انهيار اقتصاد أفغانستان واختفاء السيولة

أحد الباعة في سوق للسلع الرخيصة والمستعملة في الهواء الطلق في العاصمة الأفغانية كابل يوم 23 سبتمبر 2021
أحد الباعة في سوق للسلع الرخيصة والمستعملة في الهواء الطلق في العاصمة الأفغانية كابل يوم 23 سبتمبر 2021 المصدر: ALAMY
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

لم تكد تمرّ بضعة أسابيع على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، حتى شلّت أزمة السيولة، اقتصاد البلاد المهترئ أساساً.

إنَّ شُحَّ الأموال، والتشدُّد على الحدود، والعزلة الدولية المتنامية، كل ذلك قد حرم العديد من الموظفين الأفغان من تقاضي أجورهم ورواتبهم، مما اضطر الشركات المحلية إلى الإقفال، وأجبر المصارف على الحدّ من السحوبات النقدية. كما تهدد هذه الأزمة في عزل أفغانستان عن العالم الخارجي، إذ تواجه شركات تشغيل الاتصالات اللاسلكية تحديات جمَّة في تسديد الدفعات المترتبة عليها إلى المورِّدين. والأخطر من ذلك، هو تفاقم النقص في الغذاء في ظلِّ ارتفاع أسعار السلع الرئيسية، مما يشير إلى أزمة اقتصادية وإنسانية أكثر اتساعاً.

اقرأ المزيد: نقص الدولار في أفغانستان يهدد بنية الإنترنت التحتية

طابور انتظار أمام أحد البنوك في كابل، في الأول من سبتمبر 2021
طابور انتظار أمام أحد البنوك في كابل، في الأول من سبتمبر 2021 المصدر: رويترز

على مدى عشرين سنة من الاحتلال الأميركي، كان الاقتصاد الأفغاني يعتمد بشكل رئيسي على المساعدات الدولية والدولارات الأمريكية المتداولة، إلى جانب العملة الأفغانية المحلية "الأفغاني"، إذ تستخدم الدولارات عادةً من أجل تسديد ثمن السلع والخدمات المستوردة، و لتسديد الدفعات الكبرى أيضاً، كشراء منزل أو دفع قسط مدرسة خاصة. وبحسب تقديرات عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأفغاني، شاه محرابي، الذي يوجد حالياً في الولايات المتحدة؛ فإنَّ نحو ثلث الإيداعات في النظام المصرفي، ونصف إجمالي القروض، بالعملة الأمريكية. وقال: "الدولرة ما تزال سائدة في أفغانستان، واقتصادنا يعتمد عليها".

اقرأ أيضاً: أين المليارات التي أهدرتها الولايات المتحدة في أفغانستان؟

المشكلة هي أنَّ الولايات المتحدة والدول الأخرى لم تعترف بعد بحركة طالبان باعتبارها السلطة الشرعية في أفغانستان، بسبب مخاوفها حيال تورط الحركة بالإرهاب، وانتهاكات حقوق الإنسان. وكان الحكام الجدد للبلاد قد حُرموا من الوصول إلى 9 مليارات دولار من احتياطي البنك المركزي، بعد أن قامت إدارة الرئيس جو بايدن بتجميد أرصدة أفغانية مودعة في المصارف الأميركية في منتصف أغسطس، وتلاها في ذلك عدد من الدول الأخرى. كذلك؛ تمَّ تعليق التمويل المقدَّم من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.

البنك الدولي يُعلق صرف أموال لمشروعاته في أفغانستان

"النقد الدولي" يُعلق مساعداته لأفغانستان بسبب ضبابية الوضع السياسي

كابيتال كونترول

بهدف الحفاظ على الاحتياطات القليلة المتبقية؛ لجأت طالبان إلى فرض ضوابط على رأس المال، تشمل منع المواطنين الأفغان من إخراج الدولارات من البلاد، وتحديد سقف للسحوبات النقدية من المصارف بـ200 دولار في الأسبوع.

في كابل، لجأ بعض السكان إلى بيع أثاث وأغراض منازلهم في سوق السلع المستعملة من أجل الحصول على النقود. وقال أحمد خسرو ضيا، الرئيس التنفيذي السابق لـ"بنك ميلي أفغانستان" الإسلامي (Bank-e-Millie Afghan)، وهو أقدم مصرف في البلاد، والذي يعمل حالياً أستاذاً لمادة الاقتصاد في إحدى الجامعات الخاصة في كابل: إنَّ "أزمة السيولة تتفاقم، ومصارف كثيرة باتت عاجزة عن الدفع للمودعين".

في غضون ذلك، من المستبعد أن تعمد الولايات المتحدة إلى الإفراج عن احتياطيات البنك المركزي، أو أن تسمح بتقديم دعم من صندوق النقد. إذ رأى عضو مجلس الشيوخ بات تومي، العضو الجمهوري الأرفع شأناً في لجنة المصارف، أنَّ القيام بذلك "سوف يشكِّل خطأ فادحاً". ووصف طالبان بـ"المجموعة الإرهابية المتوحشة، والقاتلة، والإرهابية، المتصلة بتنظيم القاعدة".

شهدت السنوات التي تلت سقوط طالبان في عام 2001 ازدهاراً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تنامى دورها في الاقتصاد الأفغاني المقدَّر حجمه بـ20 مليار دولار، بحسب أرقام البنك الدولي، وغرفة التجارة المحلية. إلا أنَّ هذه المؤسسات باتت اليوم على شفير الانقراض. وحذَّر خانجان أوكوزاي، العضو الرفيع المستوى في غرفة التجارة من أنَّه "في حال انهارت هذه المؤسسات؛ فإنَّ اقتصاد البلاد برمَّته سينهار"، مشيراً إلى أنَّ شركات عدَّة توقَّفت عن العمل بالفعل بسبب شحِّ السيولة.

يقول حليم غول، وهو ميكانيكي سيارات في كابل، إنَّ جميع زبائنه تقريباً باتوا

لا يملكون المال من أجل تسديد تكلفة إصلاح سياراتهم، مضيفاً "لقد اختفت النقود تماماً". أمّا جويد ميهري الذي يدير معملاً لصناعة السجاد في مدينة مزار شريف شمالي البلاد، فقد اضطر إلى التوقف عن العمل مؤقتاً، بما أنَّه لم يعد يملك النقود لدفع رواتب موظفيه. وبرأيه؛ يمكن للقيود على السحوبات "أن تساعد البنوك على الاستمرار بعض الوقت، إلا أنَّها ستقضي على أعمالنا، وأعمال الجميع على الأرجح".

الفقر يهدّد الجميع

كان تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الشهر الماضي، قد أفاد بأنَّه في السيناريو الأسوأ، قد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي في أفغانستان بنسبة 13.2% في السنة المالية التي تنتهي في يونيو 2022. ويعني ذلك أنَّ كل سكان البلاد البالغ عددهم 38 مليون نسمة، سينزلقون إلى الفقر، بعد أن كانت النسبة 72% في عام 2020.

قال الممثِّل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان، عبدالله الدرداري، إنَّ "الوضع صعب جداً"، وأضاف أنَّ انهيار الاقتصاد الوطني "ليس المسار الذي تتجه إليه الأمور، بل هو ما يحصل حالياً".

كما حذَّر التقرير الأممي من أنَّ الأمن الغذائي "يتدهور بشكل متزايد"، في ظلِّ تراجع الإنتاج، وارتفاع الأسعار والقيود على الاستيراد. فقد ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، مثل: الأرز، وزيت الطهي، والطحين، بما يصل إلى 30% منذ سيطرة طالبان على السلطة، بحسب البيانات الصادرة عن جمعية تجار التجزئة في كابل. وإلى ذلك؛ حذَّرت منظمة الصحة العالمية مؤخراً من تدهور القطاع الصحي نتيجة تراجع التمويل من الجهات المانحة.

تاجر عملات ينتظر الزبائن في سوق الصرافة في كابل يوم 4 سبتمبر 2021
تاجر عملات ينتظر الزبائن في سوق الصرافة في كابل يوم 4 سبتمبر 2021 المصدر: رويترز

من جانبها، لم تعمد طالبان إلى التقليل من حقيقة الأزمة، إذ أقرَّ المتحدِّث باسم الحركة، بلال كريمي، في مقابلة مع "بلومبرغ نيوز" في 29 سبتمبر، بأنَّه "في حال استمر تجميد الأموال العامة والمساعدات، يمكن أن تواجه البلاد أزمة اقتصادية من النوع الأسوأ، مما يؤدي إلى انهيار الشركات المحلية التي توفِّر الوظائف". واعترف كريمي أنَّ طالبان لم تتمكَّن من دفع رواتب الموظفين الحكوميين منذ أن استولت على السلطة. وقال: "فريقنا المالي في وزارة المالية يعمل ليل نهار"، مشيراً إلى أنَّ الموظفين من ذوي الرواتب المنخفضة، قد يحصلون على رواتبهم "في القريب العاجل"، في حين أنَّ الموظفين الأعلى رتبة، الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، فقد تخضع رواتبهم إلى "اقتطاعات كبيرة".

بعد الاتصال به مجدداً يوم الإثنين، توقَّع كريمي حلّ أزمة السيولة قريباً، إلا أنَّه أردف أنَّه "ماتزال هناك بعض المسائل التقنية العالقة"، من دون أن يقدِّم المزيد من التفاصيل.

البحث عن مصادر دخل

كانت حركة طالبان قد أعلنت في السابق أنَّ عوائد الرسوم الجمركية كافية لتغطية رواتب القطاع العام. لكن لم يتضح بعد إلى أيِّ حدٍّ يمكن للحركة أن توفِّر مداخيل من مصادر أخرى، مثل استغلال الثروة المعدنية وجمع الضرائب، من دون الاضطرار إلى العودة لممارسة الابتزاز وعمليات الخطف مقابل الفدية، إلى جانب إنتاج وتجارة المخدرات، وهي أنشطة كانت تمارسها في السابق حتى تتمكَّن من الاستمرار خلال فترة الاحتلال الأميركي.

وكان تقرير صادر عن الأمم المتحدة في يونيو الماضي، قد أشار إلى أنَّ المخدرات المصنوعة من الخشخاش و الميثامفيتامين، "شكَّلت أكبر مصدر للدخل بالنسبة إلى حركة طالبان". إلا أنَّه عقب سيطرة الحركة على السلطة في أغسطس، تعهد المتحدِّث باسمها، ذبيح الله مجاهد، بأنَّ النظام الحاكم الجديد لن يحوّل أفغانستان إلى دولة راعية للمخدرات. وقال في حديث للصحافيين: "نطمئن المواطنين والمواطنات والمجتمع الدولي، إلى أنَّنا لن ننتج أي مخدرات".

في غضون ذلك؛ بدأت بعض المنظمات الدولية والحكومات في تقديم المساعدات، ويعود ذلك جزئياً لمحاولتها التصدي لموجة لجوء جماعية من أفغانستان. إذ أعلنت الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي عن قيام عدد من الدول بالتعهد بتقديم مساعدات طارئة بقيمة 1.2 مليار دولار، في حين منحت الولايات المتحدة المنظمات الإنسانية إعفاء من العقوبات. أمّا الصين التي انتقدت قيام الولايات المتحدة بتجميد الأرصدة الأفغانية، فأعلنت عن تقديم مساعدات طارئة بقيمة 31 مليون دولار. مع ذلك؛ فإنَّ تأثير مثل هذه المبالغ سوف يبقى محدوداً في بلد شكَّلت المساعدات الخارجية فيه نحو 75% من الإنفاق العام خلال السنوات الماضية.

بسم الله ذكيري، الذي ترك وظيفته الإدارية في وزارة التربية قبل سقوط كابل؛ عمد إلى بيع ممتلكات عائلته في الشارع من أجل جمع المال لتأمين الطعام، ولتمويل رحلته إلى باكستان المجاورة. وسأل: "ماذا يمكن أن نفعل غير ذلك؟". ثم قال: "إذا لم نمت من الجوع، فسنموت من الخوف، والقلق، والإحباط من نظام طالبان".