ندرة العمال في أمريكا تجعل رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً أمراً واقعاً

مصادر الصور: ألامي"، "أ ب"، "يو إس إيه توداي نتووركس"
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

ربما توقفت الضغوط في الكونغرس من أجل وضع حد أدنى فيدرالي للأجور قدره 15 دولاراً، لكن "كوفيد- 19" يساعد على تقريب الولايات المتحدة نحو الهدف الرئيسي للنقابات العمالية وحلفائها في البيت الأبيض والكونغرس أكثر من أي وقت مضى.

في هذ الإطار، يُظهر تحليل للوظائف المعلن عنها خلال الفترة بين ربيع 2019 وربيع 2021، أن الأجور تجاوزت 15 دولاراً في العديد من مجالات قطاع الخدمات خلال الفترة آنفة الذكر، بفوارق كبيرة في غالبية الأحيان. وكانت "إيمسي بيرننغ غلاس" (Emsi Burning Glass)، وهي شركة تحليلات تتعقب منشورات الوظائف لمعرفة اتجاهات سوق العمل، قد أجرت تحليل الوظائف استناداً إلى عينة من بيانات المدن.

يبدو أن هذا التوجه قد اكتسب زخماً بالتزامن مع التعافي من الركود الذي خلفه "كوفيد"، حيث رفع العديد من أرباب العمل الكبار، بما في ذلك "وول مارت" (Walmart)، و"تارغت" (Target)، و"بست باي" (Best Buy)، و"شيبوتل مكسيكان غريل" (Chipotle Mexican Grill)، الحد الأدنى أو متوسط ​​الأجر في الساعة إلى 15 دولاراً أو أكثر. كما أعلنت شركة "أمازون"، مؤخراً، أنها سترفع متوسط ​​الأجور الأولية للوظائف اللوجستية الشاغرة لديها إلى 18 دولاراً في الساعة.

دور القوانين

على الصعيد التشريعي، كانت عشر ولايات، بالإضافة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، قد أصدرت قوانين من شأنها رفع الحد الأدنى للأجور بشكل تدريجي إلى 15 دولاراً على مدى سنوات عدة. كما اقترح جو بايدن رفع الحد الأدنى الفيدرالي للأجور، المحدد حالياً بـ 7.25 دولار في الساعة، إلى 15 دولاراً، أثناء حملته الانتخابية للرئاسة. غير أن إدارته ستتعرض لضغوط شديدة لحشد عدد كافٍ من الأصوات في الكونغرس- حتى بين الديمقراطيين- لجعل ذلك حقيقة واقعة.

يقول بن زيبرر، الخبير الاقتصادي في معهد السياسة الاقتصادية (EPI) اليساري، إن حقيقة استهداف بعض الشركات حد الـ15 دولاراً على وجه التحديد، تعد بمثابة تلميح من جانب تلك الشركات لكونها تعامل الموظفين بشكل أكثر إنصافاً، الأمر الذي لا يزال يشكل نوعاً من الانتصار لحملة "الكفاح من أجل 15 دولاراً" التي تدعمها النقابات. في لوس ألتوس بولاية كاليفورنيا، قامت شركة "سميث دوت إيه آي" (Smith.ai)، وهي شركة قوامها 330 موظفاً تتعهد دعم العملاء للشركات، برفع أجرها المبدئي مؤخراً إلى 15 دولاراً في الساعة. وقد اختارت الشركة هذا المعدل عن قصد، جزئياً، بسبب كل الاهتمام الذي يحيط بتلك القضية. يقول المؤسس المشارك آرون لي: "أعتقد بأن الناس ينظرون إلى 15 دولاراً على أنه الوضع الطبيعي الجديد، أو المعيار الجديد إلى حد ما. وقد شهدنا عدداً أكبر بكثير من المتقدمين بعد رفع الحد الأدنى للأجور".

"لينكد إن" لـ"الشرق": التوظيف في السعودية والإمارات ارتفع 60% عمَّا قبل "كورونا"

معاناة العالم مع نقص العمالة تزيد الضغوط على أسعار الغذاء

من جهة أخرى، مكّن سوق العمل المحدود العمال من المطالبة بأجور أعلى وتحسين ظروف العمل. فقد تجاوز عدد الوظائف الشاغرة، التعيينات الجديدة بمقدار 4.3 مليون وظيفة في يوليو، فيما يعد أكبر فارق في البيانات منذ عام 2000. وفي الوقت ذاته، ارتفع متوسط دخل العمال في الساعة بنسبة 0.6% في أغسطس، أي ضعف ما كان متوقعاً.

فوضى بيانات الوظائف الأمريكية تنعكس على الاقتصاد و"الفيدرالي"

أدت محدودية سوق العمل إلى تسريع معدل وصول الأمريكيين إلى حد الـ15 دولاراً، إما بسبب عوامل العرض والطلب، أو القوانين التي تحدد الحد الأدنى للأجور سواء على مستوى الولايات أو الحكومات المحلية. ووفقاً لبحث زيبرر، فقد انخفضت نسبة العمال الذين يتقاضون أجوراً أقل من 15 دولاراً في الساعة بنحو 1.5% شهرياً حتى الآن هذا العام، ولم يتم تعديلها على أساس التضخم، أي ما يقرب من ضعف معدل الأشهر السبعة الأولى من عام 2019. وحالياً، لايزال أقل من 20% فقط من العمال الأمريكيين يتقاضون رواتب دون هذا المستوى.

التضخم والأجور

مما لا شك فيه أن ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 5% أدى إلى تقويض مكاسب أجور العمال. كذلك، انخفض متوسط الدخل في الساعة المعدل على أساس التضخم بنسبة 0.9 % عن شهر أغسطس من العام الماضي.

اقرأ أيضاً: باول: التضخم سيظل مرتفعاً لأشهر وتقليص مشتريات الأصول سيأخذ وقتاً

وعلى بعد خمسين ميلاً شمال شرق أتلانتا، يواصل جون كولبيبر زيادة متوسط الأجر في وكالة التوظيف الخاصة به في براسيلتون، جورجيا، والتي تقدم خدماتها لمجموعة كبيرة من مراكز التوزيع والمصنعين في المنطقة. كان الحد الأدنى قد بلغ 13.39 دولار في صيف عام 2020، وارتفع منذ ذلك الحين بنسبة 25% إلى 16.80 دولار، الأمر الذي يعزى جزئياً إلى خطط التوظيف الجريئة من قبل أرباب العمل في المنطقة. على سبيل المثال، اتجهت متاجر "أوليز بارغين آوتليت" (Ollie’s Bargain Outlet) للتجزئة بخصم هائل، إلى مراسلة عملائها عبر البريد إلكتروني وتقديم مكافآت بقيمة 1000 دولار ووظائف تدفع ما يصل إلى 20 دولاراً في الساعة لوظائف المستودعات في مدينة كوميرك القريبة.

بحسب كولبيبر، الذي يمتلك أربعة مكاتب لوكالة "إكسبريس إيمبلويمنت بروفيشنالز" (Express Employment Professionals) للتوظيف في شمال جورجيا، فإن أرباب العمل الذين يرفضون معدلات الأجور الجديدة يخسرون: "الكثير منهم لا يستطيعون القيام بذلك، وبالتالي يعانون من نقص في اليد العاملة، ما يؤثر على عملية نقل منتجاتهم".

تُظهر البيانات من "إيمسي بيرننغ غلاس" أن جزءاً كبيراً من الوظائف منخفضة الأجر في المناطق الحضرية ارتفع إلى 15 دولاراً فما فوق خلال العامين الماضيين. في فينيكس، كان نصف أصحاب الأعمال، الذين يبحثون عن طهاة بأجور أقل من 15 دولاراً في الساعة في ربيع 2019، قد رفعوا الحد الأدنى عن هذا المستوى بحلول ربيع عام 2021. منذ عامين، بلغ متوسط الأجر الأدنى المعلن عنه في إعلانات الوظائف للطهاة في فينيكس 10.71 دولار للساعة، لكن ذلك قفز بنسبة 80%، إلى 19.24 دولار بعد عامين. في فيلادلفيا، كان 88% من أرباب العمل الذين عرضوا أجوراً أقل من 15 دولاراً قبل عامين للعمال ومسؤولي المخزون، قد تجاوزوا هذا الرقم بحلول عام 2021.

ثم هناك شيكاغو، حيث بدأ، في يوليو، سريان مرسوم يطالب أصحاب العمل الذين لديهم 21 موظفاً أو أكثر بدفع 15 دولاراً على الأقل في الساعة. يقول بليدي تاسكا، كبير الاقتصاديين في "إيمسي بيرننغ غلاس"، إن مكاسب الأجور في بعض المجالات منخفضة الأجر في المدينة قد تجاوزت الحد الأدنى الجديد. على سبيل المثال، قام نصف أصحاب الأعمال في شيكاغو، الذين عرضوا أقل من 15 دولاراً لتوظيف مساعدي الرعاية الشخصية قبل عامين، برفع هذا الرقم بحلول ربيع عام 2021، حيث ارتفع متوسط ​​الأجر المنخفض في الوظائف الشاغرة من 13.28 دولار للساعة إلى 17.78 دولار.

تحليل إعلانات الوظائف

ينبغي التنويه إلى أن بيانات "إيمسي بيرننغ غلاس" يشوبها بعض الاعتراضات. أولاً، تحدد 35% فقط من الوظائف الشاغرة نطاق الأجر أو ماهية الأجور. أيضاً، تركز شركة التحليلات على المناطق الحضرية الكبرى في الولايات المتحدة فقط. ومن ثم، قد لا تمثل النتائج التي توصلت إليها ديناميكيات سوق العمل في المناطق الأصغر. ومع ذلك، يقول تاسكا إن هناك توجهاً ملحوظاً واضحاً للعيان يبرز من ملايين الإعلانات عن الوظائف في تحليلات شركته: "حتى من دون تكليف من الدولة، فإن السوق يدفع أصحاب العمل إلى تجاوز هذا الحد".

إذا استمر هذا التوجه، فقد يفضي الضغط التصاعدي لزيادة الأجور إلى تغذية تضخم الأسعار الاستهلاكية، والذي يتجه بالفعل نحو الارتفاع بسبب مزيج من اختناقات العرض وارتفاع أسعار مجموعة من السلع. ووفقاً لمسح أجراه الاتحاد الوطني للأعمال المستقلة في أغسطس، فقد أفاد حوالي نصف الشركات الصغيرة برفع الأسعار منذ يونيو.

يمر غريغ فوينوفيك، الذي يمتلك مطاعم "بوجانغلز" (Bojangles) للوجبات السريعة في شمال غرب جورجيا و"هوت دوغ شوبس" (Hot Dog Shoppes) في أوهايو، بجوار لافتات إعلانية تروّج لوظائف في المستودعات مقابل 17 دولاراً في الساعة، ويرى تأثيرات ذلك على قدرته على العثور على عمال. إنه يواجه بالفعل "وقتاً عصيباً للغاية" في التوظيف. وإذا اعتمدت الحكومة الفيدرالية حداً أدنى للأجور قدره 15 دولاراً، فسيضطر إلى أتمتة بعض الوظائف. يقول فوينوفيك: "من الواضح أنك لا تستطيع العيش على 15 دولاراً في الساعة في نيويورك". لكن "الحد الأدنى للأجور البالغ 15 دولاراً في جميع أنحاء البلاد لا معنى له. إن تكلفة المعيشة مختلفة جداً في جميع انحاء البلاد".

التطلع لمكاسب أكبر

من جهة أخرى، ترفض المؤسسات الفكرية التقدمية والناشطون العماليون فكرة أن ديناميكيات سوق العمل قد تجعل الضغط من أجل حد أدنى فيدرالي أعلى، غير ضروري. ومن ثم، فإنهم يضغطون لتحقيق مكاسب أكبر. وقدر معهد السياسة الاقتصادية الذي يعمل به زيبرر، في يناير، أن 32 مليون عامل أمريكي سيستفيدون من حد أدنى للأجور قدره 15 دولاراً بحلول عام 2025- ثلثاهم لأنهم سيظلون يكسبون أقل من ذلك، والثلث المتبقي لأن رواتبهم قد تحصل على دفعة في خضم تعديل أرباب العمل جداول أجورهم.

إلى ذلك، يعيش حوالي 40% من القوى العاملة الأمريكية في ولايات تفرض رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة، وفقاً لتقديرات معهد السياسة الاقتصادية. يقول كريس فيغيريدو، الذي يشرف على "مركز إستراتيجية مبادرة الاقتراع" (BISC)، وهي منظمة غير ربحية تدفع باتجاه إجراءات اقتراع تقدمية في الولاية: "لا أعتقد بأن ذلك ينهي الجدل. فالمعركة من أجل حد الـ15 دولاراً تشكل الحد الأدنى، وليس الأقصى، لطموحات الأجور".