نزوح جماعي للشركات الأجنبية من روسيا بعد غزو أوكرانيا

time reading iconدقائق القراءة - 27
محطة تكرير نفطية تابعة لشركة \"روسنفت\" الروسية - المصدر: بلومبرغ
محطة تكرير نفطية تابعة لشركة "روسنفت" الروسية - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

أسفر غزو أوكرانيا عن نزوح جماعي للشركات من روسيا، مما قلب مسار ثلاثة عقود من استثمار الشركات الغربية وغيرها من الشركات الأجنبية هناك، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991.

تنمو قائمة أولئك الذين قطعوا العلاقات، أو يراجعون عملياتهم في كل ساعة مع تصعيد الحكومات الأجنبية من العقوبات الموقعة على روسيا، وإغلاق المجال الجوي أمام طائراتها وقطع وصول بعض البنوك لنظام المراسلة المالية "سويفت" (SWIFT).

انتهت بعض الشركات إلى نتيجة مفادها أن المخاطر، سواء المتعلقة بأضرار السمعة أو المالية، أكبر من أن تتواصل. بات العمل في روسيا يمثل إشكالية بطريقة شديدة.

هبط سعر صرف الروبل بما يبلغ 30% يوم الإثنين، عقب حظر الولايات المتحدة للمعاملات مع البنك المركزي الروسي، وهو ما أسفر عن عرقلة قدرته على استخدام احتياطياته من النقد الأجنبي التي تبلغ 630 مليار دولار للدفاع عن قيمة العملة.

على صعيد بعض الشركات، فإن قرار الخروج من روسيا هو ختام لعقود من الاستثمارات المربحة، وإن كانت متوترة في بعض الأحيان. بدأت شركات الطاقة الأجنبية الكبرى في عمليات ضخ الأموال منذ فترة التسعينيات من القرن الماضي.

تخارج شركات الطاقة

بدأت شركة "بريتش بترليوم" في مقدمة، وهي أكبر مستثمر أجنبي في روسيا، المسار مع إعلانها بطريقة مفاجئة يوم الأحد أنها ستتخلص من حصتها البالغة 20% في شركة "روسنفت" التي تديرها الحكومة، وهو تحرك ربما يسفر عن شطب 25 مليار دولار من قيمتها ووقف ثلث إنتاجها من النفط والغاز العالمي.

نتجت هذه الحصة من الملكية عن معركة ممتدة لفترة طويلة خلال سنة 2012 للاستحواذ على شركة "تي إن كيه- بي بي"، وهي عبارة عن مشروع مشترك بين شركة النفط العملاقة ومجموعة من المليارديرات. وهي في الوقت الحالي تدرس ما إذا كانت ستبيع حصتها مرة أخرى إلى "روسنفت"، بحسب مصادر على دراية بالموقف.

في أعقاب ذلك أعلنت شركة "شل" يوم الإثنين محتجة بـ"العمل العدواني العسكري الطائش من قبل روسيا"، أنها بصدد إنهاء شراكاتها مع شركة "غازبروم" التي تديرها الحكومة، بما في ذلك منشأة الغاز الطبيعي المسال "سخالين - 2" ومساهمتها في مشروع خط أنابيب "نورد ستريم 2"، الذي أوقفته ألمانيا الأسبوع الماضي.

تبلغ قيمة كلا المشروعين معاً نحو 3 مليارات دولار. التقى كواسي كوارتنغ، وزير الأعمال البريطاني، مع الرئيس التنفيذي لشركة "شل" بن فان بيردن يوم الإثنين لمناقشة انخراط الشركة في الأمر ورحب بهذا التحرك.

كتب في تغريدة له على موقع تويتر "شل اتخذت القرار الصائب". يوجد حالياً واجب أخلاقي قوي على الشركات البريطانية لعزل روسيا. ولابد من جعل هذا الغزو بمثابة فشل استراتيجي بالنسبة لبوتين".

كما أعلنت شركة "أكوينور" (Equinor ASA)، وهي أكبر شركة للطاقة في النرويج تمتلك الحكومة فيها حصة الأغلبية، أنها ستشرع في الانسحاب من مشاريعها المشتركة في روسيا، والتي تصل قيمتها لنحو 1.2 مليار دولار.

قال الرئيس التنفيذي، أندرس أوبيدال: "في ظل الموقف الراهن، ننظر إلى وضعيتنا بأنه لا يمكن تبريرها". تركت التحركات شركتي "إكسون موبيل" و"توتال إنرجيز" شركتي الطاقة الكبرى الوحيدة التي تمتلك عمليات تنقيب كبيرة في روسيا.

تشرف شركة "إكسون" على مشروع "سخالين -1" مع شركة "روسنفت" بجانب شركات من اليابان والهند، بينما لدى شركة "توتال إنرجيز" حصة ضخمة في شركة "نوفاتك" (Novatek)، أكبر منتج مستقل للغاز في روسيا.

انسحاب مزيد من الشركات

قال باتريك بويان، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز"، في مؤتمر يوم الخميس الماضي إنه لا يرى تأثير للغزو الروسي على عمليات الشركة لأنها بعيدة للغاية عن جبهة القتال. بيد أنه يظهر أن الاتجاه السائد يميل نحو القيام بعملية انسحاب، في الوقت الراهن على الأقل.

قال ألين جود، استراتيجي القطاع في شركة "مورنينغ ستار": "لن يكون الأمر مفاجئاً بالنسبة لي في حال شاهدت المزيد من الإعلانات المستمرة فيما يتعلق بعمليات الخروج من روسيا ".

وأضاف: " واجهت شركة بريتش بترليوم ضغوطات إضافية مع الأخذ في الاعتبار دور حكومة المملكة المتحدة، وغير متأكد من أن شركة "توتال إنرجيز" ستتعرض لذات الضغوط لأن العلاقة بين فرنسا وروسيا ذات طبيعة مختلفة".

عندما وقع انهيار الاتحاد السوفيتي، توقعت الشركات الأجنبية توافر فرص هائلة - سوق حديثة ضخمة تضم الملايين من المستهلكين علاوة على وفرة المعادن والنفط - وتدفقوا إلى صفقات الشراء والبيع وعقد شراكة مع الشركات الروسية.

في ظل غزو روسيا لأوكرانيا المجاورة، توقف هذا الاتجاه بطريقة واضحة. أعلن صندوق الثروة السيادية النرويجي، الذي يعد الأكبر في العالم، إنه سيجمد الأصول الروسية التي تصل قيمتها لنحو 2.8 مليار دولار وسيطرح خطة للخروج منها مع حلول 15 مارس الجاري.

تُقيِّم شركات قانون ومحاسبة كبرى أيضاً الموقف وربما تتعرض لعواقب هائلة محتملة. تعد شركة "بيكر ماكينزي" (Baker McKenzie) حتى الآن واحدة من شركات المحاماة القليلة التي قررت بطريقة علنية قطع العلاقات مع العديد من العملاء الروس امتثالاً للعقوبات الموقعة.

ومن بين عملاء الشركة، التي يقع مقرها في شيكاغو، وزارة المالية الروسية ومصرف "في تي بي"، ثاني أكبر بنك في روسيا، والذي طاله تجميد الأصول وعمليات فرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. قالت شركة المحاماة يوم الإثنين إنها بدأت في مراجعة عملياتها داخل روسيا.

قال متحدث باسم شركة "بيكر ماكينزي: "لا نقوم بالتعليق على تفاصيل علاقات معينة مع العملاء، لكن هذا سيصل في بعض الحالات إلى إنهاء العلاقات تماماً".

من جانبها، أوضحت شركة "لينكليترز" (Linklaters) التي تتخذ من لندن مقراً لها في بيان إنها "تعمل على مراجعة كل أعمال الشركة المرتبطة بروسيا".

شركات لندن

فشل جزء من أكبر شركات المحاماة في لندن - بما فيها شركة "ألين أند أوفيري" (Allen & Overy) وشركة "كليفورد تشانس" (Clifford Chance) - في تقديم رد على الاستفسارات المتعلقة بالتعامل مع عملائها الروس أو امتنعت عن تقديم تعليق على ذلك الأمر.

كثيراً ما كانت محاكم لندن ساحة نزال بالنسبة للأثرياء الروس الذين يحاولون تسوية الخلافات حيال صفقات تجارية ضلت طريقها وزيجات فاشلة. يلتزم قضاة بريطانيون بنظام عدالة يعطي حتى الأموال المشبوهة جلسة استماع عادلة في حال حدوث خلافات.

واجهت شركات أخرى انتقادات بالغة نظراً لعدم خروجها بطريقة كاملة. فضل بوب ستيرنفيلز، الشريك الإداري العالمي لشركة "ماكينزي آند كو"، موقع "لينكد إن" يوم الأحد للتعبير عن إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا وإعلان أن الشركة لن تتعامل بعد الآن مع أي كيان حكومي في روسيا. لكنه لن ينسحب منها. نظر البعض داخل الشركة وخارجها، لتحركه بأنه غير كافٍ.

طالب أكبر مسؤول تنفيذي في شركة الاستشارات في أوكرانيا الشركات بالاستمرار والبدء، أينما كان من الممكن فعل ذلك، في إغلاق "المكاتب والأسواق" في روسيا، حيث تعمل شركة "ماكينزي" منذ ما يقرب من 30 سنة.

هاجم أندريه كاراميترو، الذي يوضح ملفه الشخصي على موقع "لينكد إن" أنه كان شريكاً رئيسياً في الشركة لمدة 16 سنة، قرار شركة "ماكينزي".

كتب كاراميترو في منشور له على موقع "لينكد إن" موجهاً حديثه إلى ستيرنفيلز: "يتعين عليك أن تشعر بالعار. أنت ترفض إغلاق مكتب شركة "ماكينزي" في موسكو. تابع: "أغلقه! فوراً! إنها أموال مخضبة بالدماء، والدماء على يديك، وتلطخك كل يوم تُبقي عليه مفتوحاً".

خروج شركات السيارات

تتصاعد الضغوط على الآخرين الذين يمتلكون أنشطة مبيعات ومشروعات مشتركة في روسيا. أعلنت شركة "دايملر ترك" القابضة، وهي واحدة من بين أكبر شركات تصنيع السيارات التجارية على مستوى العالم، أنها ستنهي أنشطتها التجارية في روسيا حتى إشعار آخر وربما تقوم بمراجعة العلاقات مع شريك المشروع المحلي "كامازا".

قال ممثلو النقابة العمالية إنهم "يعدون أنه من الملائم" لأكبر شركة صناعة شاحنات حول العالم أن تتخلص أيضاً من حصص ملكيتها في شركة "كاماز"، وفقاً لما ورد في بيان لمجلس أعمال الشركة مرسل عبر البريد الإلكتروني.

كما أعلنت كل من شركة "فولفو كار" وشركة "فولفو"، المتخصصة في تصنيع الشاحنات، عن وقف أنشطة المبيعات وعمليات الإنتاج في روسيا. قالت شركة "هارلي - ديفيدسون" (Harley-Davidson Inc.) عبر بيان لها إنها علقت أنشطتها التجارية في روسيا، والتي شكلت مع بقية منطقة أوروبا والشرق الأوسط 31% من مبيعاتها من الدراجات النارية السنة الماضية. لا يقوم مصنع شركة "ميلووكي"، ومقره في ولاية ويسكونسن الأمريكية، بمفرده بتعليق المبيعات إلى روسيا.

أعلنت شركة "جنرال موتورز" أنها علقت إرسال الشحنات إلى روسيا، محتجة بـ"عدد من العوامل الخارجية، تشمل مشكلات في سلاسل التوريد ومشكلات أخرى خارجة عن سيطرة الشركة". تصدر "جنرال موتورز" من الولايات المتحدة حوالي 3 آلاف مركبة سنوياً إلى روسيا.

يتوقع آخرون ممن تحدثوا قليلاً أن أسعار أسهمهم تتراجع. هبطت شركة "رينو" الفرنسية لتصينع السيارات حوال 12% يوم الإثنين جرّاء تأثير العقوبات على أعمالها في روسيا، التي تُعدّ ثاني أكبر أسواقها.

تصنع وحدتها "أفتوفاز"( AvtoVaz)، حيث تمتلك شركة "رينو" حصة ملكية تبلغ نسبتها 68%، سيارات من طراز"لادا" التي تستحوذ على حوالي خُمس السوق الروسية. كما تُصنع شركة "رينو" سيارات من طرازي "كابتور" و"داستر" ومركبات أخرى في مصنعها الخاص بها في موسكو.

من جهتها، أكدت شركة "فورد موتور" أنها لا تعتزم الانسحاب من مشروعها المشترك في روسيا مع شركة "سوليرز" (Sollers) الخاص بإنتاج الشاحنات التجارية، على الأقل حتى الآن.

قالت شركة "فورد" في بيان لها: "ينصب اهتمامنا الحالي بطريقة كاملة على توفير سلامة ومصلحة الناس في أوكرانيا والمنطقة المحيطة بها". تابع: "لن نتوقع ما يتعلق بالتداعيات التجارية".

تبرر بعض الشركات الانسحاب من أوكرانيا، وليس روسيا، بقولها إنه لديها مخاوف مرتبطة بمسألة السلامة مع استمرار عمليات الغزو العسكري. قالت شركة "كوكا - كولا" إن شريكها الأوروبي في نشاط التعبئة، "كوكا - كولا هيلينيك بوتلينغ"، أغلق على الفور عملياته في أوكرانيا. ولم ترد على الاستفسارات المرتبطة بروسيا.

قال المتحدث الرسمي لشركة " كوكا - كولا هيلينيك بوتلينغ" في بيان له: "تتصدر سلامة موظفينا أولويتنا، وقد وضعنا خطط طوارئ تشمل تعليق الإنتاج في أوكرانيا وإغلاق مصنعنا ومطالبة الزملاء في البلد بالجلوس في منازلهم والامتثال للإرشادات الصادرة محلياً".

حظر كرة القدم

في تحرك سيتردد صداه خارج نطاق مجتمع الأعمال التجارية، حظر كيان كرة القدم العالمي "فيفا" وسلطة كرة القدم الأوروبية "يويفا" مشاركة المنتخبات الروسية في المباريات. قالا في بيان مشترك: "تعد كرة القدم متحدة الآن ومتضامنة بطريقة كاملة مع المتضررين في أوكرانيا جميعاً".

تحدث مارك ماكنامي، مدير قسم أوروبا في شركة الاستشارات "فورنتير فيو" لدى تواجده في موسكو قبل أسبوعين إلى المديرين التنفيذيين حول الانعكاسات المحتملة للغزو العسكري. قال إنه يوجد كثيرين تجاهلوا أسوأ السيناريوهات، وهو ما يعني أنهم لم يكونوا بالضرورة جاهزين لما تمخض عنه.

قال إن العديد من الشركات ستتعرض لمصاعب في دعم العمليات المحلية مع الأخذ في الاعتبار حظر نظام "سويفت" والقيود على رأس المال. ستتعرض الشركات العاملة في قطاعات الطاقة أو السلع الأساسية أو تلك التي تبيع للحكومة الروسية لخطر محتمل أن يجري النظر على أنها "تتربح من الحرب".

ليس في إمكان شركات السلع الاستهلاكية ذات العمليات المكثفة والإنتاج المحلي في روسيا الخروج بطريقة يسيرة، حتى لو كانت ترغب في ذلك الأمر، بيد أنها عرضة لحدوث اضطراب مالي.

قبل وقوع الغزو العسكري الأسبوع الماضي، ذكرت شركة "دانون"، التي تدير أكبر شركة ألبان روسية وتعمل في أوكرانيا منذ ما يفوق 20 سنة، إنها تعمل على وضع خطط إضافية لتكون على استعداد لأي تصعيد عسكري.

قال المدير المالي، يورغن إيسر، إن الشركة كانت تسعى لشراء المزيد من المكونات المحلية لتصنيع منتجاتها من كلا السوقين، حيث يجري فعلاً الوصول لمعظم المواد الخام محلياً.

أوضح أن شركة "نستله" تحوطت أيضاً ضد تعرضها لمخاطر عملتها. دخلت شركة "دانون" السوق الروسية منذ ثلاثة عقود ماضية. تشكل البلد نحو 5% من صافي مبيعات الشركة، وتشكل أوكرانيا أقل من نسبة 1%.

تعتبر شركة "كارلسبيرغ" أكبر مصنع لإنتاج الجعة في روسيا عبر ملكيتها لشركة "بلطيقا بريويرز". قالت متحدثة باسم "كارلسبيرغ" إن معظم سلاسل التوريد والإنتاج والعملاء الخاصة بشركة "بلطيقا" متواجدة داخل لبلاد، وهو ما يقلص التأثير المباشر لعقوبات عديدة.

أضافت أن الشركة لديها حجم صادرات وواردات محدود بالنسبة لروسيا، حيث توظف شركة "كارلسبيرغ" 8400 شخص، لكن ليس من الممكن في الوقت الحاضر تقييم البعد الكامل للانعكاسات المباشرة أو غير المباشرة المترتبة على العقوبات الموقعة. كما توظف 1300 عامل في أوكرانيا، حيث أوقفت الأسبوع الماضي عملياتها في مصانع الجعة الخاصة بها وأعادت العمال إلى بيوتهم.

أوضح ماكنامي أن الشركات الأجنبية ربما تتعرض لمضايقات من قبل الحكومة الروسية، مما قد يحفز دعوات المقاطعة أو - وفي حالة الشطط - ربما تتحرك لمصادرة الأصول.

أضاف: "في حال امتلاكك لعلامات تجارية شهيرة من إيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، فيتعين أن تستعد لرد انتقامي من قبل الحكومة الروسية".

تصنيفات

قصص قد تهمك