عقاقير كوفيد قد تنقذ الأرواح لكنها لن تقضي على الوباء

رسم: فينسنت كيلبرايد/ بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

مع وعد شركتيْ "فايزر" (Pfizer) و"ميرك آند كو" (Merck & Co) بتوفير حبوب عقاقير جديدة مضادة لفيروس كورونا، يثار تساؤل مفعماً بالأمل: هل سينتهي الوباء بهذه الطريقة؟

الإجابة الأفضل عن هذا السؤال هي "ربما". فمهما كانت فاعلية الدواء المضاد للفيروس، سوف يستغرق الأمر أشهراً قبل أن نتمكن من القول إننا وصلنا إلى خطّ النهاية.

اقرأ أيضاً: إجابات على أكثر الأسئلة إلحاحاً في زمن كورونا

أظهرت الدراسات أن هذه الأدوية تخفّض بشكل كبير احتمال أن يحتاج شخص ينتمي إلى الفئات المعرّضة للخطر وغير خاضع للقاح، إلى الاستشفاء. وبالطبع، أسهمت هذه النتائج في رفع المعنويات، بعد أن سجل دواء "فايزر" فاعلية لدى 89% من المرضى ودواء "ميرك" فاعلية لدى 50% من المرضى، ما يعتبر إنجازاً علمياً بالغ الأهمية.

لكن، هنا لا بدّ من التذكير بأنه في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كنّا نحتفي بإنجاز علمي مهم آخر، بعد أن أعلنت شركتا "فايزر" و"موديرنا" (Moderna) عن نتائج لقاحاتهما التي جاءت أفضل حتى من نتائج حبوب العقار، سواء لناحية فاعلية اللقاحات، أو سرعة تطويرها. مع ذلك، استمرت المأساة بعد ذلك الإعلان، حيث حصدت الإصابة بفيروس كورونا في عام 2021، أرواحاً أكثر من عام 2020، على الرغم من توافر اللقاحات على نطاق واسع. فنتيجة السلالات المتحورة التي طرحت العديد من الإشكاليات، إلى جانب انخفاض معدلات التلقيح، وعدم الالتزام الكافي بإجراءات الوقاية والتي من بينها ارتداء الأقنعة الواقية، اتسع نطاق تفشي الفيروس. وبالتالي، يرى الخبراء الذين تراودهم الشكوك، أنه مازال من المبكر القول إن عقاقير كورونا سوف تضع حداً للفيروس.

اقرأ أيضاً: دول تتخلى عن "صفر كوفيد" بضغط التكلفة الاقتصادية

إمكانات محدودة

لا تزال إمكانات هذه العلاجات الجديدة محدودة، إذ تم اختبار العقاقير بشكل أساسي على أشخاص ينتمون إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر الذين لم يسبق أن تلقّوا اللقاح، وتبين أن فاعليتها محصورة بالمرضى الذين يكتشفون إصابتهم بكورونا ويحصلون على الدواء في غضون أيام من ظهور العوارض. لكن على أرض الواقع، لا تتم اختبارات كورونا دائماً بهذه السرعة، فيما الأشخاص غير الخاضعين للقاح والذين يعتبرون الأكثر عرضةً للإصابة بكورونا، ليسوا في العادة متحمسين للخضوع للاختبار.

حتى اليوم، لا تزال اللقاحات الوسيلة الأفضل لتجنب الإصابة بكورونا ونشر الفيروس. وفي حال توافر دواء يخفف من حدّة المرض، فإن الأشخاص المتخوفين من اللقاح، سيصبح لديهم سبب إضافي لعدم الإقبال عليه. وبالتالي، سيتعين على "فايزر" و"ميرك" أن تصنعا الملايين، لا بل المليارات من حبوب العقاقير بسرعة هائلة، من أجل توفيرها على نطاق واسع في فصل الشتاء، حيث من المتوقع أن ترتفع نسب الإصابة مجدداً.

اقرأ المزيد: دراسة: جرعة لقاح "فايزر" الداعمة تقلل مخاطر الإصابة بـ"كورونا"

تختلف معدلات التلقيح بشكل كبير من مكان إلى آخر حول العالم. وحتى في داخل الولايات المتحدة نفسها مثلاً، تبلغ نسبة السكان الذين حصلوا على الجرعات الكاملة من اللقاح 41% في ويست فيرجينيا، مقابل 72% في فيرمونت، بحسب متعقب لقاحات كورونا من بلومبرغ، في حين تتيح تكتلات الأشخاص غير الملقحين استمرار التفشي الفيروسي، ما قد يؤدي إلى ظهور متحورات جديدة.

فريدين في جلسة استماع في الكونغرس حول الاستجابة لفيروس كورونا في مايو 2020.
فريدين في جلسة استماع في الكونغرس حول الاستجابة لفيروس كورونا في مايو 2020. المصدر: غيتي إيمجز

قال توم فريدن، المدير السابق لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الذي يشغل اليوم منصب الرئيس التنفيذي لمبادرة "العزم على إنقاذ الأرواح" في رسالة الكترونية، إن "هذه العقاقير المضادة للفيروسات تقدّم أداة جديدة في الترسانة التي نملكها لمواجهة الفيروس، ولكنها بالتأكيد لا تحلّ مكان اللقاح، خصوصاً أنه يجب تناولها في بداية الإصابة". وأضاف: "فرصتنا الأفضل لتغيير مسار الوباء هي في أن نقوم سريعاً بتوسيع إنتاج اللقاحات عالية الفاعلية، من أجل تجنب نشوء سلالات متحورة أشد خطورة".

مخاطر الطقس البارد

في هذا الإطار، لا توجد معايير محددة يتعين تحقيقها من أجل إعلان نهاية الوباء. فذلك قد لا يتحقق إلا لدى توافر مزيج من العقاقير واللقاحات المترافقة مع تحسن المناعة الطبيعية بما يكفي من أجل الحدّ من المضاعفات الخطرة للفيروس، ما يتيح العودة إلى الحياة الطبيعية من دون الحاجة إلى الالتزام بالإجراءات الوقائية، بحسب أرنولد مونتو، خبير الأوبئة والإنفلونزا في جامعة ميشيغان. ومع إعادة فتح المجتمع، ربما بدأنا بالفعل نقترب من هذه المرحلة في بعض المناطق في الولايات المتحدة، حيث لا يشهد الوضع الفيروسي أي تدهور.

إلا أن الطقس البارد قد يؤدي إلى إعادة خلط الأوراق. إذ يتوقع معهد القياسات الصحية والتقييم، وهو مركز بحثي رائد متخصص في دراسة الصحة السكانية، أن تواجه الولايات المتحدة تفشياً جديداً لفيروس كورونا هذا الشتاء، ابتداءً من نهاية نوفمبر، على أن يصل إلى ذروته في يناير أو في بداية فبراير، ويتوقع أن يحصد أرواح ما يقدّر بـ120 ألف شخص بين اليوم والأول من مارس. وعلى سبيل المقارنة، تؤدي الإنفلونزا إلى وفاة نحو 30 ألف شخص في السنة.

يقول بنجيمين كولينغ، أستاذ علم الأوبئة في جامعة هونغ كونغ، إنه لكي يصبح كوفيد بمستوى الإنفلونزا أو حتى الزكام، لا بدّ أن يتعرض الناس للإصابة مرة بعد مرة. وقال: "بعد التعرّض للفيروس مرات عدّة، سواء من خلال اللقاحات أو العدوى، أعتقد بأن أي تعرض لاحق أو عدوى لاحقة سوف تكون خفيفة جداً". وأضاف: "هكذا سوف يتحول إلى فيروس كورونا موسمي، وذلك من خلال عملية يعتاد جهاز مناعتنا على اختبارها"، إلا أنه لا يتوقع أن يتحقق ذلك قبل بضع سنوات.

تفشي الفيروس مستمر

حالياً، لا يزال فيروس كورونا يشكل جزءاً أساسياً من حياتنا، حيث يتم تشخيص إصابة نحو 70 ألف شخص بالفيروس في الولايات المتحدة يومياً. وفي هذا الإطار، يقول عالم الفيروسات ديفيد هو من جامعة كولومبيا، والذي قاد صناعة خليط العقاقير التي حدّت من خطر الوفاة جراء فيروس "إتش آي في"، إنه يمكن للأدوية أن تحدّ من نسبة الوفيات، وتجعل من الأسهل التعايش مع الفيروس.

يذكر أن فيروس كورونا كان قد أدى إلى وفاة 1.6% من المرضى الذين تم تشخيص إصابتهم في الولايات المتحدة. ويمكن للمزيج من اللقاحات والأدوية الفعّالة بنسبة 90% في خفض الحالات الخطرة، أن يؤدّي إلى تراجع نسب الوفيات لتصبح قريبة من تلك الناجمة عن الإنفلونزا. وقال هو: "سيؤدي ذلك إلى القضاء على عامل الخوف، ويساعد على عودة المجتمع إلى طبيعته".

من جهته، يرى ديفيد هامر، أستاذ الصحة العامة والطب في جامعة بوسطن، أنه حين سيحلّ الفصل المقبل من مسار الوباء، سيكون الفيروس قد بات متبعثراً، ولن تؤدي مستويات التفشي المنخفضة إلى اكتظاظ المستشفيات. وقال: "لا أعتقد بأننا وصلنا إلى هذه المرحلة في أي مكان في البلاد، رغم أن بعض المناطق ربما تسير في هذا الاتجاه"، مثل نيويورك ونيو إنغلاند.

لكن هذا لا يعني أنه لن تحصل تفشيات من حين إلى آخر. وقال إيان ليبكين من معهد العدوى والمناعة في جامعة كولومبيا: "لن يختفي (الفيروس) بشكل كامل أبداً". وأضاف: "هذا أمر سوف يكون علينا أن نتعايش معه لفترة طويلة. وربطاً بطريقة تطوّر الفيروس، سوف نضطر إلى الخضوع للقاحات باستمرار مع ولادة أشخاص جدد وتراجع المناعة ونشوء سلالات متحورة جديدة".