"ميتا" تجابه ما أصاب نشاطها الإعلاني الضخم بفعل "أبل"

قدرات الاستهداف عبر الإعلانات تلقت ضربة مؤلمة بشدة جراء تعديل "أبل" لسياسات الخصوصية

time reading iconدقائق القراءة - 19
صورة توضيحية - المصدر: بلومبرغ
صورة توضيحية - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

تكمن أسباب عديدة وراء صعاب تشهدها "ميتا بلاتفورمز" التي فقدت ثلثي قيمتها السوقية منذ بداية العام وشطبت 11 ألف وظيفة في 9 نوفمبر. لقد تعرضت الشركة لأضرار جرّاء أخبار حول تأثيرات سياسية واجتماعية لمنصات "فيسبوك" و"إنستغرام" وتطبيق "واتساب". كما أن القلق يساور المستثمرين بشأن خطط رئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ الرامية للتحول عن شبكات التواصل الاجتماعية نحو "ميتافيرس"، إضافة لصعود منافسين مثل "تيك توك" تابعة شركة "بايت دانس" (ByteDance)، وتزامن تلك الأسباب مع ضغوط يمر بها الاقتصاد الأوسع وسوق الإعلان الرقمي.

لكن يبقى هنالك سبب يبرز في تأثيره عن ما سواه هو تغيير سياسات الخصوصية لدى شركة "أبل"، الذي تسبب باضطراب أسس قطاع الإعلانات المُستهدفة للمستخدمين.

قال ماكس اويلينز، كبير محللي شركة "إنسايدر إنتليجنس" (Insider Intelligence): "تختبئ (ميتا) وعدد من شركات التقنية الأخرى تحت سحابة رمادية كبيرة تغطي الاقتصاد لكنها تخفي حقيقة مدى الضرر والضغط على الأعمال الذي سببته (أبل) في الوقت الحالي، ويعتمد تعافي الشركة إلى حد كبير على استكشاف طرق عمل جديدة وسط تلك البيئة".

تحول جذري

لطالما أكد زوكربيرغ للمعلنين أن شركته تضمن استهداف الإعلانات للمستخدمين المناسبين على "فيسبوك" و"إنستغرام"، حيث استخدمت "ميتا" بيانات مستخدميها لتسهيل تعرّف المعلنين على مستخدمين وفقاً لسماتهم الخاصة. على سبيل المثال، تحديد عملاء جدد يشابهون في صفاتهم عملاء حاليين لبيعهم نفس المنتجات.

لكن غيرت "أبل" سياسات الخصوصية لديها العام الماضي فقلص ذلك من استهداف الإعلانات عبر الأجهزة التي تعمل بنظام التشغيل "أي أو اس" (iOS) بشدة وسمح للمستخدمين بتحديد ما يمكن للمعلنين تتبعه فزادت تكلفة الإعلان على "ميتا"، لأن المعلنين الأقل دقة في استهداف عملائهم اضطروا لزيادة الإنفاق وعرض إعلاناتهم بما يشمل غير المستهدفين.

كما منعت "أبل" المعلنين رقمياً من بلوغ البيانات اللازمة لرصد نتائج الإعلان من حيث عدد مرات دخول المستخدمين إليه، ما زاد صعوبة توجيه الإنفاق نحو الإعلانات الأكثر فاعلية. قدرت "ميتا" في فبراير انخفاض الإيرادات بـ10 مليارات دولار هذا العام أي بنحو 9% من المتوقع بسبب التغييرات.

تقويض "متعمد"

واصلت "أبل" تغيير سياسات الخصوصية مخفضة بذلك الأموال المتدفقة عبر أجهزة "أيفون" مثل المشتريات المعروضة لدى استخدام التطبيقات التي يعرضها المعلنون عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز وصول المحتوى الخاص بهم إلى جمهور أكبر.

اتهم متحدث باسم "ميتا" في أكتوبر "أبل"، التي تؤسس لنشاط إعلاني لها، بالسعي إلى "تقويض الآخرين في الاقتصاد الرقمي"، فيما أكدت "أبل" أن هدفها هو حماية الخصوصية. لم يرد المتحدث باسم "ميتا" على طلبات لإجراء مقابلة.

ألقت التغييرات بأعباء إضافية على صناعة الإعلان الرقمي بالكامل، لكن "ميتا" تأثرت بشكل خاص، حيث بلغ إجمالي إيرادات الشركة في الربع الثالث 27.7 مليار دولار متراجعة 4.5% على أساس سنوي. في المقابل، ارتفعت إيرادات "ألفابيت" مالكة "غوغل" 6% كما نمت إيرادات منافسين أصغر حجماً مثل "سناب" و"بنترست" (Pinterest) بأكثر من 5%. تظهر تقديرات "إنسايدر إنتليجنس"، التي تتوقع انخفاض حصة "ميتا" و"ألفابيت" من الإنفاق على الإعلانات الرقمية بالولايات المتحدة لأقل من 50% العام المقبل، وذلك للمرة الأولى منذ 2019 على الأقل.

عودة للتقليدي

يستمر تدفق الأموال على الإعلانات الرقمية، حيث زاد إنفاق العلامات التجارية الكبرى في الربع الثالث 5% على أساس سنوي، مستحوذاً على ثلثي إجمالي الإنفاق الإعلاني عبر كافة وسائل الإعلام، وفقاً لمؤشر "ستاندرد ميديا" (Standard Media). لكن النمو كان أبطأ من وتيرة نمو الإعلانات خارجه بما يشمل اللوحات الإعلانية وقطارات الأنفاق والحافلات، التي ارتفعت 14% على أساس سنوي كما زاد الإنفاق الإعلاني عبر الصحف 22%.

قال ويلينز إن المعلنين يشعرون بوجود بدائل فعالة لـ"ميتا" أكثر مما كان عليه الحال في الماضي القريب، وأضاف: "يمنح ذلك الفرصة للمعلنين بخفض الإنفاق، كما يدفع ميتا لإعادة التسعير عقب انتهاء فترات النمو والمكاسب الضخمة في 2021".

لا تملك الشركة خبرات في إدارة خفض النفقات، حيث سُمح للمديرين بتعيين موظفين قبل إقرار الميزانيات السنوية في الربيع، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر رفضوا الكشف عن هوياتهم لأن المناقشات خاصة. قال اثنان منهم إن الشركة طلبت من المديرين هذا العام أن يتحروا الموظفين ذوي الأداء الأدنى استعداداً لتقليص عدد الوظائف في نوفمبر. تاريخياً، أمكن للموظفين العمل بمشاريع مثيرة للشغف حتى لو لم تكن لها فرصة تحقيق أرباح، لكن بات هذا مستبعداً جداً، حسب ما قال الأشخاص المطلعون.

الرهان على ميتافيرس

يبدو واضحاً أن تفسير تركيز زوكربيرغ على "ميتافيرس" يستهدف تحجيم قدرة "أبل" في العالم الافتراضي طالما أن "ميتا" تتحكم بالأجهزة ونظام التشغيل. في نفس الوقت، قال زوكربيرغ للموظفين في رسالة في 9 نوفمبر إنه يرى ضرورة أن تصبح "ميتا" "أصغر حجماً وأكثر كفاءة". إنه يوجه تركيزها نحو الذكاء الاصطناعي تعزيزاً لتنافسيتها مع "تيك توك"، ونحو الاعتماد على منصة "ميتا" الإعلانية الضخمة لتمويل رؤيته طويلة المدى.

لتحقيق ذلك، تعيد "ميتا" استكشاف تقنية الاستهداف التي ستستخدمها بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتحدد المستخدمين الذين ينبغي أن يروا الإعلانات.

قال توم أليسون، رئيس منصة "فيسبوك" داخل "ميتا" في مقابلة مع بلومبرغ بيزنس ويك قبل الإعلان عن تقليص الوظائف إن "ميتا" تدير "مركزي تميز للذكاء الاصطناعي" أحدهما يركز على الخدمات الإعلانية والآخر على تجربة المستخدم في "فيسبوك" و"إنستغرام".

تعمل الشركة أيضاً على تحسين قياس أداء الإعلانات، الذي يحمل أهمية خاصة في مجال الفيديو، خاصة مع إعطاء أولوية لتقديم الفيديو القصير "ريلز" (Reels)، المنتج الجديد وشائع الاستخدام على "فيسبوك" و"إنستغرام".

تغييرات مبتكرة

يبدو أن بعض تعديلات "ميتا" تؤتي ثمارها بعد عام من تغييرات "أبل"، حيث نشرت "آبسمر" (Appsumer) لأبحاث التسويق دراسة في سبتمبر حول الإنفاق على أكثر من 100 تطبيق للمستهلكين بكافة أنحاء أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط وأميركا الشمالية تكشف ثبات حصة ميزانيات الإعلانات المخصصة لـ"ميتا" خلال الربعين الأول والثاني. قالت "آبسمر" إن حصة الشركة بلغت الآن نحو 28% بعدما تراجعت من 32% إلى 24% خلال الستة أشهر الأولى من تطبيق إجراءات "أبل".

يشاهد المستخدمون نحو 140 مليار مقطع فيديو على منصات "ميتا" يومياً. لكن "ريلز" لم تحقق بعد إيرادات كباقي المنتجات، ما يخفض إيرادات الشركة جرّاء تحول جمهورها نحو مشاهدتها، إذ قال زوكربيرغ في مؤتمر هاتفي للتعليق على أرباح الشركة في أكتوبر إن تلك الخدمة كلفت "ميتا" في الربع الأخير 500 مليون دولار وإن المنتج سيبقى عبئاً لما يتراوح بين 12 و18 شهراً.

كما تعمل "ميتا" على تطوير إعلانات توجه مستخدمي "فيسبوك" و"إنستغرام" إلى تطبيق "ماسنجر" أو "واتساب" للتحدث مع المعلن، وهو المنتج الذي وصفه زوكربيرغ بأنه المنتج الإعلاني الأسرع نمواً للشركة، وقال إنه يحقق حالياً أرباحاً يتوقع أن يصل معدلها السنوي إلى 9 مليارات دولار.

قال أليسون إن "ميتا" أحدثت بعض التغييرات، حتى قبل تقليص الوظائف، تضمنت تكوين فرق من "أفضل الموظفين" للعمل معاً على حل المشاكل الرئيسية مثل تقنية توجيه المحتوى اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، وأضاف: "عندما نحرز تقدماً في منتجاتنا الرئيسية يمكننا بعدها تحديد ما يمكن أن نقدمه لعالم الإعلانات".

تتزامن تلك التحديات الكبيرة مع فترة ضغوط تتعرض لها "ميتا" لأول مرة في تاريخها، ويجبرها ذلك على تعلم كيفية تقديم المزيد بموارد أقل.

تصنيفات

قصص قد تهمك