ما حقيقة نقص العمالة في السوق الأمريكية؟

يختلف معدل الطلب على الوظائف من قطاع لآخر وأيضاً مدى توفر فرص العمل وهو ما يثير نقاشاً في أمريكا حول حقيقة وجود نقص فعلي في العمالة
يختلف معدل الطلب على الوظائف من قطاع لآخر وأيضاً مدى توفر فرص العمل وهو ما يثير نقاشاً في أمريكا حول حقيقة وجود نقص فعلي في العمالة المصدر: بلومبرغ
Rachel Rosenthal
Rachel Rosenthal

Rachel Rosenthal is an editor with Bloomberg Opinion. Previously, she was a markets reporter and editor at the Wall Street Journal in Hong Kong.

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

جرى البحث عن مصطلح "نقص العمالة" على "غوغل" في مايو بشكل أكثر من أي وقت آخر في تاريخ محرك البحث الذي يعود إلى عام 2004.

وقد أظهرت العناوين الرئيسية التي ظهرت بعد عنوان البحث الرئيسي ارتفاع الأجور والمكافآت والامتيازات الأخرى، التي يبدو أنها تجعل هذا المحرك البحثي سوقاً للباحثين عن عمل.

يبدو المفهوم بسيطاً، فلابد أن الشركات الأمريكية تسعى جاهدة للعثور على الموظفين الذين تحتاج إليهم.

ومع ذلك، فإن بعض خبراء الاقتصاد في مجال العمالة قد يزعمون أن الصورة ليست كاملة.

حيث يعد أرباب العمل غير قادرين على إيجاد العمال الذين يستهدفونهم بالأجور التي يرغبون في دفعها. وقد يؤدي عدم تقدير هذا التمييز إلى أخطاء في السياسة بالمستقبل.

إنها مجرد واحدة من العديد من المفاهيم الخاطئة الشائعة التي تشوه العدسة التي ينظر من خلالها الساسة وصناع السياسات في الولايات المتحدة إلى سوق العمل، وسط العواقب السلبية على كل من العمال وأرباب العمل.

عرض وطلب

في الأسواق الرأسمالية، يجب أن تسهم قوانين العرض والطلب في تسهيل اكتشاف نقص العمالة بعض الشئ. فعندما لا يكون عدد العمال كافٍ، فإن أرباب العمل يدفعون أكثر للحصول عليهم، وبالتالي ترتفع الأجور.

يتم تفعيل هذه الديناميكية في الوقت المناسب للموظفين العاملين بنظام الساعة في شركات، مثل "ماكدونالدز" و "أمازون"، التي تقدم مكافآت توقيع بقيمة ألف دولار، وترفع متوسط الأجر بالساعة في بعض المواقع.

لذلك، يضطر المنافسون المتحمسون للاحتفاظ بالمواهب إلى زيادة أجور العاملين، ليس الموظفين المعينين حديثاً فحسب، بل أيضاً الموظفين الحاليين، الذين يبدؤون في طلب المزيد.

ومع ذلك، فإن تسارع نمو الأجور ليس السمة المميزة الوحيدة لنقص العمالة. إذ تشير الدلائل الواضحة إلى هذا الاتجاه، بجانب توقف نمو الوظائف، كما تقول هايدي شيرهولز، كبيرة الاقتصاديين ومديرة السياسات في معهد السياسة الاقتصادية.

انتعاش قطاع الترفية والضيافة

ما عليك فعله هو إلقاء نظرة على ما كان يحدث في قطاع الترفيه والضيافة، الذي كان من بين أكثر القطاعات تضرراً من الإغلاق الوبائي. فبعد اختفاء الوظائف تقريباً في خضم الوباء، بدأنا نشهد انتعاشاً مرة أخرى.

ففي مايو، أضاف قطاع الترفيه والضيافةما يصل إلى 292 ألف وظيفة، متجاوزاً قطاعات اقتصادية أخرى، كما أنه أسهم بشكل كبير في الزيادة الإجمالية البالغة 559 ألف وظيفة في وظائف القطاعات غير الزراعية. كما أظهرت بيانات شهر يونيو الصادرة يوم الجمعة مكاسب أقوى.

في الوقت نفسه، ارتفع متوسط الإيرادات الأسبوعية بشكل أسرع من العديد من الصناعات الأخرى.

وبعبارة أخرى، يعمل السوق على حل نقص العمالة، فأرباب العمل قادرون على جذب الموظفين الذين يحتاجونهم بمجرد رفع الأجور، كما أوضحت شيرهولز في تدوين صوتي حديث.

كما أنها أشارت أيضاً إلى أن أجور قطاع الترفيه والضيافة لا تلبي سوى مستويات ما قبل كوفيد، فهي ليست مرتفعة جداً.

تباين في قطاع التوظيف

لتقييم النقص بدقة، أنت بحاجة للنظر إلى ما هو أبعد من الصناعات إلى وظائف ومواقع محددة.

ففي الماضي، استخدم مكتب إحصاءات العمل نموذج انتظار سيارات الأجرة، استناداً إلى عمل أجراه الإحصائي الإنجليزي، ديفيد جورج كيندال، لمعالجة الجدل المتكرر حول نقص العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

قياساً على ذلك، يمكن التفكير في أرباب العمل وفرص العمل المتاحة على أنها سيارات أجرة، بينما ينظر إلى العمال على أنهم صف من الركاب المنتظرين. اعتماداً على موقعك، ربما يكون هناك طابور طويل من سيارات الأجرة (على سبيل المثال في المطار)، أو العكس صف انتظار طويل من الركاب (في فندق).

ومن هذا المنطلق، فإن الطلب على مهندسي النفط في تكساس، على سبيل المثال، يختلف عن مهندسي النفط في ماساتشوستس، كما لاحظ المؤلفان يي شيويه وريتشارد لارسون.

ثم ربما يكون هناك خطوط مختلفة تعتمد على ما إذا كنت تدفع نقداً أو ببطاقة ائتمان، أو كنت تنتظر "أوبر".

وعلى نفس المنوال، هناك قوائم انتظار منفصلة لكل مهنة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

كذلك، يختلف الطلب على العاملين الحاصلين على درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية عن الطلب على الحاصلين على درجة البكالوريوس في المجال ذاته، كما لاحظ المؤلفان.

بينما يختلف توفير العاملين الحاصلين على درجة الدكتوراه في العلوم الطبية الحيوية عن الحاصلين على درجة الدكتوراه في الفيزياء.

الاستعانة بالأجانب

خلاصة القول هي أن النقص ليس عالمياً، سواء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أو المجالات الأخرى. ويمكن أن تظهر حالات النقص والفوائض المتزامنة عبر الاقتصاد في أي نقطة بعينها، وهذا هو السبب في أن سياسات واسعة النطاق قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

تتلخص أحد الاستجابات القياسية لنقص العمالة في توسيع مجموعة العمال المؤقتين الأجانب، الذين يمكنهم شغل الوظائف الشاغرة سريعاً.

في الشهر الماضي، مجموعة من أعضاء مجلس النواب من الحزبين اقترحت مشروع قانون من شأنه توسيع تأشيرة "​إتش-2 بي" (H-2B) للوظائف منخفضة الأجر، بما فيها الضيافة والمطاعم وتجهيز الأطعمة البحرية واللحوم وهندسة المناظر الطبيعية وأعمال البناء.

يحدث الشيء نفسه بالنسبة للعمل المخصص لذوي الياقات البيضاء، فقد دعت غرفة التجارة الأمريكية إلى مضاعفة سقف تأشيرات "​إتش-1 بي" (H-1B)، المستخدمة في المقام الأول لموظفي التكنولوجيا.

ومع ذلك، فإن معدلات البطالة في الصناعات التي تتداخل مع تأشيرة "إتش-2 بي" (H-2B) لا تزال مرتفعة، كما أن العمال الوافدين ذوي الأجور المنخفضة أسهموا في قمع أجور قطاع التكنولوجيا لأعوام عدة. وبالتالي فإن إضافة المزيد من العمال يمكن أن تؤدي إلى تفاقم كلا الاتجاهين.

لجنة الهجرة البريطانية

مع ترسيخ الهجرة حالياً باعتبارها قضية مثيرة للجدل، فإن تصنيف مثل هذه السياسات من عواقبها أصبح عملية أكثر تسييساً وذات دوافع.

ومع ذلك، هناك طريقة أفضل، وهي اللجنة الاستشارية للهجرة في المملكة المتحدة، التي أنشئت في عام 2007. حيث تعرف هذه اللجنة بأنها وكالة حكومية مستقلة تعتمد على إطار عمل قائم على البيانات للإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية عند السعي لتحديد ما إذا كانت أحد المهن تواجه نقصاً. وهذه الأسئلة هي:

· هل تتطلب المهنة مهارات معينة؟

· هل هناك دليل على نقص العمالة؟

· هل من المنطقي سد هذا النقص بالعمال المهاجرين؟

تجمع اللجنة الاستشارية للهجرة بين التحليل الكلي القائم على بيانات سوق العمل، مثل نمو الأجور ومعدلات البطالة، والتحليل الجزئي، مثل التقارير الواردة من أرباب العمل والنقابات العمالية ومصادر أخرى.

نقص المهن

تعتبر الولايات المتحدة الأقرب إلى قائمة نقص المهن، حيث يمكن النظر إلى "الجدول أ" الصادر عن وزارة العمل. ويوضح هذا الجدول أن الولايات المتحدة لديها مهنتان فقط، ولم يعاد تقييم أي منهما خلال الثلاثة عقود الماضية.

في حين أن اللجان الشبيهة باللجنة الاستشارية مدعومة من قبل الجماعات ثنائية الحزبين والمراكز الفكرية، وقد اقترحها المشرعون من قبل كجزء من مشروع قانون شامل لإصلاح الهجرة في عام 2009، ومرة أخرى عندما أعيد تقديمه في عام 2013، إلا أن التشريع الخاص بإنشاء لجنة لم يتم تقديمه على الإطلاق.

تعد مشورة اللجنة الاستشارية للهجرة عامة وغير إلزامية، إذ يمكن للحكومة أن تختار قبول أو رفض توصياتها.

بعد وقت قصير من إنشائها، فحصت اللجنة مطالبات النقص الخاصة بمقدمي الرعاية لكبار السن الذين توظفهم الحكومات المحلية. كما يعود الفضل إلى اللجنة الاستشارية للهجرة دورها في تشجيع إجراء حوار عام أفضل بشأن مستويات الأجور ودور العمال المهاجرين.

في نهاية المطاف، ارتفعت الأجور، وإن كان ذلك بشكل متواضع للغاية لمعالجة بعض المشاكل الجذرية، كما قبلت المملكة المتحدة المزيد من العمال الوافدين. ربما تفتقر النتيجة إلى الكمال، لكنها عكست الجدل القائم على الأدلة وأوجدت حل وسط.

مخاطر التشخيص الخاطئ

قارن ذلك بما يحدث في الولايات المتحدة، حيث تكون المحادثة مدفوعة بشكل كبير من قبل الشركات التي تحاول التأثير على صُناع السياسات خلف الأبواب المغلقة. وذلك حسبما كتب دانيال كوستا، من معهد السياسة الاقتصادية، وفيليب مارتن، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا بديفيس.

فقد كتب كوستا، في رسالة بريد إلكتروني: "رغم أن البيانات غالباً ما تكون واضحة، فإن تحديد النقص يعتبر علم غير دقيق وموضوعي".

وبدون مصدر موثوق للمعلومات ومجموعة من المعايير الموضوعية، فإننا نتخلى عن النقاش لصالح جماعات الضغط ذات الصوت الأعلى والمحافظ الأكثر بدانة.

يمكن أن يكون للتشخيص الخاطئ للنقص تداعيات خطيرة، خاصة إذا أدى إلى سياسات تقدم بدائل منخفضة التكلفة للعمال الأمريكيين وتخفض الأجور.

في أوائل عقد 2000، مباشرة بعد فقاعة الدوت كوم، رفع الكونغرس الأمريكي سقف تأشيرات "​إتش-1 بي" (H-1B) إلى 195 ألف من 115 ألف (و65 ألف في عام 1998) لإرضاء مطالب صناعة التكنولوجيا.

وانتهى الأمر بارتفاع معدلات البطالة في المهن الحاسوبية بشكل مطرد وتدهور الأجور. وفي حالة عدم وجود طريقة معيارية أو علمية لتقييم ما إذا كان هناك نقص، فإن مثل هذه الأخطاء ستتكرر.

لدى اللجان المستقلة متشككون، لكن النقاش الرسمي سيكون أفضل من التخمين الذي نستخدمه حالياً. خاصة أن تكلفة سوء التقدير باهظة للغاية بحيث لا يمكن اعتمادها على التمويل الجيد والمصالح الذاتية.