كيف تواجه واشنطن وبروكسل "حزام وطريق" بكين؟

يواصل الأميركيون والأوروبيون انتقاداتهم لمبادرة الصين الهادفة إلى إعادة إحياء طريق الحرير معتبرين أنها تمثل "فخ ديون" للدول النامية

time reading iconدقائق القراءة - 19
المصدر:

الشرق

توجّس الأميركيون والأوروبيون من مبادرة الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، بعد عام فقط من توليه منصبه، لإعادة إحياء طريق الحرير التاريخي، لكن تحت اسم "الحزام والطريق" هذه المرة، عبر 6 ممرات تربط الصين بقارة أوروبا، وتضم في ثناياها عشرات الدول ومئات المليارات من الاستثمارات.

منذ ذلك الحين، لم تسلم تلك المبادرة من الاتهامات. فالأميركيون والأوروبيون يعتبرون أن بكين تسعى إلى إيقاع الدول في "فخ الديون" عبر مبادرتها تلك، كون مشاريع البنية التحتية الخاصة بـ"الحزام والطريق" في تلك الدول، تُموّل عبر قروض ومنح وتسهيلات يقدمها بنك الصين وبنوك تنموية تابعة للحكومة.

جين بينغ مضى قُدُماً في تنفيذ المبادرة، الهادفة إلى إحياء طرق التجارة القديمة لبلاده مع العالم، أي طريقي الحرير البحري (الحزام) والبري (الطريق)، فانضم إلى تلك المبادرة ما يزيد على 120 دولة، وبلغ مجموع ما خصصته الصين للاستثمار في البنية التحتية لتلك الدول، أكثر من 900 مليار دولار، بينما من المتوقع أن تبلغ التكلفة الإجمالية لتلك الاستثمارات نحو 3.7 تريليون دولار سيتم إنفاقها على أكثر من 2,600 مشروع.

أين وصل الإنجاز؟

بعد إطلاقها، ركزت المبادرة على تأسيس مشاريع عملاقة موّلتها البنوك والهيئات الحكومية الصينية، ومثلت هذه المشاريع 55% من قيمة التمويل المخصص للمبادرة بين عامي 2013 و2019، إذ بلغت ما يعادل 158 مليار دولار من أصل 287 مليار دولار، وفق مركز سياسات التنمية العالمية.

في العام المقبل 2023، ستحتفل الصين بمرور عقد على مبادرتها، التي تشير أرقام مركز سياسات التنمية نفسه، إلى أن الاستراتيجية المتبعة لتنفيذها كانت "ناجحة إلى حد كبير". فحتى عام 2021، وقعت الصين مذكرات تفاهم مع 140 دولة و32 منظمة دولية، من بينها 46 في أفريقيا و37 في آسيا و27 في أوروبا و11 في أميركا الشمالية و11 في المحيط الهادئ و8 في أميركا اللاتينية.

بالإضافة إلى ذلك، وفي عام 2020، بلغ الاستثمار الأجنبي الصيني المباشر 154 مليار دولار، ما جعل الصين تصنف كأول مستثمر خارجي في العالم، في حين تحدثت وكالة "شينخوا" الصينية عن زيادة حجم التجارة بين الدول الواقعة على الحزام والطريق، إلى 6 تريليونات دولار منذ إطلاق المبادرة عام 2013 وحتى 2018.

لكن هذه المسيرة لم تخلُ من التحديات، حيث تم تأجيل 20% من المشاريع بسبب تداعيات كورونا، وفق ما نقلته وكالة أنباء "شينخوا" الصينية.

اتهامات غربية

طالت بكين انتقادات من جهات دولية عدة بسبب تلك المبادرة. فقد حذّر البنك الدولي من "مخاطر" ما تمرره الصين عبر مشاريع مبادرتها، ومن ذلك نقص الشفافية وضعف العوامل الاقتصادية الأساسية ومستويات الحوكمة في العديد من البلدان التي تنضوي ضمنها.

أما الخارجية الأميركية، فاعتبرتها أداة لإغراق الدول الفقيرة بالديون، وهو موقف وافق عليه الأوروبيون، رغم اهتمام بعض دول أوروبا على غرار ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا بالمبادرة الصينية، لكنها تراجعت وقررت طرح مبادرتها الخاصة بالبنى التحتية، ليس فقط داخل الاتحاد، بل لتشمل العالم بأسره.

المقاربة الغربية الأولية لمواجهة مشروع "الحزام والطريق" استندت إلى اعتباره "فخ ديون" لإيقاع الدول المشاركة تحت هيمنة الصين. فبالمقارنة مع "خطة مارشال" لدعم الدول الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يأتي التمويل الممنوح لدول مبادرة "الحزام والطريق" ضمن قروض غالباً بمعدلات فائدة عالية، يتوجب على الدول إعادة دفعها، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، والذي يشير إلى أن الصين على سبيل المثال تموّل خط سكك حديدية فائق السرعة في لاوس، سيكلف تلك الدولة ما يقرب من نصف ناتجها المحلي الإجمالي تقريباً.

في غضون أقلّ من عقد واحد فقط، أي منذ إطلاق المبادرة في 2013، تحوّلت الصين إلى أكبر دائن رسمي في العالم، بمنحها قروضاً بنحو تريليون دولار لما يقرب من 150 دولة، مثل الإكوادور وأنغولا وغيرهما.

"البوابة العالمية" الأوروبية

بعد مرور 75 عاماً على خطة "مارشال"، التي أعيد بموجبها بناء أوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، أدركت الدول الأوروبية أهمية مشاريع البنية التحتية في مساعي تحقيق نفوذ سياسي واقتصادي يتناسب مع الكتلة الاقتصادية الضخمة للاتحاد، الذي يضم 27 دولة. ولأجل ذلك، وخلال خطاب حول حالة الاتحاد السنوي أمام البرلمان الأوروبي في 15 سبتمبر 2021، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، مبادرة "البوابة العالمية" (Global Gateway) التي جرى الإعلان عنها رسمياً في 1 ديسمبر من العام ذاته.

تلك المبادرة تركز على الاستثمار في البنية التحتية، وتطرح استراتيجية جديدة لتعزيز الروابط الذكية والآمنة في القطاعات الرقمية والطاقة والنقل، كما تسعى إلى تعزيز أنظمة الصحة والتعليم والبحث في جميع أنحاء العالم. أما تكلفتها، فتبلغ 300 مليار يورو، وينتهي العمل بها عام 2027.

خلال العام الأول من مبادرة "البوابة العالمية"، وقّع الأوروبيون تفاهمات لتأسيس مشاريع في مناطق عدة، أبرزها دول البلقان، التي تمر عبرها قطارات الشحن الصينية بكثافة، وفق وكالة "شينخوا" الصينية. وفي أواخر نوفمبر 2022، كشفت فون دير لاين أن "نصف التمويل المخصص للمبادرة سيذهب لمشاريع في البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي في القارة الأفريقية "التي تنشط فيها الصين بكثافة اقتصادياً".

نهاية الشهر الماضي أيضاً، افتتح الاتحاد الأوروبي القسم الأول من "الممر الشمالي" في كينيا، وهو طريق سريع جرى تطويره بطول 560 كيلومتراً، ويُعتبر أكثر طرق التجارة والنقل ازدحاماً شرق القارة الأفريقية.

يعتقد الأوروبيون أن وتيرة تطبيق المبادرة يمكن تصنيفها ضمن حدود "المعقول"، على اعتبار أنها تتزامن مع تداعيات الأزمة الأوكرانية على حدودهم الشرقية، لكن ذلك لا يجعلهم بمنأى عن الانتقادات. فمنذ الإعلان عنها، لم تحدد المفوضية الأوروبية آليات تمويل "البوابة العالمية"، كما إن تقارير "الشبكة الأوروبية للديون والتنمية" (Euro dad)، تعتبر أن "البوابة" يكتنفها الغموض، وتعطي الأولوية للمصالح التجارية خلف واجهة تطلعات التنمية، كما إنها تفتقر إلى التدقيق العام.

ليس هذا فحسب، فهناك أسئلة كثيرة لا تزال مطروحة حول آليات فصلها عن المبادرة الأميركية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي جو بايدن تحت عنوان "الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار" لمواجهة الصين، على اعتبار أن دولاً أوروبية، انخرطت كذلك بالمبادرة الأميركية كما نص الإعلان.

"الشراكة" الأميركية

ليست "البوابة العالمية" المشروع الوحيد لمواجهة "حزام وطريق" الصين. فخلال قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التي انعقدت في ألمانيا في يونيو 2022، أطلق الرئيس الأميركي مبادرة جديدة للتصدي لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، إذ حشد دعم زعماء مجموعة السبع لمشروع "الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار".

وفقاً لتلك المبادرة، تدعو الولايات المتحدة الأعضاء المنخرطين في هذه "الشراكة"، إلى تمويل مشاريع في الدول ذات الدخل المتوسط ​​والمنخفض، بقيمة 600 مليار دولار على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، وستشارك الولايات المتحدة وحدها، بمبلغ يصل إلى 200 مليار دولار.

على عكس المبادرة الصينية، سيقتصر تمويل "الشراكة" الأميركية على استثمارات من القطاع الخاص، مع جزء مقدّم من قبل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية وبنك التصدير والاستيراد الأميركي، والتزامات أخرى مقدمة من حكومات أجنبية. ووفق وكالة "بلومبرغ، يُعدُّ قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والابتكار، واحداً من بين 4 محاور تهتم بها "الشراكة" الأميركية، تشمل أيضاً المناخ والطاقة والبنية التحتية.

تركز المبادرة الأميركية بشكل كبير كذلك على توفير بدائل لشركة الاتصالات الصينية العملاقة "هواوي" لإنشاء شبكات الجيل الخامس، في حين قال مسؤول أميركي لـ"بلومبرغ"، إنّ الولايات المتحدة ستضع تركيزها أيضاً على الاستثمار في المشروعات التي تسهم في أمن سلاسل التوريد، عبر جعل الولايات المتحدة وحلفاء آخرين أقل اعتمادية على الصين.

حتى الآن، أسست "الشراكة" لعدد من المشاريع حول العالم، حيث تم الإعلان عن مشروعات للطاقة الشمسية في أنغولا بقيمة ملياري دولار، وعقد تبلغ قيمته 600 مليون دولار لإنشاء كابل اتصالات بحري يربط بين سنغافورة وفرنسا عبر مصر ومنطقة القرن الأفريقي، وتوفير 14 مليون دولار لتمويل إجراء دراسة حول وضع تصميم لإنشاء رومانيا محطة نووية تجميعية صغيرة.

اختلاف الأولويات

ترى "بلومبرغ" أن هناك ضرورة لـ"تخفيف التطلعات" بشأن ما يمكن أن تنجزه المبادرة الأميركية، ولأسباب كثيرة، استناداً إلى تقرير معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، الذي يُشير إلى تحدّيات عدّة تواجه مشروع "الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار"، بسبب "تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، والتعافي الاقتصادي المشكوك فيه من جائحة كورونا، والأهم من ذلك، اختلاف أولويات الدول المانحة التي يجتاحها التضخم، والانقسامات داخل مجموعة الدول السبع نفسها".

وفق المعهد، ليس واضحاً ما هو الفاصل بين تمويل القطاعين الخاص والعام لهذه "الشراكة"، والطريقة التي سيتم بها إقناع الشركات بالمساهمة.

في المقابل، تتمسك إدارة بايدن بطرحها، مدفوعةً بوجهة نظر تقول إن "الدول في كل أنحاء العالم استيقظت على حقيقة أن مبادرة (الحزام والطريق) لم تسفر عن نتائج لصالحها، وأنها متقبّلة للطرح البديل بقيادة الولايات المتحدة".

مجلة "بوليتيكو" الأميركية، تَعتبر أن "الغرب قد يكافح لسنوات لتحقيق مبادراته، في حين أن الصين تتحرك سريعاً لتنفيذ مبادرتها، لا سيما وأنها تمتلك مزايا تنافسية غائبة لدى دول أوروبا، أهمها أن الدول النامية تنظر إلى بكين على أنها قد تكون محركاً دافعاً لاقتصاداتها". وأضافت: "في حين أن الصين يمكنها استخدام الشركات المملوكة للدولة لمضاعفة جهودها الدولية، فإن واشنطن وبروكسل لا يمكنهما إجبار الشركات على فعل الأمر ذاته، حتى وإن أعلنتا رغبتهما في إشراك القطاع الخاص في مبادرتيهما".

تصنيفات

قصص قد تهمك