هذا هو الجانب المظلم لهوس آسيا بالطعام والجمال

معايير النحافة غير المنطقية التي وضعتها عارضات الأزياء، من أسباب تنامي اضطرابات الطعام في العالم
معايير النحافة غير المنطقية التي وضعتها عارضات الأزياء، من أسباب تنامي اضطرابات الطعام في العالم المصدر: بلومبرغ
Rachel Sanderson
Rachel Sanderson

Rachel Sanderson is an Australian politician representing the seat of Adelaide in the South Australian House of Assembly for the South Australian Division of the Liberal Party of Australia since the 2010 election. Sanderson has served as the minister for Child Protection in the Marshall Ministry since 22 March 2018.

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

في زيارة للطبيب مؤخراً، أنّبني اختصاصي الغدد الصماء بسبب زيادة وزني بعض الكيلوغرامات، وقال لي: "أنت لست بدينة"- وفعلاً أنا لست كذلك لا من قريب ولا من بعيد- "ولكن عليك مراقبة وزنك".

تركت عيادة الطبيب بعد انتهاء الموعد وأنا أشعر بسخط وتردد في الوقت نفسه. ولكن، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أواجه فيها هذا المستوى من الصراحة حول جسدي أو مظهري منذ انتقالي للعيش في آسيا. عندما كنت حاملاً بطفلي في هونغ كونغ، أكدت أستاذتي في اللغة الصينية أنني أحمل طفلاً ذكراً. وقالت لي: "الصبيان يمنحون الأمهات الجمال، أما البنات فيسلبن ذلك منهن".

بعد مرور عدة سنوات منذ ذلك الوقت، وأثناء حديثي مع وكيل العقارات الخاص بي في سنغافورة، وجدت أنه شعر بالارتياح لسماعه أنني حامل بطفلي الثاني. قال لي: "اعتقدت أنك فقط تزدادين سمنة!".

اهتمام مفرط بالمظهر

يتناقض هذا الاهتمام المفرط بالمظاهر مع الحب الموازي له نحو ثقافة الطعام. فغالباً ما يمزح السنغافوريون قائلين إنهم يبدؤون التخطيط للغداء بمجرد انتهائهم من الإفطار، فضلاً عن أن السؤال "هل أكلت؟" يعد أفضل طريقة للسلام والترحيب. وكما قال أحدهم، فإن الخالات اللاتي يشجعنك على تناول المزيد من الطعام، هن أول من يخبرنك أنك أصبحت بديناً.

من الصعب الموازنة بين هذه الرسائل الاجتماعية المتخبطة في أفضل الأوقات. فإذا ما أضفنا العزلة ومشاعر القلق والخوف في عصر "كوفيد-19"، فلا عجب أن تصبح اضطرابات الأكل مصدراً للقلق المتزايد. ومع ذلك، لا تزال هذه الحالات غير مفهومة كما يجب. ويعتقد الأشخاص الذين يعانون منها في الكثير من الأحيان بأنهم لا يحتاجون إلى المساعدة، مما يجعل التشخيص والعلاج المناسب بعيديْ المنال.

وعلى الرغم من كل هذا الحديث الصريح عن الجمال، فإن الحديث عن اضطرابات الأكل والصحة النفسية بشكل عام، لا يزال يعد من المحرمات في أجزاء كثيرة من آسيا. ولكن في مثل هذه اللحظات من الانفصال الاجتماعي وعدم الترابط المطلق، يمكن أن تصبح هذه الفجوات مسألة حياة أو موت.

تعرضت الممثلة الصينية يانغ مي، لانتقادات مؤخراً بسبب نشرها لوزنها على وسائل التواصل
تعرضت الممثلة الصينية يانغ مي، لانتقادات مؤخراً بسبب نشرها لوزنها على وسائل التواصل المصدر: صور غيتي

اضطرابات الطعام مشكلة عالمية

لعقود من الزمن، اعتقد المجتمع الطبي، أن اضطرابات الطعام مثل فقدان الشهية والشره المرضي عبارة عن ظواهر تؤثر في المقام الأول على الشابات من ذوي البشرة البيضاء، وخاصة الثريات والمتعلمات منهن. وكان يُنظر إلى الانتشار العالمي لهذه الظواهر على أنه نتيجة مؤسفة لمحاكاة ثقافة الغرب التي انتشرت، وانتشار بطاطس "ماكدونالدز" المقلية التجارية، والمغلف بمعايير غير واقعية لصورة الجسد من عارضات الأزياء، مثل كيت موس.

لكن تشير الأبحاث الحديثة إلى أن وجهة النظر هذه ليست دقيقة تماماً. وأن أفضل طريقة للنظر في هذا التوجه المقلق هو بدراسته تحت عدسة مجهر التنمية. حيث إن القيمة المعطاة للنحافة المفرطة، هي نتاج حقبة التصنيع والتوسع العمراني، وهي مراحل وصل إليها الغرب قبل آسيا، وليست نتيجة تصدير الثقافة الغربية بالجملة. وذلك بناء على ما جاء في مقال نشر في مجلة اضطرابات الأكل لعام 2015.

بعبارة أخرى، يقع اللوم على أسلوب الحياة السريع الذي يمتاز بالطموح الاقتصادي، وهو أسلوب يتتبع كل شيء بدءاً من ساعات العمل في المكتب والمكافآت إلى عدد الخطوات اليومية التي نمشيها والصور التي تعجبنا.

وأشار كتّاب المقال إلى أن الأعراض المرتبطة باضطرابات الأكل قد تكون أكثر حدة في كوريا الجنوبية والصين وتايلاند مقارنة بالولايات المتحدة.

ويذكر أنه من تحديات وسائل التواصل الاجتماعي المجنونة التي انتشرت في جميع أنحاء الصين في عام 2016، على سبيل المثال، يتلخص بقدرة الناس على إحاطة خصرهم باستخدام ورقة من قياس "A4"، لا يزيد عرضها عن ثماني بوصات.

عرّفت العارضة كيت موس، مستويات الجمال في التسعينيات، بأنها تلك التي تستند على النحافة الزائدة
عرّفت العارضة كيت موس، مستويات الجمال في التسعينيات، بأنها تلك التي تستند على النحافة الزائدة المصدر: غيتي ايمجز

وسائل التواصل الاجتماعي

في ظل كل هذا، يبدو أن عصرنا المرتبط بالشاشة وظاهرة الهروب إلى عالم "انستغرام"، يحتوي على المكونات والظواهر المثيرة للقلق. فقد تحصد الـ"مؤثرة" على وسائل التواصل الاجتماعي، نجاحاً كبيراً قصير الأمد وبسرعة بسبب نشر صور تحضيرها للعصير الصحي الممزوج بالكركم. ولكن هذا لا ينطبق بالتأكيد على كيس رقائق البطاطس الذي التهمته وهي تعمل على تسليم مشروع في موعده النهائي.

وحتى صور الـ"سيلفي" التي تأخذها أثناء أدائها التمارين الرياضية الأنيقة قد تكون مضللة. وهناك 115 مليون مستخدم نشط شهرياً على تطبيق "ميتو" (Meitu)، وهو تطبيق صيني لتحسين الصور، يتيح لكم القيام بكل شيء من إعادة نحت شكل فككم إلى ترقيق أنفكم.

كما تم تفعيل تطبيقات الجمال وغيرها من المنتجات المملوكة للشركة التي تحمل نفس الاسم، على 2.2 مليار جهاز هاتف ذكي على مستوى العالم.

وقد كانت مخاطر الحياة الخيالية المنسقة موجودة قبل الجائحة، إلا أنها يمكن أن تكون مزعزعة للاستقرار في حالة عدم لقاء أشخاص عاديين لديهم عيوبهم وبعيدين عن المثالية، وجهاً لوجه وعلى أساس منتظم.

الصور قبل (يمين) وبعد التعديل، عبر تطبيق "ميتو  كام" الصيني
الصور قبل (يمين) وبعد التعديل، عبر تطبيق "ميتو كام" الصيني المصدر: بلومبرغ

مسؤولية العائلات في اضطرابات الطعام

على الرغم من كل هذا، فقد تكون ديناميكيات الأسرة هي الأكثر ضرراً من وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب نيشتا غيتا ثيفاراجا، كبيرة الأطباء النفسيين في مستشفى سنغافورة العام. وفي حين ناقش الباحثون مدى تأثير العوامل الوراثية أمام المحفزات الثقافية، يتفق العديد من الأطباء على أن العائلات تلعب دوراً في ظهور اضطرابات الأكل. ويمكن أن يصبح العيش مع العائلة كما في آسيا، حيث يعيش الشباب غير المتزوجين غالباً مع والديهم، نقطة ضعف. ويذكر أن نحو 27% من الأسر السنغافورية يبلغ أصغر أفرادها 16 عاماً أو أكثر.

وقد تعرض من يواجهون معاناة كبيرة بسبب الضغط عليهم لتحسين مظهرهم، إلى حصار أثناء إغلاق المدينة لمدة شهرين العام الماضي في مساحات الشقق والمنازل، وواجهوا ما يمثل تهديداً لأي جهود هشة للشفاء.

ومن الصعب تحديد مدى انتشار أمراض اضطرابات الطعام في سنغافورة نظراً لقلة الأبحاث. وقد وجدت إحدى الدراسات التي تم نشرها في أواخر العام الماضي، والتي استشهدت بهذا النقص في الأبحاث، أن 63% من المشاركين أظهروا نتائج إيجابية لاضطرابات الأكل أو كانوا معرضين لخطر الإصابة باضطراب من هذا النوع. في حين أفاد أقل من 2% من المجموعة السابقة أنهم يخضعون للعلاج حالياً.

فقدان الثقة ونقص التعاطف

تعد النتيجة النهائية لأحد الأبحاث خطيرة للغاية، حيث إن فقدان الشهية العصبي، والذي يتسم بتقنين تناول الطعام، ينتج عنه أعلى معدل وفيات من أي اضطراب عقلي آخر، بناءً على ما أفاده المعهد الوطني للصحة العقلية الذي تديره الحكومة الأمريكية.

ويقول دون سو، المدير الطبي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة "سيغنا إنترناشيونال ماركيتس" إن العديد من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها أو لا يتم الالتفات إليها بسبب أمراض أخرى مثل القلق والاكتئاب؛ ويبلغ الأمر درجة إلى حد عدم الالتفات لمرض مثل السكري عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يتناولون الطعام بنهم. كما وجدت إحدى الدراسات التي أُجريت على طالبات جامعات في سنغافورة أن 14% منهن فقط استطعن التعرف بشكل صحيح على أعراض الشره المرضي، والذي يقوم المصاب به بالتهام كميات كبيرة غير معتادة من الطعام ثم تخليص الجسم منها. وقد عزا ما يقرب من 40% من المشاركات في الدراسة هذه السمات إلى قلة الثقة بالنفس.

وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة للعلاج، حيث أظهرت دراسة أجريت على المراهقين الصينيين الذين يعانون من فقدان الشهية في هونغ كونغ أن الأهل غير راضين عن برامج إعادة التأهيل، ويقولون إن معارف المتخصصين الصحيين وخبراتهم محدودة، وإنهم يقدمون تفسيرات متفرقة. كما أفادت الدراسة أن لدى هؤلاء الأشخاص ضعفا في التواصل، ونقصا ملحوظا في التعاطف من الأطباء، وغيرها من الأمور.

مهمة صعبة للعلاج

ركزت الأساليب المقترحة للعلاج من الأهالي بشكل كبير على استعادة الوزن بدلاً من الحصول على الدعم النفسي. ووجد العاملون على الدراسة أن بعض الأساليب، مثل مراقبة النظام الغذائي في المنزل، تعد "مهمة صعبة" بالنسبة للأهل وأنها أدت إلى توتر علاقتهم مع أبنائهم. وبشكل عام، تم ترك العائلات للعمل لوحدهم لإيجاد حلول لأبنائهم.

إلا أن رحلة التعافي صعبة بنفس الدرجة بالنسبة للبالغين. فسام، 43 عاماً، على سبيل المثال، والتي نشأت في المملكة المتحدة وتعيش في هونغ كونغ منذ أربع سنوات، عانت من مرض فقدان الشهية لأكثر من عقدين. كما تم تشخيصها بالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. وتتذكر سام أنها كانت تقول لنفسها إنها سمينة، وقبيحة، وغبية، وغير محبوبة، وعديمة الفائدة، وعديمة القيمة، وكادت أن تدخل المستشفى في أوائل الثلاثينيات من عمرها حفاظاً على سلامتها.

وكتبت سام في رسالة بالبريد الإلكتروني: "لسوء الحظ، وباستثناء زوجي الذي كان بجانبي في كل خطوة على هذا الطريق، ظل كل من عائلتي وأصدقائي وزملائي في العمل يتظاهرون بأنه لا توجد مشكلة". وحتى أخصائيي الرعاية الصحية قاموا بارتكاب أخطاء مع سام. فقد قال طبيب عام في وقت من الأوقات لسام إنها "سمينة جداً".

مراعاة الشعور قبل الوزن

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الخوف من قول الشيء الخطأ عائقاً أمام المساعدة. فعليكم البحث عن العلامات التحذيرية، مثل الوساوس حول الطعام التي تعيق التركيز على أي شيء آخر. حيث يكافح بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل لإجراء محادثة على مائدة العشاء لا تتركز على قائمة الطعام، أو يسكتون لحساب السعرات الحرارية في عقلهم. ومن المهم إعطاء نفس القدر من الاهتمام لهذه السلوكيات مثل الاهتمام المعطى لزيادة الوزن أو فقدانه، لأن بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل مثل الشره المرضي أو الشراهة عند تناول الطعام، يبدو أنهم يتمتعون بوزن طبيعي، أو يعاني بعضهم من زيادة الوزن.

عندما تكونون مستعدين لاتخاذ خطوة ما، حاولوا تجنب سرد المخاطر الصحية المحتملة، أو الإكراه على تناول الطعام، أو طرح أسئلة تشبه تحقيقاً في النيابة العامة، مثل "لماذا تفعل هذا بنفسك؟". فسيكون التعبير عن قلقكم ورغبتكم في المساعدة أكثر إنتاجية وفعالية. وإذا لاحظتم أي تغيرات جسدية لدى الأشخاص في محيطكم، فعليكم بسؤالهم عن شعورهم بدلاً من التركيز على زيادة الوزن أو خسارته، وذلك بناءً على ما قالته أوديلي ثيانغ، المستشارة السريرية في مؤسسة "مايند هونغ كونغ" الخيرية للصحة العقلية. ومن المحتمل أن يستغرق حصول انفراجه أو تقدم بضع محاولات.

ولقد كان الافتقار إلى نظام روتيني أثناء الجائحة منهكاً بالنسبة لبعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل، مما أدى في بعض الأحيان إلى رغبتهم في ممارسة شكل من أشكال السيطرة على حياتهم من خلال اتباع نظام غذائي شديد التحفظ، وممارسة الرياضة.

إلا أن ما حصل أثناء الجائحة دفع آخرين نحو اضطراب أكثر قتامة أدى في النهاية إلى الموت. وإذا كنا تعلمنا من السنة الماضية أي شيء، فهو أهمية الاعتناء بأنفسنا بشكل أفضل. وبالتالي فإنه من المهم أن نعتني ببعضنا البعض بشكل أفضل أيضاً للحد من هذه الأمراض الصحية والذهنية.