ماذا لو لم يصل الحل المثالي لمشكلة المناخ في الوقت المناسب؟

تتعاون 35 دولة في مشروع المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (ITER)، الذي يهدف إلى إتقان إنتاج الطاقة من اندماج الهيدروجين، في سان بول ليس دورانس، جنوب شرق فرنسا.
تتعاون 35 دولة في مشروع المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (ITER)، الذي يهدف إلى إتقان إنتاج الطاقة من اندماج الهيدروجين، في سان بول ليس دورانس، جنوب شرق فرنسا. المصدر: غيتي إيمجز
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

لنتخيل معاً أننا نجحنا، في تحقيق هدفنا المناخي، واستيقظنا غداً على خبر اكتشاف تقنية خالية من الكربون لا حدود لها، بينما نجلس في المرآب وحسب.

برأيك ما هي تلك التقنية؟ الاندماج النووي؟ مفاعلات تعمل بالثوريوم؟ مولِّدات الكهرباء الساكنة التي تعمل عن طريق فرك البالونات على شعرنا؟ كل ذلك لا يهم. أياً كان الأمر، فنحن أخيراً بأمان، والاختراع قد نجح بالفعل.

وعند قراءة المتخصصين في المناخ للكشف الحصري لـ "بلومبرغ جرين" لهذه الأعجوبة الحديثة المفاجئة، ينطلقوا إلى العمل. ثم يرتدي هؤلاء الخبراء نظاراتهم ذات الإطارات السوداء، ويأخذون متر القياس الخاص بهم، ويشرعون في العمل على إبراز التأثير الذي سيُحدثه اكتشاف أرخص من الفحم على انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية.

طاقة خالية من الكربون

وبحلول عام 2050، يعتقد الخبراء الآن، أنَّ هذه الطاقة الخالية من الكربون ستسمح لنا بتجنَُب جزء محير للعقل من الانبعاثات المتوقَّعة، الذي يبلغ تقريباً- انتظر، ماذا؟ 7.5%!.

لقد تحقَّقوا مرة أخرى من حساباتهم، وتأكَّدوا بشكل كافٍ من أنَّ ذلك الابتكار الهائل من شأنه أن يقلل من حمل ثاني أكسيد الكربون في الكره الأرضية بنسبة 7.5% فقط بحلول عام 2050، وهذا عندما يقول العلماء، إنَّ صافي الانبعاثات يجب أن تتوقَّف.

وللقياس والتوضيح، قال برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 2019، إنَّنا نحتاج إلى تحقيق انخفاض بنسبة 7.6% في جميع الانبعاثات كل عام حتى 2030.

وقد يستغرق الأمر عقداً من الزمن لإدخال معجزة الحياد الكربوني تلك إلى السوق، والجزء الأكبر من عقد آخر لتصميم وبناء المصانع. بل أسوأ من ذلك، أنَّه خلال الوقت الذي تستغرقه الصناعة الجديدة في النمو، سيستمر بناء مصانع الفحم والغاز لتدوم ثلاثين عاماً أو أكثر.

انبعاثات من أحد المصانع (تلوث الهواء)
انبعاثات من أحد المصانع (تلوث الهواء) بلومبرغ

تقنية الاندماج النووي

حتى مع استخدام تفنية "الاندماج النووي" غداً، سنصل إلى عام 2050 دون تكهين معظم البنية التحتية لإطلاق ثاني أكسيد الكربون، التي كانت بحاجة إلى الإحلال منذ وقت بعيد.

كما سيحدث شيء آخر أيضاً، لأنَّ وجود طاقة وفيرة يعني استخدام الناس المزيد منها. ومن ثم، يرتفع استهلاك الطاقة بشكل عام، بنسبة 6% في هذا السيناريو، مما يقلل من الفوائد المحتملة للتكنولوجيا الجديدة، وبالتالي، تظل الانبعاثات مرتفعة.

هذا هو أحد السيناريوهات التي اقترحها أحد النماذج العالمية لمحاكاة السياسة المناخية، ويسمى "أون رودز" (En-ROADS)، الذي تمَّ تطويره من قبل "كلايمت إنترأكتيف (Climate Interactive)، و"فينتانا سيستمز" (Ventana Systems)، و"كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

في العام الماضي، عملنا مع مبتكريه على كتابة تقرير إخباري يشرح ما يحدث في نموذج المحاكاة وراء الكواليس، ويسمح للقراء باختبار ذكائهم في إنقاذ الكوكب.

وما ينطبق على سيناريو تقنية عدم استخدام الكربون الجديد ينطبق على العديد من الأساليب الشائعة الأخرى، فهي تستغرق وقتاً طويلاً لإيقاف الانبعاثات في الوقت الحالي.

أدخنة المصانع تلوث البيئة
أدخنة المصانع تلوث البيئة بلومبرغ

جهود خفض الانبعاثات تسير بخطوات بطيئة

على سبيل المثال، لا تصل الأشجار إلى ارتفاع المظلة بين عشية وضحاها. وبحلول عام 2080، يمكن للغابات الجديدة سحب 6 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون من الهواء، أو حوالي 16% من انبعاثات عام 2019. ليس أمراً سيئاً للغاية! لكنَّه أيضاً ليس جيداً، ولا يمكن تحقيقة سريعاً بما يكفي.

هناك العديد من طرق إزالة الكربون الأخرى التي تشمل التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء، وعزل الكربون في التربة، فيما يعرف بتعجيل تكوين المعادن.

أضف تلك الطرق إلى المزيج، في ظل ظروف مواتية للغاية لدرجة أنَّها غير محتملة، وينخفض الاحترار المحتمل بحلول عام 2100 بمقدار نصف درجة مئوية، مما يشكِّل مساعدة هائلة.

سيناريو "أون رودز" هذا متفائل بشأن تقنية إزالة الكربون، لكنَّه لا يضع توقُّعاته في متناول اتفاقية باريس.

سيناريو "أون رودز"

مع وجود إدارة جديدة تتطلَّع إلى كلِّ ركن من أركان البيت الأبيض لخفض الانبعاثات، ومع اصطفاف مجموعات المصالح للضغط من أجل إصلاحات المناخ المفضَّلة لديهم، فإنَّ الأمر يستحق إخراج سيناريو "أون رودز" بغرض التحقق السريع من عدد عناصر الطاقة، والأنظمة الصناعية التي يمكن أن تعمل معاً لرفع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو خفضها.

وقال جلين بيترز، مدير الأبحاث في مركز أبحاث المناخ الدولية في أوسلو: "النظام رائع لإظهار عدم وجود حلول سحرية".

يمكن للمستخدمين اختبار كيفية تأثير أي مجموعة من 18 أداة سياسة (ومئات الافتراضات المتغيرة) على الانبعاثات، والاقتصاد، ودرجة الحرارة.

ويقول أندرو جونز، المدير المشارك في "كلايمت إنترأكتيف"، إنَّ ما يغيب غالباً عن المناقشات السياسية بشأن الحلول المناخية المتنافسة، هو السرعة التي يخفِّضون بها ثاني أكسيد الكربون.

وفي حين يجب أن تنخفض الانبعاثات في أسرع وقت ممكن، في عشرينيات وثلاثينيات القرن الحالي، إلا أنَّ العديد من الأفكار التقنية الشائعة التي نحتاجها

لا تحقق فوائد حتى النصف الثاني من القرن.

المشكلة، على حدِّ تعبير جونز، هو "أنَّ نظام الطاقة يتحوَّل مثل البواخر المحيطية، وليس السيارات الرياضية".

يشير النموذج إلى أنَّ أداء السياسات التي تتنافس الآن على الاهتمام السياسي يختلف بشكل مادي، فيما يتعلَّق بمدى سرعة إغلاق البنية التحتية للوقود الأحفوري.

فمثلاً، من شأن تحديد سعر الكربون بواقع 100 دولار للطن المتري أن يخفِّض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 36% بحلول عام 2050، مما يعد أداة قوية. كما أنَّ السعر نفسه يخفِّض تلويث الهواء بالجسيمات المادية بنسبة 44%، مما ينقذ الأرواح في المجتمعات المحرومة تاريخياً، إذ يضرُّهم الآن بشكل غير متناسب. (كتب موقع "كلايمت إنترأكتيف، منشوراً، ونشر فيديو حول هذه السيناريوهات).

ماذا نفعل في الـ 20 سنة القادمة؟

وقد جذب السؤال حول ما يجب القيام به في السنوات العشر إلى العشرين القادمة انتباه الباحثين. فقال زيكي هاوسفاذر، مدير المناخ والطاقة في "معهد بريكثرو" Breakthrough Institute": "هناك مزيج من مصادر الطاقة المتجددة الرخيصة المتغيرة، والغاز الطبيعي (لملء الفجوات)، التي تعدُّ مناسبة بشكل جيد خلال العقدين المقبلين أو نحو ذلك".

وقد أطلق هاوسفاذر على هذا النهج اسم "ماكينة عمل إزالة الكربون" في تحليلات أمريكية حديثة، فقد كتب عنها هو وأحد زملائه الشهر الماضي.

لا يتحرَّك صنع السياسات في خط مستقيم، مثل إسقاط ربع دولار في ماكينات القمار. إنَّه أشبه بإسقاط ربع دولار في حوض أسماك كبير مملوء بالماء، في محاولة لاستهداف كأس زجاجية في القاع.

وهناك العديد من العوامل المؤثِّرة مثل الكثافة، والتيار، ودرجة الحرارة، لكنَّ أخذ كلِّ هذه الأشياء في الاعتبار قد يؤدي إلى استراتيجية أكثر فاعلية للفوز بالجائزة.