شركات نفط عملاقة تتخارج من استثمارات روسية عمرها عقود

time reading iconدقائق القراءة - 16
عامل من شركة \"شل\" في منشأة في روسيا - المصدر: بلومبرغ
عامل من شركة "شل" في منشأة في روسيا - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

سبقت عملاقة الطاقة البريطانية "بي بي" نظيرتها "شل" في تخارجهما من استثماراتهما الروسية التي عنيتا بها على مر عقود قبل أن تتخلى عنها خلال يومين، فأغلقتا بذلك بوابتهما نحو أكبر مصدّر للطاقة في العالم، وقد يكون ذلك نهائياً.

تحركت شركة "شل" للتخلي عن حصتها في مشروع "سخالين-2" (Sakhalin-2 LNG) للغاز الطبيعي المُسال، وهو استثمار يعود إلى عهد الرئيس الروسي الأسبق يلتسن، بعدما أعلنت "بي بي" الأحد الماضي أنها ستنسحب من شركة إنتاج النفط "روسنفت" التي تديرها حكومة روسيا. ضغط قرار الشركتين على المستثمرين الأجانب المتبقين، بما فيهم "إكسون موبيل" و"توتال إنيرجي" اللتان حذتا حذوهما، فيما بترت حرب أوكرانيا روسيا من الاقتصاد العالمي.

سرعان ما ستنعكس آثار هذا التخلي عن الاستثمارات على الطرفين. ستخسر شركات الطاقة الحكومية الروسية شركاء قدموا رأس المال إلى جانب الخبرة التجارية والتقنية، وستقلص "بي بي" و"شل" استثمارات بمليارات الدولارات. تكتب هذه التحركات أيضاً نهاية لفصول قصة أطول، وهي سعي شركات النفط الكبرى للبحث عن ثروات في صناعة الطاقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بعدما أتاح ذلك الوصول إلى بعض أكبر المخزونات في العالم وأكثرها ربحية.

ربحية رغم الفوضى

سعى مسؤولون تنفيذيون، خلال سنوات الفوضى التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، بمن فيهم جون براون، الرئيس التنفيذي لشركة "بي بي" آنذاك، لإبرام صفقات مربحة مع الدولة الروسية الضعيفة. كانت "شل" تتحدث عن توسيع استثماراتها في "سخالين" قبل أن تتحدى روسيا الأعراف الدولية لأول مرة بضمها شبه جزيرة القرم في 2014، كما كانت "بي بي" تخطط لمشاريع مشتركة مع شريكتها الروسية الجديدة شركة "روسنفت". خططت شركة "إكسون موبيل" لأحد أكبر استثماراتها على الإطلاق للتنقيب في المحيط المتجمد الشمالي الروسي. أصبحت هذه الطموحات الأن أثراً من الماضي، إذ تراجعت فعلياً بسبب العقوبات الاقتصادية القائمة وتركيز الصناعة على النقد أكثر من النمو.

ستدخل روسيا، وهي مورِّد لنحو 10% من نفط العالم وأكثر من 15% من الغاز، في عزلة متعاظمة.

قال أحمد مهدي، المحلل لدى شركة الاستشارات "رينيسانس إنيرجي أدفيزرز" (Renaissance Energy Advisors): "فقدت روسيا بين عشية وضحاها الشراكات الغربية التي استغرق بناؤها عقوداً".

شاركت "شل"، وهي الأكثر قيمة في المملكة المتحدة، لأول مرة في مشروع "سخالين" لتطوير احتياطيات الغاز في الشرق الأقصى لروسيا في أوائل تسعينيات القرن الماضي. بعد إجبارها على بيع حصة بنسبة 50% لشركة "غازبروم" الروسية المملوكة للدولة في 2006، إذ لم تتقبلها حكومة بوتين نظراً إلى الشروط السهلة التي قدمتها إدارة يلتسين، بدأ المشروع المصمم لتحمل قسوة شتاء روسيا الذي زادت تكلفته عن 20 مليار دولار بشحن الغاز للعملاء في آسيا في 2009.

قرار عن قناعة

رغم أن شركة "شل" تملك وحدها 27.5% من المشروع، فإنها كانت لا تزال أساسية للعمليات، إذ قادت تطوير وتشغيل أول مشروع للغاز الطبيعي المُسال في روسيا. كثفت جهودها للحصول على تصريح لتوسيع المصنع على مدى سنوات، لكنها لم تقنع موسكو قبل أن تنهي أزمة القرم آفاق استثمارات جديدة في النفط والغاز.

قال بن فان بيردن، رئيس "شل" التنفيذي، لدى إعلانه قرار الانسحاب: "قرارنا بالخروج هو قرار نتخذه عن قناعة. لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي".

تدير "إكسون"، التي لم تصرح بأي شيء حول مستقبل أعمالها في روسيا، مشروع "سخالين-1" المجاور، الذي بدأ عمليات تصدير النفط في 2006. وكان ريكس تيلرسون، مسؤولاً تنفيذياً قاد هذا الاستثمار ثم أصبح الرئيس التنفيذي، ثم أول وزير خارجية في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب.

كان تيلرسون من أشدّ المؤيدين لإمكانات روسيا، وقد راهن على استراتيجية نمو شركة النفط الكبرى لتطوير مشاريع إنتاج عملاقة مع "روسنفت" في الجزء الروسي من المحيط المتجمد الشمالي. تعطلت هذه الخطط بسبب العقوبات المفروضة بعد ضم شبه جزيرة القرم كما كانت حال التوسع بمشروع "سخالين-2"، لكن "إكسون" كانت على استعداد لالتزام عشرات المليارات من الدولارات.

شاركت "بي بي" بشكل أعمق في روسيا مقارنة مع كل من "شل" و"إكسون". بعد تعثر مشروع أولي، أسست الشركة البريطانية العملاقة "تي إن كيه–بي بي" (TNK-BP) عبر شراكة مع مجموعة مليارديرات في 2003، ما تمخض عن تأسيس أحد أكبر منتجي النفط في روسيا وجعل شركة "بي بي" أكبر مستثمر أجنبي في البلاد. بيعت الشركة الجديدة لـ"روسنفت" في 2013، وحصلت "بي بي" على 12.5 مليار دولار نقداً و19.75% من الأسهم. قال بوب ددلي، الرئيس التنفيذي حينذاك، إنّ الصفقة "تمنحنا فرصة رائعة لإقامة شراكة جديدة مع شركة نفط روسية كبيرة".

ظل ددلي عضواً في مجلس إدارة "روسنفت" حتى الأحد الماضي، وكذلك خليفته برنارد لوني الرئيس التنفيذي لـ"بي بي". استقال الاثنان من منصبيهما في مجلس الإدارة، وقد صرح لوني بأن الحرب في أوكرانيا "دفعتنا إلى إعادة التفكير بشكل أساسي في موقف (بي بي) مع (روسنفت)".

خسائر جزئية وكلية

قد تتمكن "بي بي" من بيع حصتها في "روسنفت" لشركة الاستكشاف الروسية بتخفيض كبير، وذلك وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر. أما بخلاف ذلك فقد أشارت كل من "بي بي" و"شل" إلى أنهما قد تضطران إلى التخلي فحسب. كما قالت "إكوينور" (Equinor)، وهي أكبر منتج للنفط في النرويج، إنها ستبيع جميع أعمالها في روسيا.

قال جوناثان إلكيند، باحث أول في مركز سياسة الطاقة العالمية ومسؤول سابق في وزارة الطاقة الأمريكية: "بالنسبة إلى كثير من هذه الشركات، فقد استثمرت مزيداً من الوقت والتركيز ورأس المال، والآن نرى نهاية لتلك الفترة التي امتدت 30 عاماً، إذ بدأ هذا الجهد الذي تحقق على مدار سنوات يتوقف تماماً".

سيتحول الاهتمام حالياً إلى "توتال إنيرجيز" (TotalEnergies)، إذ تحظى هذه الشركة الفرنسية الرائدة بمكانة فريدة من حيث تطوير مشروع روسي جديد حتى بعد فرض عقوبات ما بعد ضم شبه جزيرة القرم، فهي شريكة في "يامال إل إن جي" (Yamal LNG)، وهو مشروع تصدير على الساحل المتجمد الشمالي لروسيا بدأت شحناته في 2017.

استقطبت روسيا في الآونة الأخيرة رأس المال الأجنبي للمساعدة في تمويل تطوير حقول النفط الجديدة. أصبحت شركتا التجارة "فيتول" و"ترافيغورا" منذ أواخر 2020 شريكتين في "فوستوك أويل"، وهو مشروع يهدف إلى تطوير مجموعة كبيرة من الاحتياطيات غير المستغلة في سيبيريا. لم تفصح أي من الشركتين حول خططهما في ما يتعلق بحصتهما.

تساءل إلكيند: "هل هذه هي المحطة الأخيرة بالنسبة إلى شركات الطاقة الغربية الكبرى في روسيا؟ يمثل هذا بالتأكيد نهاية دورة كبيرة وطويلة".

تصنيفات