لغزٌ كبير في عالم ألعاب الفيديو

مقطع من إعلان لعبة "أباندوند"، التي سيتم الإعلان عنها بشكل لائق خلال الشهر المقبل
مقطع من إعلان لعبة "أباندوند"، التي سيتم الإعلان عنها بشكل لائق خلال الشهر المقبل المصدر: شركة بلو بوكس
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

يبحث عشرات الآلاف من الأشخاص وينسقون سوياً عبر شبكة الإنترنت، عن أدلة تحيط بما يمكن اعتباره إما سلسلة من الصُّدف الغريبة، أو مؤامرة يقودها أحد أشهر مخرجي ألعاب الفيديو في العالم.

بداية اللغز

بدأت القصة بإعلان للعبة على جهاز "بلاي ستيشن 5"، تحمل عنوان "أباندوند" (Abandoned). حيث أعلنت شركة "سوني غروب" في شهر أبريل الماضي عن مشروع هذه اللعبة، التي حصلت عليها من شركة هولندية صغيرة تدعى "بلو بوكس غيم ستوديوز"، ولم تكشف الشركة سوى تفاصيل قليلة عنها. ومن هنا ظهرت نظرية تقول بأن لعبة "أباندوند" غير موجودة أصلاً، وأن هذا الإعلان في الواقع ما هو إلا مشروع جديد وسري من صانع الألعاب الياباني المحبوب والغريب هيديو كوجيما، مبتكر سلسلة "ميتال غير" الشهيرة.

تفشي نظرية المؤامرة

بغرض البحث بهذا اللغز، أنشأ المتابعون مجتمعاً خاص بهم على موقع "ريديت"، يضم الآن أكثر من 5 آلاف عضو. وتم تدعيم الضجة المثارة جزئياً، من خلال إلقاء الضوء على تاريخ كوجيما الخرافي الحافل في الأعمال المثيرة، واستخدام الحيل المختلفة في صناعة الألعاب والترويج لها. حيث كان كوجيما قد أنشأ في الماضي شركات وهمية، وقام باستئجار بعض الممثلين للإعلان عن أحد ألعابه.

وأشار البعض، إلى أن التعليقات والأفعال المختلفة التي صدرت عن حسن كهرمان، رئيس شركة "بلو بوكس"، تحمل تناقضات غريبة، وبدا أنها تتناسب أكثر مع أساليب كوجيما، أسطورة ألعاب الفيديو.

رئيس "بلو بوكس"

في مقابلة استمرت لمدة ساعة مع "بلومبرغ"، حاول كهرمان إزالة الغموض عن العديد من النقاط الداعمة للمؤامرة، مؤكداً أن لعبته لا علاقة لها بكوجيما. حيث قائلاً أن الاستوديو الخاص به يتكون من "شبكة من الأصدقاء"، مضيفاً أنه مطور ألعاب مدرب، وليس ممثلاً بأي حال.

وفي الحقيقة، فقد ظهر دليل يدعم نقطة كهرمان الأخيرة. فوفقاً للقطات الشاشة، التي تمت مشاركتها مع" بلومبرغ" بواسطة مطور ألعاب، لا علاقة له بهذا الموضوع وطلب عدم الكشف عن هويته. فقد كان كهرمان يشارك بانتظام خلال الأشهر الثلاثة الماضية في منتدى خاص لمطّوري الألعاب، يدعى "أنريل إنجن". حيث قام بالإجابة على الأسئلة والرد على الآخرين في المنتدى حول هذا الموضوع.

حقيقة أقل إثارة

وحسب رواية كهرمان، تبدو الحقيقة أقل إثارة بكثير. فشركته غير المعروفة كانت تبحث بشكل حثيث عن فرصة كبيرة للاستفادة من الاهتمام المفاجئ بها. وكانت تحاول القيام بذلك دون تنفير شريكتها "سوني"، أو خرق الاتفاقيات الترويجية. وقال كهرمان في مكالمة عبر الهاتف: "لا يهم كم أحاول دحض هذا، فالناس لا يصدقون ذلك، ويتوقعون شيئاً غير موجود، وهذا يضايقني".

المؤامرات في عصر الإنترنت

من الممكن أن تظهر نظرية المؤامرة في أي مجال. وفي كثير من الأحيان تنمو هذه النظريات على هامش حدث كبير، مثلما حدث في الهبوط على سطح القمر، أو اغتيال جون كينيدي، أو أحداث 11 سبتمبر. لكن في بعض الأحيان، يمكن أن تنطلق نظرية المؤامرة على ما يبدو من لا شيء، ثم تنتشر كالنار في الهشيم، خاصة في عصر الإنترنت.

تعتبر نظرية المؤامرة المحيطة بـ "بلو بوكس" أقل ضرراً من نظريات المؤامرة الأخرى، لكنها نمت فعلياً بنفس السرعة، وكانت مدعومة بقائمة طويلة من الأدلة والروابط المحتملة بين حسن كهرمان وهيديو كوجيما.

بعضاً من هذه الروابط المفترضة زائفة تماماً، لكن البعض الآخر منها كان أكثر إقناعاً، إذ يتشارك الرجلان في الأحرف الأولى من اسمائهما، كذلك يترجم موقع "غوغل" اسم كهرمان باللغة التركية إلى هيديو باليابانية.

تاريخ كوجيما

وقد اكتسبت هذه المعتقدات شعبية أكبر بسبب تاريخ كوجيما المتعلق بكشف النقاب عن الألعاب الجديدة، والذي يتضمن أسلوبه التسويقي للأعمال عمليات مثيرة للجدل، وحملات ذات تخطيط استثنائي. فقد تم عرض المقطع الدعائي لـلعبته "ميتال غير سوليد 5: ذا فانتوم باين" لأول مرة في عام 2012، يرافقها مقطع فيديو غامض، يضم شعاراً لشركة وهمية تسمى "موبي ديك ستوديو".

حتى أن كوجيما استأجر ممثلاً ليلعب دور الرئيس التنفيذي للشركة الخيالية، الذي تم تصويره أثناء إجراء مقابلة، وحمل هذا المدير الوهمي اسم جواكيم موغرين، ويمثل ذلك الاسم إعادة ترتيب لأحرف اسم كوجيما، مما يعكس مدى ولع مخرج الألعاب باللعب بالأسماء المستعارة.

بعد ذلك، في 2014، استخدم كوجيما اسم شركة مزيفة آخرى، وذلك في النسخة التجريبية الخاصة بلعبة تسمى "بي.تي". وعندما أكمل اللاعبون اللعبة التجريبية، تمت مكافئتهم بإعلان تشويقي للعبة جديدة في سلسلة الرعب "سايلنت هيل". وتم وصف اللعبة الجديدة من السلسلة التي طال انتظارها، بأنها ثمرة تعاون جديدة بين كوجيما ومخرج الأفلام غييرمو ديل تورو. لكن بعد عام من ذلك التاريخ، تم إلغاء المشروع، وذلك بعد من الانفصال الكبير بين كوجيما و"شركة كونامي القابضة" التي كانت تتولى أعماله سابقاً.

من الإعلان الترويجي للعبة "أباندوند".
من الإعلان الترويجي للعبة "أباندوند". المصدر: شركة بلو بوكس

"سايلنت هيل"

بدأت الشكوك حول شركة "بلو بوكس" بشكل فوري تقريباً، بعد إعلانها عن لعبة "أباندوند" في شهر أبريل، لكن الشكوك حولها زادت بشدة مؤخراً، وذلك بعد أن تم حذف منشور صادر عن الشركة على موقع "تويتر".

وكانت تغريدة "بلو بوكس" تقول إن اسم "أباندوند" هو مجرد اسم رمزي للعبتها الجديدة، وأن الاسم النهائي للعبة سيبدأ بحرف "س" وينتهي بحرف "ل". وسرعان ما غذّت هذه التغريدة التكهنات القائلة بأن اللعبة ما هي إلى الجزء الجديد من "سايلنت هيل"، الذي طال انتظار إصدار كوجيما له. وقد أدت هذه الشكوك إلى زيادة عدد مشاهدات الإعلان الترويجي للعبة "أباندوند" (الذي تم نشره قبل شهرين)، ليصل إلى أكثر من مليون مشاهدة على موقع "يوتيوب".

وعود "سوني"

على مدار الأيام القليلة الماضية، عزز نشطاء موقع "ريديت" الذين حققوا في الأمر، من قناعاتهم حول الموضوع. وتم وضع العديد من إشارات الأعلام الحمراء على منشور الأصلي لشركة "سوني" حول لعبة "أباندوند". حيث وعدت "سوني" بتقديم رسومات واقعية بدقة (K4) في اللعبة، ومعدل صورة يصل لـ60 إطاراً في الثانية. وهذه المعايير التي وصفتها الشركة، يصعب تحقيقها حتى لدى أكثر مطوري الألعاب خبرة، ناهيك الأمر عن استوديو صغير مثل "بلو بوكس". من جهتها، لم تستجب شركة "سوني" لطلب التعليق.

معلومات متضاربة

كذلك مع مرور الأيام، اكتشف محبّي ألعاب الفيديو المزيد من التضارب، حيث ادعت شركة "بلو بوكس" أن لديها فريقاً يضم أكثر من 50 شخصاً للعمل على اللعبة الجديدة. مع ذلك، لم يظهر موقع "لينكد إن" أي موظفين تابعين للشركة سوى كهرمان. كما قال "بلو بوكس" أيضاً، إنه سيتم الكشف عن اللعبة من خلال تطبيق على جهاز "بلاي ستيشن 5" تم تصميمه ليكون مقطع ترويجي تفاعلي، وهذا شيء لم يحدث من قبل مع أي لعبة.

وقد أصبح الموقف أكثر غرابة عندما ألمح جيف كيلي، وهو شخصية معروفة في مجال ألعاب الفيديو، عبر موقع "تويتر" أنه سيشارك في الكشف عن لعبة "أباندوند". كيلي يجمعه تاريخ بكوجيما، حيث كان قد أجرى سابقاً مقابلة مع الرئيس التنفيذي المزيف الذي عينّه كوجيما في عام 2013. كما ساعد في كشف النقاب عن العديد من ألعاب الفيديو الخاصة بالمخرج. ولم يرد كيلي، وهو صديق قديم لكوجيما، على طلب التعليق.

مقابلة "بلومبرغ"

في مقابلته مع "بلومبرغ"، قال كهرمان إنه كان يصنع الألعاب منذ طفولته، لكنه لم يحقق الكثير من النجاح.

وخلال عام 2015، حاولت "بلو بوكس" جمع مبلغ يقل قليلاً عن 12 ألف دولار عبر حملة على موقع "كيك ستارتر"، وذلك بهدف صنع لعبة رعب تحمل اسم "ريويند". وقد انتهى مشروع التمويل الجماعي هذا بتعهدات بقيمة 207 دولار فقط، فما كان من كهرمان إلا أن ألغى مشاركته في حملة "كيك ستارتر"، وكتب أن لعبة "ريويند" "ستموّل بالكامل من قبل مستثمر خاص". لكن اللعبة لم تظهر قط. وتم إطلاق لعبة أخرى مرتبطة باسم "بلو بوكس"، لكنها كانت ضعيفة وتم استقبالها بشكل سيئ من قبل الجماهير، عندما ظهرت لأول مرة العام الماضي.

وقد قال كهرمان، وهو يتحدث بلكنة هولندية، إن فكرة لعبة "أباندوند" كانت قيد التطوير منذ عام 2017، على الرغم من أن "المفهوم الأساسي للعبة تغير كثيراً" من ذلك الحين. مضيفاً إن فريق "بلو بوكس" يتكون من 10 أشخاص وأنه قام بالاستعانة بمصادر خارجية للعمل في العديد من الاستوديوهات الأخرى، وهو ما كان يقصده برقم الـ 50 شخصا الذي ذكره سابقاً. لافتاً إلى إنه جذب انتباه شركة "سوني" في عام 2015، بعد فشل حملته على "كيك ستارتر".

أسئلة كثيرة

الحديث مع كهرمان، فتح الباب أمام الكثير من الأسئلة الأخرى. ولن يسمح كهرمان لأعضاء آخرين من فريقه بإجراء أي مقابلات أو إعطاء تصريحات، بينما حدد شخصاً واحداً للرد، وهذا الشخص لم يستجب لطلب التعليق.

وقال كهرمان إنه وقع عقداً مع "سوني" لكنه لم يقدم تفاصيل. وأضاف أيضا أن اللعبة تم تمويلها من قبل المستثمرين، لكنه لم يذكر من هم هؤلاء المستثمرين. وتابع: "هناك سبب لذلك، لكنني لا أستطيع التحدث عنه فعلاً".

كما قام كهرمان بإعلان أسماء شركتين من شركات المصادر الخارجية "الست أو السبع" التي قال إن "بلو بوكس" تعمل معها، وهما: "نيواري ستوديو" و"ديكوغون ستدوديوز"، وقد رفض ممثلو الشركتين التعليق.

وفي رسالة متابعة، قال كهرمان إنه يعتزم إجراء بث فيديو مباشر قريباً للإجابة على الأسئلة، وإظهار وجوه فريقه. مضيفاً: "الناس تحتاج إلى ذلك وبسرعة".

لعنة الدعاية

من الممكن بعد كل هذا، أن يتحول الاهتمام الذي تحظى به لعبة كهرمان الجديدة إلى لعنة، حيث أحصل سابقاً أن أدلى كلاً من صانعي لعبة "سايبر بانك 2077" و"نو مينز سكاي" بتصريحات مبالغ فيها حول قدرة ألعابهم، لكنهما فشلا في تحقيق وعودهما عند مرحلة الإطلاق. وتحوّل الضجيج إلى نقد لاذع عندما تم طرح اللعبتين أخيراً.

ختاماً، قال كهرمان إنه سيتم الكشف عن لعبة "أباندوند" بشكل لائق خلال الشهر المقبل، آملاً أن يضع ذلك حداً لنظريات المؤامرة، متابعاً: "إذا استمر الناس بتصديق الشائعات، فإن هذا يرجع لهم".