رئيس الاحتياطي الفيدرالي يُسعد الأسواق لكنه يخاطر بالخطأ

جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يلقي كلمته في اجتماع جاكسون هول
جيروم باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يلقي كلمته في اجتماع جاكسون هول المصدر: بلومبرغ
Mohamed A. El-Erian
Mohamed A. El-Erian

Mohamed A. El-Erian is a Bloomberg Opinion columnist. He is the chief economic adviser at Allianz SE, the parent company of Pimco, where he served as CEO and co-CIO. He is president-elect of Queens' College, Cambridge, senior adviser at Gramercy and professor of practice at Wharton. His books include "The Only Game in Town" and "When Markets Collide."

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

كان خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، يوم الجمعة في منتدى جاكسون هول السنوي متماشياً مع نهجه شديد التدرج والمحسوب للغاية تجاه التغييرات السياسية، وهو نهج تحبه الأسواق المالية، إذ إنه ينطوي على فترة أطول من السيولة شديدة التيسير التي تغذي المزيد من الارتفاع في أسعار الأصول.

لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الخطاب سينتهي به الأمر منفصلاً عن التطورات الاقتصادية والمالية الحقيقية، والتي ستتكشف خلال بقية العام وما وراءه.

ونتيجة لإحجامه عن تقديم شيء مختلف أو توفير تفاصيل عن أي تطور في السياسة -وكلاهما كانا حتماً سيوصفان بالموقف المتشدد في هذه المرحلة- أعطى باول المستثمرين المزيد من الأسباب لرفع الأسهم والسندات لأعلى. وبالفعل، صعدت الأسهم إلى مستوى قياسي جديد وكذلك ارتفعت أسعار السندات.

مع ذلك، بدا المستثمرون أقل اقتناعاً بالحجة وبالنظرة المعلن عنها وما تنطوي عليه من تطور سياسي بطيء في الفيدرالي؛ وهو الأمر الذي تحبه الأسواق كثيراً. وكان البعض ممن يقلقون أكثر من الطبيعة المزدوجة لخطورة التضخم واحتمالية الخطأ السياسي يفضلُ إشارة أقوى على تقليص وشيك لبرنامج مشتريات الأصول واسع النطاق للفيدرالي. وهو أمر جادلت بأنه مطلوب، ليس فقط لصالح الصحة الاقتصادية والاستقرار المالي الأطول أجلاً، وإنما أيضاً لأنه خطوة تأخر اتخاذها.

هناك 21 تريليون سبب لدى "الفيدرالي الأمريكي" لمواجهة التضخم المرتفع

لماذا الصدمة الكبيرة فقط هي التي ستردع المستثمرين المغامرين؟

وفي خطابه، بدا باول مدركاً، ليس فقط للوقائع الأحدث على الأرض والتي يمكن أن تقود تحركات الفيدرالي، وإنما أيضاً بالميل شديد الوضوح والمتسارع تجاه تشديد السياسة بين عدد متزايد من أعضاء لجنة السوق المفتوح الفيدرالية التي تصنع السياسة. وعلى وجه التحديد -بما يتعلق بتقييم التطورات الاقتصادية الحديثة استناداً على مهمة الفيدرالي المزدوجة الرسمية (استقرار الأسعار وسوق الوظائف)، أشار باول إلى أن اختبار الفيدرالي للتعافي الاقتصادي، والمتمثل في "المزيد من التقدم الكبير"، تم استيفاؤه فيما يتعلق بالتضخم، كما أن "هناك تقدما واضحا تجاه حالة التوظيف القصوى".

وبقدر ما كانت هذه التعليقات تشير إلى ميله نحو جدول زمني أسرع للتقليص مما كان يفضل منذ أسابيع قليلة ماضية، كان باول سريعاً في تغليف هذا التقييم الاقتصادي بحزمة مزدوجة أكثر طمأنة مما توقعته الأسواق.

أولا، أصاب باول في فصل التحرك نحو تقليص برنامج المشتريات عن رفع الفائدة التي تأتي لاحقاً في العادة، وقال إن "توقيت ووتيرة الخفض القادم في مشتريات الأصول لن يقصد بها أن تحمل إشارة مباشرة فيما يتعلق بتوقيت رفع أسعار الفائدة والتي صغنا لها اختباراً مختلفاً وأكثر صرامة بكثير".

ثانياً، بجانب الإحجام عن تقديم تفاصيل بشأن توقيت ووتيرة برنامج التقليص المحتمل، فقد جعل ما أظن أنه يأمل أن يكون غموضا بناءً جزءاً من مثل هذه الإعلانات المستقبلية، كمثل قوله إن "لدينا طريقا طويلا نسلكه لنصل إلى التوظيف الأقصى وسيخبرنا الوقت إذا وصلنا إلى هدف التضخم عند 2% على أساس مستدام أم لا".

وهذه الرسائل يُعنى بها بوضوح تجنب التقلبات السوقية التي تلت أول إعلان عن تقليص المشتريات في 2013 تحت قيادة رئيس الفيدرالي حينها، بن برنانكي، وكذلك خبرة باول الشخصية في الربع الرابع من 2018، ومع ذلك، هناك سبب جيد للتشكيك في توصيف سياسة الفيدرالي على أنها "جيدة الوضع"، وعلى سبيل المثال:

  • فعلت الأسباب الخمسة -التي حددها باول لدعم حجته التي كررها مراراً بأن الارتفاع الأحدث في الأسعار هو على الأغلب مؤقتاً- القليل لتهدئة المخاوف الحالية بشأن آلية التضخم التي ثبتت والتي تواصل، وفقاً لبيانات يوم الجمعة، الازدياد والاستمرار بقدر أكبر مما توقعه الفيدرالي.
  • أهمل فشله في ذكر التضخم في المساكن والإيجارات جزءاً مهماً من تطور قصة التضخم، وهو جزء له تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
  • لا يبدو أن نظرة باول للاقتصاد تعكس تقديرا كافيا لضغوط التكلفة من أسفل لأعلى والتي تختبرها أغلب الشركات والتي ذكرها العديد من رؤساء الفيدرالي الإقليميين في تقييماتهم الخاصة للآفاق الاقتصادية، وما ارتبط بها من دعوات لتقليص مبكر للمشتريات.
  • بعد القراءة التاريخية المتوازنة لردود الأفعال السياسية للتضخم الأعلى، يبدو توصيف باول للمخاطر الحالية المتعلقة بالخطأ السياسي المحتمل متحيز بشكل مفرط لصالح المبالغة في رد الفعل تجاه التضخم. وفي كل الأحوال، فإن الفيدرالي بعيد كل البعد عن ذلك، بالنظر إلى أنه لا يزال يحافظ على موقف سياسة فائق التحفيز والذي تبناه منذ أكثر من عام في ذروة الاضطرابات الاقتصادية والسوقية الناتجة عن كوفيد.
  • أخيرا، رغم أنه محق في الإشارة إلى أوجه عدم اليقين المرتبطة بسلالة "دلتا"، تجنب باول مناقشة الانفصال الكبير والمتزايد للعالم المالي عن الاقتصاد الحقيقي.

سيواصل المستثمرون بغبطة إعطاء باول ميزة الشك، فبعد كل شيء، مهد نهجه السياسي الطريق لزيادة الثروة المالية. أما الاقتصاديون، فهم أكثر انقساماً، وأصبح التأثير المفيد على الاقتصاد من مشتريات الأصول الضخمة من قبل الفيدرالي محدوداً، إن وجد أصلاً، بينما تزداد المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد والنظام المالي.

أواصل الاعتقاد بأن هناك سببا منصفا للقلق من خطأ في السياسة النقدية، والذي من شأنه أن يقوض الصحة الاقتصادية المستقبلية والاستقرار المالي، وأن يكون له تبعات اجتماعية ومؤسسية وسياسية سلبية. وآمل أن تكون مخاوفي خاطئة، لكن للأسف توحي الأرقام والتحليلات بخلاف ذلك.