّ الطريق أمامه تُبشِّر بالخير .. "فقبل بضع أسابيع فقط، لم يكن هناك مجرَّد طريق".