إلى متى يمكن للدول الأوروبية حماية شركات "الزومبي" من الإفلاس؟

الحكومات الأوروبية قدمت مليارات اليورو من أجل حماية الشركات من التعثر والإفلاس وقت أزمة كورونا، لكن إلى متى ستستمر في تقديم هذا الدعم؟
الحكومات الأوروبية قدمت مليارات اليورو من أجل حماية الشركات من التعثر والإفلاس وقت أزمة كورونا، لكن إلى متى ستستمر في تقديم هذا الدعم؟ المصدر: بلومبرغ
Chris Bryant
Chris Bryant

Chris Bryant is a Bloomberg Opinion columnist covering industrial companies. He previously worked for the Financial Times.

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

في الربيع الماضي، عندما أدخل الوباء أوروبا في عمليات الإغلاق لأوَّل مرة، كانت هناك تنبؤات معقولة بحدوث موجة مدٍّ وجزر من حالات إفلاس الشركات. لكن، هذا لم يحدث، على الأقل حتى الآن.

انخفض عدد الشركات التي أعلنت إفلاسها بنحو الخمس في منطقة اليورو خلال العام الماضي، على الرغم من تقلُّص الناتج الاقتصادي بأكثر من 6%.

دعم حكومي للشركات

لقد تمَّ إنقاذ الشركات من خلال الدعم الحكومي الهائل، بما في ذلك مئات المليارات من اليورو في صورة ضمانات القروض العامة، وإعانات الأجور والتسامح مع القروض من قبل البنوك. وتمَّ تخفيف القوانين بخصوص متى يتعيَّن على الشركات تقديم طلب الإفلاس؟.

حالات  الافلاس بالدول الأوروبية
حالات الافلاس بالدول الأوروبية المصدر: بلومبرغ

السؤال الكبير هو ما إذا كانت أوروبا قد أخَّرت الأمر المحتوم فقط من خلال دعم الشركات المتعثِّرة مالياً (التي يطلق عليها الاقتصاديون اسم "الزومبي")، أو ما إذا كان الطلب المتزايد، وتسريع معدلات التطعيم يمكن أن يمنع حدوث موجة الإفلاس. لقد كان هناك المزيد من التفاؤل مؤخَّراً، ولكن العديد من حالات فشل الشركات

ما تزال تبدو حتمية.

وبغضِّ النظر عن الانهيارات الداخلية البارزة، مثل تلك التي حدثت في شركة الطيران النرويجية منخفضة التكلفة "آير شاتل النرويجية"، أو مجموعة "أركاديا غروب" المالكة لمتاجر "توب شوب"، أو ما حدث لشركة التكنولوجيا المالية "وايركارد" التي قامت بالاحتيال، فإنَّ اتجاه الإفلاس الأخير كان عكس ما يحدث عادةً في فترة الركود.

حالات  الافلاس بالدول الأوروبية
حالات الافلاس بالدول الأوروبية المصدر: بلومبرغ

تسامح أوروبي مع الشركات

وبالمقارنة مع الولايات المتحدة، التي اضطرت الشركات الكبيرة فيها مثل شركة تأجير السيارات العملاقة "هيرتز كوربوريشن"، وشركة "فرونتير" للاتصالات لتقديم ملف إفلاس بموجب الفصل 11، فإنَّ بعض الدول الأوروبية كانت متسامحة بشكل خاص.

فقد سجَّلت ألمانيا أقل عدد من حالات إفلاس الشركات منذ 1999 على الأقل، وتعدُّ حالات الإفلاس الإنجليزية والفرنسية هي الأدنى منذ أكثر من 30 عاماً.

ومع ترك أجزاء كبيرة من الاقتصاد سالمة نسبياً من الوباء، وأسعار الفائدة ما تزال في الحضيض، والمستهلكون الذين على استعداد لإنفاق مدخراتهم الوبائية، واستعداد صندوق التعافي الأوروبي لبدء مدفوعات بقيمة 750 مليار يورو (900 مليار دولار)؛ تبدو فكرة "الأسوأ قد انتهى" جذابة.

على الرغم من ذلك، لا ينبغي لصانعي السياسات اعتبار "انخفاض عدد طلبات الإفلاس في أوروبا علامةً على صحة الشركات"، ذكر هذا التحذير مجلس المخاطر النظامية الأوروبي - الذي يشرف على النظام المالي للقارة، الذي أشار إلى أنَّه في أسوأ السيناريوهات، قد يكون الهدوء الحالي هو "تراجع البحر قبل حدوث تسونامي".

وبسبب ضمانات القروض الحكومية، فإنَّ فشل الأعمال التجارية من شأنه أن يلحق المزيد من الضرر بالمالية العامة. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وغيره من القادة في عجلة من أمرهم لتخفيف قيود الإغلاق. كل يوم من الإيرادات المفقودة يعمِّق الفجوة التي يجب على الشركات الصعود منها.

تأجيل حالات الإفلاس

ومع ذلك، فإنَّ شركات "الزومبي" الحقيقية - تلك التي كانت تعاني من ضائقة مالية قبل الوباء، ولكنَّها كانت قادرة على تجنُّب تقديم طلب الإفلاس لحماية الدائنين في العام الماضي - ستبقى في هذه الفجوة. لقد "تمَّ تأجيل العديد من حالات الإفلاس بدلاً من منعها"، كما تشير شركة التأمين على الائتمان "كوفاس" الفرنسية.

في حين تتوقَّع شركة "إولير هيرميس"، وهي شركة تأمين ائتماني أخرى، أن ترتفع حالات الإفلاس العالمية 13% في عام 2021 مقارنة بعام 2019. وفي عام 2022 تتوقَّع أن تكون حالات الإفلاس أعلى 27% عن عام 2019.

وفي ظلِّ هذه الظروف، ستكون هذه نتيجة مقبولة. كما أنَّ الشركات التي كانت تتمتَّع بصحة جيدة تتحمل عبء الاقتراض الضخم، وعبء إعادة فتح الأعمال التجارية، مما يجلب مخاطر جديدة. فبعد فترة سبات طويلة، يتعيَّن على الشركات إعادة بناء المخزون، وإعادة توظيف الموظفين، مما قد يغرقهم أكثر في الديون.

مخاطر أعلى في جنوب أوروبا

من جهة أخرى، تواجه صناعات السفر والضيافة أكبر الصعوبات، التي لا تبشر بالخير لجنوب أوروبا، إذ تمثِّل هذه الصناعات حصة أكبر من الناتج، وفي الوقت ذاته لدى حكومات هذه المنطقة قوة مالية أقل. وقد تشهد إسبانيا وإيطاليا حالات إفلاس أكثر من ألمانيا.

تجري الآن رقصة مخادعة تحاول فيها كلٌّ من الحكومات والمقرضين فصل الشركات عن الدعم المالي، في حين يتمُّ فصل الشركات ذات الآفاق طويلة الأمد عن الشركات التي لا أمل فيها. لكنَّ تمييز أحدهما عن الآخر ليس بالأمر السهل.

وبعد فترة توقُّف طويلة، تقول ألمانيا، إنَّ الشركات المثقلة بالديون يجب أن تقدِّم على الفور طلباً للإفلاس. وسينتهي الشهر المقبل دعم الحكومة الألمانية للتأمين الائتماني الذي يدعم التجارة الحيوية.

طائرات تابعة لشركة إير فرانس في مطار شارل ديغول - باريس
طائرات تابعة لشركة إير فرانس في مطار شارل ديغول - باريس المصدر: بلومبرغ

الدعم المالي قد يستمر

ومع ذلك، في ظلِّ اقتراب الانتخابات الوطنية في ألمانيا وفرنسا، وتعرُّض الحكومات في كل مكان لضغوط بسبب تعاملها مع الوباء، هناك جاذبية قوية تجاه إبقاء حنفية النقد مفتوحة.

انظر كيف قامت باريس بإغداق الأموال على "الخطوط الجوية الملكية الهولندية" التابعة لـ"إير فرانس". وتمَّ منح الشركات الصغيرة في بريطانيا ما يصل إلى 10 سنوات لسداد ما يسمى بقروض "الارتداد". ومن المحتمل ألا يتمَّ استرداد الكثير من 47 مليار جنيه استرليني (65 مليار دولار) التي اقترضوها.

البنوك تقلص المخصصات

لذلك، لا عجب أن تبدو البنوك الأوروبية أكثر تفاؤلاً بشأن الإقراض التجاري. فقد قامت مجموعة "لويدز المصرفية"، وبنك "إتش إس بي سي" بإلغاء بعض مخصَّصات القروض المعدومة، في حين تقول شركة "إيرست غروب بنك" النمساوية، إنَّ "الغالبية العظمى" من العملاء استأنفوا سداد مدفوعات القروض "دون تأخير".

وحتى لو تبيَّن أنَّ هذه الثقة في غير محلِّها، فإنَّ القطاع المالي يتمتَّع برسملة أفضل الآن، مما كان عليه قبل الركود الأخير. والمساهمون أكثر تفاؤلاً أيضاً، فلقد ارتفع مؤشر البنوك "يورو ستوكس" 23 %هذا العام.

سيقول أتباع السوق الحرة، إنَّ قرار أوروبا بدعم شركات "الزومبي" قد تسبَّب بالفعل في ضرر دائم من خلال منع العمالة، ورأس المال من التحوُّل إلى أعمال أكثر ديناميكية. ويقولون، إنَّ التدمير الخلَّاق ضروري للرأسمالية، ويرون أنَّ الإنتاجية ستعاني.

لكنَّ هذا الطرح فظٌّ جداً. ففي حين أنَّ التدخل الحكومي المكثَّف غالباً ما يكون مستهدفاً بشكل سيئ، إلا أنَّه منع انهيار الشركات الصحية. واحتفظ الموظفون بوظائفهم، واستطاعت البنوك الاستمرار في تقديم الائتمان. وكان الركود في أوروبا شديداً، لكن كان من الممكن أن يكون أسوأ بكثير.

منذ العام الماضي، لم يكن بوسع أيِّ جهة إقراض أو حكومة أن تحكم بشكل معقول على آفاق الشركات التي تضررت بشكل دائم. وبحلول الصيف ينبغي أن يكون لديهم فكرة أفضل بكثير عن ذلك، فهناك بعض القرارات الصعبة بانتظارهم.