روسيا تراكم الضغوط على الشركات فيما تلوح أزمة بطالة في الأفق

عشرات الأشخاص يستخدمون السلالم المتحركة داخل محطة مترو كومسومولسكايا في موسكو، روسيا، يوم الخميس 24 فبراير 2022.
عشرات الأشخاص يستخدمون السلالم المتحركة داخل محطة مترو كومسومولسكايا في موسكو، روسيا، يوم الخميس 24 فبراير 2022. المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

تترقّب روسيا انتكاسة اقتصادية مرجَّحة تالية في سوق العمل، التي سيشتد الخناق عليها خلال الأشهر المقبلة، ما سيخلّف أشواكاً جديدة على طريق الدولة، التي تخبّطت بالفعل بسبب مجموعة من الصدمات.

وفقاً لاستطلاع أجرته "بلومبرغ" للمحللين في مارس، من المتوقع زيادة البطالة هذا العام بأكثر من الضعف مقارنة بالربع الأول، وتخطيها 9% لأول مرة منذ ما يزيد عن عقد. وقال إيفغيني غونتماخر، وهو مسؤول حكومي سابق واقتصادي روسي بارز: "يذكرنا هذا بأوائل التسعينيات، عندما بدأت الإصلاحات وأُغلقت المصانع".

قدّر مركز الدراسات الإستراتيجية في موسكو أن هناك ما يقرب من مليوني وظيفة معرضة للخطر هذا العام، مع تكيف سوق العمل قبل التعافي المحتمل في 2023. كان لدى روسيا أكثر بقليل من 3 ملايين عاطل في نهاية فبراير الماضي، وهو مستوى منخفض شبه قياسي.

أدت الإدانات الدولية، التي أعقبتها جولات من العقوبات بعد غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا، إلى وضع الاقتصاد على الطريق نحو واحدة من أسوأ أزمات الركود في تاريخه الحديث. وتسببت الاضطرابات في مواجهة أرباب العمل لشبح تسريح العمال مستقبلاً، مع ابتلاع التضخم ميزانيات الأسر، وتراجع عمليات الشركات الأجنبية، كما تحدّ العقوبات من قدرة روسيا على الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل.

حتى الآن، واجه المستهلكون الأسعار متزايدة الارتفاع، وإغلاق المتاجر ذات الملكية الأجنبية، لكن القليل من هذه القلاقل والبؤس ظهر في أوائل التسعينيات عقب انهيار الاقتصاد السوفييتي. وتقلّص عدد متاجر التجزئة بنحو 10% تقريباً في مارس، وفقاً لـ"غولدمان ساكس"، في حين تراجع قطاع السيارات، الذي يعتمد بشدة على الواردات، بأكثر من 60%.

تأثير تدريجي

سيظهر تأثير أزمة البطالة المتزايدة بشكل تدريجي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الانتكاسات السابقة أعطت بوتين ما يشبه دليلاً يفضل اللجوء إليه مجدداً في أوقات الأزمات.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة تفرض عقوبات على ابنتَي بوتين وبنوك روسية

بضغط من السلطات، قد تلجأ الشركات إلى تخفيض الرواتب، أو العمل بدوام جزئي، والإجازات غير مدفوعة الأجر، بدلاً من تسريح العمال. فيما تواصل الكثير من الشركات الأجنبية، التي أعلنت خططاً للتخارج من السوق الروسية، دفع الرواتب لموظفيها حتى الآن.

رأي"بلومبرغ إيكونوميكس"

""الأرجح أن الدخل وساعات العمل ستتعرض لأضرار كبيرة في الأشهر المقبلة. وقد تنتشر عمليات التسريح التام للعمال بشكل مطّرد، حيث يُتوقّع استمرار العقوبات لفترة أطول. نتيجة لذلك؛ يمكن أن يكون الارتفاع في البطالة تدريجياً بصورة أكبر، وأن تكون قمته أقل مما قد نتوقعه بعد صدمة اقتصادية بهذا الحجم".

سكوت جونسون، محلل للاقتصاد الروسي

ترى ناتاليا زوباريفيتش، المتخصصة في اقتصاد المناطق الروسية بجامعة موسكو الحكومية أن "نقص العمالة هي العصا السحرية لسوق العمل الروسية". خصصت الحكومة 39 مليار روبل (ما يعادل 466 مليون دولار) للإعانات والعمالة المؤقتة والأشغال العامة.

في الوقت الراهن، تعمل الشركات المصنعة الكبرى على إبطاء وتيرة العمل في مصانعها، وأعلنت شركة تصنيع السيارات "أفتوفاز" (AvtoVaz) عن خطط لإعادة بناء مخزوناتها من قطع غيار السيارات. في حين يدفع مطار شيريميتيفو في موسكو -وهو الأكبر في البلاد- لـ20% من موظفيه ثلثي رواتبهم حتى يقبعون في منازلهم.

تقدر وزارة العمل أن 100 ألف عامل تقريباً سُرّحوا في أواخر مارس الماضي، و14 ألف شخص فقط أُجبروا على قضاء إجازات غير مدفوعة الأجر. ويخطط أرباب العمل لتسريح ما يصل مجموعة إلى 50 ألف موظف تقريباً فقط حتى الآن، وفقاً للوزارة.

ستضع التركيبة السكانية الضعيفة، إضافة إلى مغادرة مئات الآلاف من المواطنين للبلاد بحثاً عن فرص أفضل في الخارج، ضغوطاً أكبر حتى من الموجودة الآن على عاتق سوق العمل، خاصة إذا تحولت روسيا إلى سوق غير جذابة للعمال المهاجرين.

وقال أليكسي زاخاروف، رئيس شركة التوظيف عبر الإنترنت "سوبر جوب دوت آر يو" (Superjob.ru): "الوضع الحالي سوق العمل سيبقى دون تغيير، فكل ما يخبرنا به أرباب العمل هو أنهم لن يسرحوا أي موظف، ولا يرغبون في طرد أحد".

لا يريد بعض الروس إمهال سوق العمل فرصة حتى تستعيد قوتها. عملت إيرينا (21 سنة) في عدة وظائف بمطبخ مطعم "ماكدونلدز" في سانت بطرسبرغ قبل تسريحها الشهر الماضي، بعد إعلان الشركة عن أنها ستغلق جميع مطاعمها الـ850 في روسيا مؤقتاً عقب الغزو.

آمال ضعيفة

قالت الشابة التي طلبت عدم الكشف عن كنيتها للتحدث بصراحة حول وضعها الحالي: "مرّ شهر تقريباً ولم يعد هناك أمل في الأفق حول إمكانية عودتنا إلى ماكدونالدز". حصلت إيرينا على وظيفة بدوام جزئي في مقهى محلي، وتتلقى راتبين حتى الآن.

انخفض عدد الوظائف الشاغرة في منتصف مارس حتى أواخره بمقدار الخُمس مقارنة بالشهر السابق، واستحوذت موسكو وسانت بطرسبرغ والمناطق المحيطة بهما على نصيب الأسد من التراجع، وفقاً للبيانات التي جمعها مركز تحليل الاقتصاد الكلي والتوقعات قصيرة الأجل، وهو مؤسسة فكرية يقع مقرها في موسكو.

بالإضافة إلى التضخم، أصبحت البطالة الآن مصدر قلق كبير للروس. ومؤخراً في فبراير الماضي، حل الخوف من خسارة الوظيفة بالقرب من الترتيب الأخير على مؤشر "أبرز المخاوف" الشهري، الموجود ضمن استطلاع "المركز الروسي لبحوث الرأي العام" الذي تديره الحكومة.

ستختلف أي تداعيات بشكل كبير من منطقة لأخرى. ولن يكون أمام الشركات التي تتعامل مع المستهلكين مباشرة خياراً سوى تقليص حجمها والتكيف مع الطلب المتراجع، في حين سيتعرض أرباب العمل الكبار والشركات الحكومية لضغوط للحفاظ على الرواتب كما هي إلى حد كبير.

لكن بالنسبة للمناطق الأكثر تطوراً مثل كالوغا بالقرب من موسكو، أو منطقة كالينينغراد النائية على بحر البلطيق، التي تُجمّع فيها سيارات "فولكس واجن" و"مرسيدس"، قد تكون الأضرار دائمة، إذ تجد روسيا نفسها معزولة بشكل متزايد عن الاقتصاد العالمي.

اختتمت زوباريفيتش: "المناطق المرتبطة بأحدث التقنيات ستكون الأكثر تضرراً من البطالة، والأفضل بينهم سيعانون بشكل أكبر من غيرهم".