قطاع التمويل يخاطر بالعيش في الماضي بعالم أخضر

الخبراء يحذرون من أن التغير المناخي من الممكن أن يؤدي إلى أزمات مالية عالمية
الخبراء يحذرون من أن التغير المناخي من الممكن أن يؤدي إلى أزمات مالية عالمية المصدر: بلومبرغ
Alok Sharma
Alok Sharma

Alok Sharma, a U.K. government cabinet minister and Conservative member of Parliament, is president-designate of the 2021 United Nations Climate Change Conference.

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

إنَّ آثار تغيُّر المناخ في كل مكان حولنا. ومنذ بدء تسجيل حرارة المناخ، كان العام الماضي الأكثر سخونة على الإطلاق، وكذلك العقد الماضي بأكمله.

وبعد ما يقرب من عقد ونصف من الأزمة المالية العالمية، يُحذِّر الخبراء من أنَّ الآثار - من ارتفاع منسوب مياه البحر، والفيضانات، والجفاف، وحرائق الغابات - يمكن أن تُضاعف إمكانية حدوث الأزمات المالية.

التزام أكبر بالانبعاثات الصفرية

لكنَّ الأخبار المشجِّعة هي أنَّ العالم يصبح أكثر اخضراراً. إذ أصبحت الطاقة المتجددة الآن أرخص من الفحم والغاز الجديدين في غالبية العالم، وحوالي 70% من الاقتصاد العالمي مغطى حالياً بأهداف انبعاثات صفرية صافية، بالمقارنة مع أقل من 30% عندما تولت المملكة المتحدة رئاسة "كوب 26"، وهو مؤتمر الأمم المتحدة الحاسم لتغيُّر المناخ، الذي ستستضيفه المملكة المتحدة في شهر نوفمبر.

فمع الضغط الصحيح من كلا القطاعين العام والخاص، ما يزال هناك مستقبل ممكن أن يكون فيه العالم محمياً من أسوأ ما في تغيُّر المناخ، عالمٌ نَخلق فيه فرص العمل، ونصنع الازدهار دون الإضرار بالكوكب. لذا من مصلحة التمويل الخاص الاستثمار في ذلك المستقبل.

أصول لم يعد لها قيمة

خلصت دراسة حديثة أجرتها "كلية لندن الإمبراطورية"، و"الوكالة الدولية للطاقة" إلى أنَّ الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، شهدت مراراً عوائد أفضل من الاستثمارات في الوقود الأحفوري. ويمكن أن تصبح الاستثمارات "غير الصديقة للبيئة"عبئاً سريعاً من ناحية التكلفة.

وإذا استمرت خطط تنفيذ مشروع الفحم، فإنَّ مؤسسة الأبحاث المالية المستقلة "كاربون تراكر" تقدِّر أنَّها يمكن أن تخلق ما قيمته 630 مليار دولار من الأصول المحصورة التي لم تعد لها قيمة.

إنَّ العديد من المؤسسات المالية تُحرز تقدُّماً فعلياً. ففي إبريل، اجتمعت 160 شركة مالية في إطار "تحالف غلاسكو المالي من أجل صفر انبعاثات" (GFANZ) لوضع أهداف طموحة كجزء من تحالف استراتيجي جديد للدفع بعملية الانتقال. ويشمل مديرو الأصول المسؤولين عن أصول بقيمة 37 تريليون دولار، مما يمثِّل حوالي 40% من الصناعة، بالإضافة إلى 43 مصرفاً من 23 دولة.

مستقبل أكثر اخضراراً وربحية

هذه الجهود مرحبٌ بها، لكنَّها ليست كافية. إذ يحتاج القطاع المالي بأكمله إلى رسم مسار نحو الاستدامة، في حال أردنا تأمين ذلك المستقبل الأكثر اخضراراً، والأكثر ربحية.

لهذا السبب، جنباً إلى جنب مع محافظ "بنك إنجلترا "السابق "مارك كارني"، ومع مناصري العمل المناخي رفيعي المستوى في الأمم المتحدة، قمت بإصدار دعوة للمؤسسات المالية الخاصة لاغتنام فرصة التحرُّك خلال الأشهر الستة المقبلة.

أولاً، نحثُّ المزيد من الشركات المالية على الوقوف خلف "تحالف غلاسكو المالي من أجل صفر انبعاثات"، ويتعيَّن على الشركات الرائدة في التحالف أيضاً أن تتقدَّم بتعهدات مؤثرة، مثل سياسات التخلص التدريجي من تمويل الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، بالإضافة إلى وضع أهداف لأعوام 2025، و2030 مستندةً إلى العلم والمساءلة، وخطط انتقالية قوية تحدد ما سيتمُّ القيام به لتحقيق صافي "الصفر"،

لاسيَّما على المدى القصير إلى المتوسط.

يجب أن يتمَّ ذلك قبل انعقاد "كوب 26"، ومن الأهمية بمكان أن تكون هذه الالتزامات صارمة، وتُحدث فرقاً فعلياً.

الاستثمار في البلدان النامية

ثانياً، يجب أن يتدفَّق التمويل الجديد إلى البلدان النامية والأسواق الناشئة، إذ تشتد الحاجة إليه. فهناك ما يقرب من 23 تريليون دولار من الفرص للاستثمار الذكي مناخياً في الأسواق الناشئة من الآن حتى عام 2030.

من خلال ضخ رأس المال في مشاريع خالية من الكربون، وقابلة للتكيف مع المناخ في مجالات مثل الطاقة الشمسية، أو مزارع الرياح أو أنظمة الإنذار المبكر، يمكننا المساعدة في ضمان تطوير الحكومات، والقطاع الخاص على طول المسار صافي "صفر" القابل للتكيُّف مع المناخ، مما سيمنع التاريخ من تكرار نفسه.

الابتعاد عن الفحم

ثالثاً، يجب على المؤسسات المالية أن تبتعد بشكل عاجل عن الفحم، فهو من مخلَّفات عصر مضى.

لأنَّ الطاقة المتجددة هي مصدر الطاقة الوحيد الذي زاد الطلب عليه في عام 2020 على الرغم من الوباء.

لكنَّ القيادة مطلوبة للقيام بدفعة أخيرة لترك الفحم في الماضي، فهو الزمان الذي أصبح ينتمي إليه.

في مايو، تعهد اجتماع وزراء المناخ والبيئة في "مجموعة السبع"، الذي شاركت في رئاسته، بإنهاء التمويل الدولي للفحم في عام 2021، وتسريع الانتقال بشكل كبير نحو نظام طاقة خالٍ من الكربون في 2030.

كما اتفقنا على حماية الأرض والمحيطات في العالم، وإدراج المخاوف البيئية في صنع القرار المالي والاقتصادي.

إنني أدعو المؤسسات المالية إلى الاشتراك في تفعيل مبادئ "تحالف الفحم من الماضي"، واتباع الجداول الزمنية المستندة إلى العلم، للتخلص التدريجي من الفحم. وعلماً أَّنَّه من دون مثل هذا الإجراء، فإنَّ تلك المؤسسات تخاطر أن تعيش في الماضي.

الإفصاح عن المخاطر المناخية

رابعاً، يجب على الشركات المالية القياس، والإدارة، والإبلاغ عن تأثيراتها على البيئة. فقد تعهد وزراء مالية "مجموعة السبع" تعهداً مهماً الأسبوع الماضي، ألا وهو التحرُّك نحو إلزام المؤسسات المالية بالكشف عن المخاطر المناخية.

إذ لا تعدُّ هذه التقارير ضرورية لكوكبنا فحسب؛ بل تساعد أيضاً الشركات في إدارة المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية التي يوفِّرها الانتقال إلى "صافي الصفر".

لذلك أحثُّ الشركات الآن على ضمان الإبلاغ الواضح والشامل عن المعلومات المتعلِّقة بالمناخ، بما يتماشى مع توصيات فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلِّقة بالمناخ.

التحول للاستثمارات المستدامة

أخيراً، يجب أن تَأخذ القرارات المالية بعين الاعتبار العالم الطبيعي من حولنا. ويجب أن تلتزم الشركات بعدم وجود أي أثر لإزالة الغابات في كل محافظها بحلول عام 2025، وأن تصبح "إيجابية تجاه الطبيعة" بحلول عام 2030، مما يضمن مساهمة الاستثمارات في استعادة العالم الطبيعي.

ويشمل ذلك عكس مسار فقدان التنوع البيولوجي المرتبط بحافظات الاستثمار والإقراض، والإعلان عن استثمارات مادية جديدة في الحلول القائمة على الطبيعة.

على الرغم من أنَّه بإمكان الحكومات أن تصدر تشريعات لتفويض أو تشجيع الاستراتيجيات الصديقة للمناخ. كما يتضح بشكل متزايد أنَّ تسخير الزخم، واتخاذ الخيارات الخضراء أمر منطقي من الناحية التجارية.

وخلال كل الأحداث الرئيسية التي ستعقد في الأشهر الستة المقبلة، بما في ذلك أسابيع العمل المناخي في إفريقيا، ومنطقة آسيا، والمحيط الهادئ، ولندن، ونيويورك، و"مؤتمر فينيسيا للمناخ"، فنحن نحثُّ الشركات على الإعلان عن أنواع الالتزامات الهادفة التي حددتها.

ستعمل رئاسة "كوب 26" على توسعة هذه الإعلانات لزيادة الطموح المطلوب طوال الطريق وصولاً إلى "غلاسكو".

إنَّ الفرص التي يوفِّرها هذا المستقبل الأكثر اخضراراً هي فرص حقيقية وملموسة، لن تظلَّ في متناول أيدينا لفترة أطول.