المصانع المهجورة في الصين تُظهِر الوجه الآخر لصناعة السيارات الكهربائية في البلاد

دعمت الصين شركات السيارات الكهربائية سعياً لتحقيق رؤيتها بأن تصبح عاصمة للمركبات الكهربائية عالمياً
دعمت الصين شركات السيارات الكهربائية سعياً لتحقيق رؤيتها بأن تصبح عاصمة للمركبات الكهربائية عالمياً المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

يتباهى الموقع الإلكتروني لشركة "بايتون" (Byton) أمام زوّاره الافتراضيين بمجموعة من الصور المُبهجة لـلسيارات الكهربائية ذات الألوان الزاهية التي تتحرك بانسيابية على الطرقات المُزيَّنة والعصرية. غير أن الزوّار الفعليين لمصنع السيارات الواقع في مدينة نانجينغ شرقي الصين، الأرجح أن يكونوا أقلّ انبهاراً، لأن مقرّ الإنتاج الضخم اللامع تحت شمس الصيف الحارة، على الرغم من كونه يبدو عصرياً بما فيه الكفاية، فإنه محاط بالصمت التامّ، إذ عُلّق الإنتاج فيه منذ بداية الوباء، ويخلو المكان حالياً من أي شخص باستثناء حارس أمن وحيد.

الوضع مشابه أيضاً في مصنع "بوردرين موتورز" الواقع عبر المدينة، الذي تنتشر الحشائش في محيطه، وقد أُلصقَ على بوابته الرئيسية إشعار من المحكمة لإشهار إفلاس صانع السيارات الكهربائية.

يمثّل كل من شركتَي "بوردرين" و"بايتون" مثالاً على الوجه الآخر لنجاح شركات السيارات الكهربائية في الصين، ففي حين واصلت الشركات المتألقة المحلية مثل "نيو" و"إكس بنغ" (Xpeng) مسيرة جمع مليارات الدولارات وبيع سيارات بأرقام تنافس "تسلا "، فشلت عشرات الشركات الأخرى بسبب عدم تمكنها من جمع رؤوس الأموال الهائلة التي يتطلبها تصنيع السيارات على نطاق واسع.

واحدة من كل 5 سيارات مبيعة في الصين هي كهربائية

مصنع "ينلونغ نيو إنرجي" للسيارات الكهربائية في مدينة نانجينغ في الصين
مصنع "ينلونغ نيو إنرجي" للسيارات الكهربائية في مدينة نانجينغ في الصين المصدر: بلومبرغ

كانت حكومات المقاطعات في كثير من الحالات، أغرت تلك الشركات بالأموال والحوافز، لتشجيعها على دخول السوق، وتحقيق حلم بكين بتحويل الصين إلى مركز لتصنيع السيارات الكهربائية. وقد ساعدت السلطات المحلية شركات صناعة السيارات على إنشاء المصانع التي وعدت بالوظائف والتنمية في حال نجاحها. لكن التيار بدأ ينعكس في نوفمبر، عندما طلب المنظمون من الحكومات الإقليمية مراجعة الدعم المُقدَّم لصناعة السيارات ورفع تقارير بشأن ذلك.

وقد لاحظت الحكومة الاستثمار الجامح في القطاع وحالات الإفلاس المتكررة فيه والمصانع المهجورة التي رافقت ذلك، وباتت بكين تسعى اليوم لوضع حدّ لما يجري.

في 13 سبتمبر قال شياو ياكينغ، وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصيني، للصحفيين:

لدينا أكثر مما يلزم من شركات السيارات الكهربائية

وأشار الوزير الصيني إلى تشجيع عمليات الاندماج والاستحواذ في القطاع، إذ تحتاج السوق إلى مزيد من التركيز فيه. ووفقاً لما صرّح به أشخاص مطّلعون على الأمر لـ"بلومبرغ" خلال سبتمبر الحالي، فإن الحكومة تدرس أيضاً وضع حدود إنتاجية لقطاع السيارات الكهربائية في ظلّ عدم قدرة المقاطعات الموافقة على مشاريع جديدة حتى يُستفاد من فائض القدرة الإنتاجية. كما ستُوجَّه الموارد إلى عدد قليل من مراكز تصنيع السيارات الكهربائية التي تُختار.

وتعد تلك التحركات إشارة تحذيرية محتمَلة للمستثمرين الذين ضخوا الأموال في شركات صناعة السيارات الكهربائية والتقنيات التي تدعمها خلال العام الماضي.

دروس للعالم.. من عاصمة السيارات الكهربائية في الصين

استثمارات كبيرة

في الصين، هناك نحو 846 شركة مصنِّعة للسيارات مسجلة، تنتج أكثر من 300 منها سيارات تعمل بالطاقة المتجددة، وهي تسمى بشكل غير دقيق بأنها مصنّعة للسيارات الكهربائية أو الهجينة العاملة بالكهرباء. ولا يمكن تمييز الغالبية العظمى من تلك العلامات التجارية في أي مكان خارج حدود الصين. ففي عام 2020 وحده، أضافت البلاد طاقة إنتاجية جديدة لنحو خمسة ملايين وحدة من هذه المركبات، أي نحو أربعة أضعاف العدد الفعلي للسيارات الكهربائية المبيعة في الصين في العام نفسه. وحسب المنظمين، فإن ما يقرب من نصف هذه القدرة الإنتاجية لم يكن قيد الاستخدام.

الصين ستشجع اندماج شركات السيارات الكهربائية لتعزيز القطاع المبعثر

كانت شركة "بوردرين"، التي أسسها هوانغ زيمينغ، أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة "فورد" سابقاً، في عام 2016، تستهدف إنتاجاً سنوياً يبلغ 700 ألف سيارة من ثلاثة مصانع. لكن أموال الشركة نفدت وطُويت صفحتها قبل أن تنتج حتى سيارةً واحدة. ولم يردّ هوانغ على الرسائل التي تطلب تعليقاً على الأمر عبر تطبيق "وي تشات".

ليس لدى الصين ملفّ عامّ عن حالات الإفلاس، ولكن من المعروف أن ما لا يقلّ عن اثني عشر من مصنعي السيارات الكهربائية تعرضوا للإفلاس أو اضطُروا إلى إعادة الهيكلة لتفاديه منذ العام الماضي.

يقول غاري دفورتشاك، المقيم في بكين والذي يشغل منصب العضو المنتدب لشركة الاستشارات الاستثمارية "بلوشيرت غروب": "ما يجري هو غربلة تنافسية رأسمالية كلاسيكية إلى حد ما". وأضاف: "لديك عدد لا نهائي من الشركات، وهناك مشكلات زيادة المعروض. عادة ما تكون عملية فشل الشركات أبطأ بكثير في الصين، لأن الشركات تحظى بدعم حكومي. لكن في النهاية، يجب أن يندثر البعض، ويمكن أن تكون الخسائر التي تتكبدها الشركات إلى حين زوالها ضخمة".

مصنع "بايتون" للسيارات الكهربائية في مدينة نانجينغ الصينية
مصنع "بايتون" للسيارات الكهربائية في مدينة نانجينغ الصينية المصدر: بلومبرغ

من جهة أخرى، فإن شركة "بايتون" لا تزال موجودة على الأقلّ. لكن الشركة المصنعة، التي شارك في تأسيسها مسؤولون سابقون في شركتَي "بي إم دبليو" و"نيسان موتورز"، قد علّقَت جميع العمليات المحلية ومنحت موظفيها إجازات في يوليو الماضي، إذ صعّب عليها الوباء تنمية أعمالها. وحتى قبل "كوفيد"، كانت الشركة تواجه صعوبات في الوفاء بالمواعيد النهائية المُعلَنة لإنتاج وتسليم سياراتها الأولى، على الرغم من أن موقعها الإلكتروني لا يزال يقبل حجوزات السيارات.

ولكن الأمور بدأت في التطور هذا العام، عندما وقّعت "بايتون" اتفاقية تعاون استراتيجي مع شركة "فوكسكون تكنولوجي غروب" (Foxconn) صانعة "آيفون"، وكان ذلك في يناير الماضي (بمساعدة منطقة التنمية الاقتصادية والتكنولوجية في نانجينغ)، وذلك لبدء الإنتاج الضخم لسيارة الدفع الرباعي "بايتون إم-بايت"، بحلول الربع الأول من العام 2022. لكن حسبما أفادت "بلومبرغ" في يوليو، فقد بدأت "فوكسكون" سحب موظفيها من مصنع نانجينغ بعد أن سيطر أحد أكبر دائني شركة صناعة السيارات على إدارتها. وفي الأسبوع الماضي قالت صحيفة "نيكاي“ إن التعاون عُلّق بسبب تدهور الوضع المالي لشركة "بايتون".

ورفض ممثل عن "بايتون" التعليق في هذا المقال.

طاقة إنتاجية مهدرة

كانت مقاطعة جيانغسو، حيث تقع مدينة نانجينغ، سعت لأن تصبح مركزاً لإنتاج السيارات الكهربائية مستقطبةً 32 مليار دولاراً من الاستثمارات في صناعة السيارات خلال السنوات الست حتى عام 2020. وحالياً تُعَدّ المقاطعة موطناً لأكثر من 30 شركة لتصنيع السيارات. لكنها أصبحت مركز تحقيق أمرت به بكين في وقت سابق من هذا العام، وجد أن بعض السلطات المحلية يقدّم إعفاءات ضريبية وحوافز خاصة بالأراضي لجذب شركات صناعة السيارات باعتبار أن تلك الحوافز والإعفاءات كانت خارج نطاق المبادئ التوجيهية الحكومية. وقال مسؤولون إقليميون في جيانغسو في بيان صدر في فبراير، بلا خوض في تفاصيل، إن ذلك أدى إلى "مشكلات رئيسية متعلقة بمعدلات استغلال الطاقة الإنتاجية المنخفضة، والقدرات المعطلة".

أسهم السيارات الكهربائية الصينية تتحول إلى ملاذ آمن من التضييق على عمالقة التكنولوجيا

قال كوي دونغشو، الأمين العامّ لجمعية سيارات الركاب الصينية، في مقابلة: "كانت لدى الحكومات المحلية توقعات كبيرة لتطوير شركات سيارات الطاقة المتجددة على أمل الاستفادة من فرص القطاع ودفع التوسع الاقتصادي المحلي، كما توقع المستثمرون أيضاً إمكانات ربح ضخمة. وأدى ذلك إلى فائض في القدرة الإنتاجية".

مصنع "بوردرين" للسيارات في مدينة نانجينغ الصينية
مصنع "بوردرين" للسيارات في مدينة نانجينغ الصينية المصدر: بلومبرغ

في عام 2017 بدأ مصنع شركة "ينلونغ نيو إنرجي" (Yinlong) في نانجينغ استثمار إجمالي 10 مليارات يوان (1.6 مليار دولار)، بخطة لإنتاج 30 ألف مركبة تجارية تعمل بالطاقة المتجددة، معظمها من الحافلات الكهربائية. كما كانت لديه خطط لتصنيع بطاريات المركبات الكهربائية. وكان من المقرر أيضاً أن يبدأ الإنتاج عام 2018، لكن اليوم أصبح هذا المصنع مهجوراً تماماً، إذ تراكمت الأوساخ على جدرانه، وأصبحت الطرق التي تربط المباني داخله مهجورة هي الأخرى، كما أحاطت الحواجز بمداخله.

وقالت أكبر مساهمي المصنع، وهي شركة "غري إلكتريك"، إنه لا يزال للتعاون مجال، إما في تعزيز الاستفادة من قدرة شركة صناعة السيارات وتنافسيتها، أو في دفع تكنولوجيا البطاريات الخاصة بها.

من جهة أخرى، يراقب بعض صانعي السيارات القائمين في الصين كل ذلك بشعور من القبول بالمصير الحتمي، ومن بين هؤلاء "مجموعة تشجيانغ جيلي القابضة" (Zhejiang)، وهي إحد أكبر شركات صناعة السيارات المملوكة للقطاع الخاص في البلاد، والتي تضمّ مجموعة من العلامات التجارية تتراوح بين السيارات المتوافرة في السوق الشاملة وسيارات السباق فائقة الفخامة من إنتاج شركة "لوتس" (Lotus)، التي تسيطر عليها الشركة الصينية أيضاً، وهي ترى أن ما يحدث يُعَدّ دورة طبيعية في السوق، سيكون لها بعض الضحايا.

يقول الرئيس التنفيذي لشركة "لوتس" فانغ تشينفانغ: "يندفع بعض الناس لبناء مصنع أو اثنين أو ثلاثة أو حتى خمسة مصانع، على الرغم من أن سيارتهم الأولى لم تُطرح في السوق بعد".

ويضيف: "عندما يعتقد الجميع أن صناعة السيارات أمر سهلا، يغوص الناس في الصناعة. وعندما يدركون أنها ليست بهذه السهولة يتوقفون عن الاستثمار. إنها اليد الخفية المسيطرة لاقتصاد السوق".