رائدة الميثانول الأخضر تجد له سوقاً مربحة

الوقود الصناعي يعد بتقليل البصمة الكربونية لقطاع الشحن البحري بنسبة 95%

time reading iconدقائق القراءة - 18
محطة \"جورج أولاه\" لإنتاج الميثانول المتجدد في سفارتسينجغي، أيسلندا - المصدر: بلومبرغ
محطة "جورج أولاه" لإنتاج الميثانول المتجدد في سفارتسينجغي، أيسلندا - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

تقبع محطة شركة "كاربون ريسايكلينغ إنترناشيونال" (Carbon Recycling International) بمحاذاة طريق ضيقة ملتوية على بقعة تعصف بها الرياح في شبه جزيرة ريكيانيس جنوب أيسلندا. منها تقدم الشركة حلاً متكاملاً يعتمد على منظومة من أجهزة التحليل الكهربائي والضواغط والأنابيب لتساعد قطاع الشحن البحري على خفض انبعاثات الكربون.

وجد مؤسسو الشركة، التي تعرف اختصاراً بـ"سي آر آي"، فرصةً في 2006 لإنتاج الميثانول "باستخدام الكهرباء النظيفة" اعتماداً على طاقة الأرض الحرارية الوفيرة في أيسلندا.

تعزز أنهار الحمم تحت سطح الأرض الطاقة الحرارية الأرضية، فتسخن الأخيرة المياه الجوفية للدولة القطبية الشمالية، وتُستخدم في إنتاج بديل الوقود الأحفوري الصديق للبيئة. حدد مؤسسو "سي آر آي" موقع محطة "جورج أولاه" لإنتاج الميثانول المتجدد، التي سُميت تيمناً باسم كيميائي راحل تلقى جائزة نوبل، لتُقام على بعد نصف كيلومتر من محطة الطاقة الحرارية الأرضية في سفارتسينغي التي يغذّي جريانها السطحي بحيرة "بلو لاغون" السياحية الشهيرة.

كانت المحطة، التي افتُتحت في 2012، أول مُنتِج في العالم للميثانول باستخدام كهرباء من مصادر طاقة متجددة. استغلت "سي آر آي" الطاقة الحرارية الأرضية المتجددة التي تفيض بها محطة سفارتسينغي لفصل الهيدروجين من الماء ودمجه مع ثاني أكسيد الكربون المعاد تدويره من محطة الطاقة الحرارية الأرضية، لتنتج الوقود.

بحلول 2015، بلغ إنتاج محطة "جورج أولاه" من الميثانول المركب باستخدام الكهرباء النظيفة أربعة آلاف طن. ساعدت العملية التشغيلية في إثبات جدوى التقنية، لكن ليس على نطاق كبير بما يكفي لتحقيق الأرباح في سوق كانت ما تزال ناشئة حينها. أغلقت "سي آر آي" المحطة في 2019 للتركيز على مشاريع تجريبية في مناطق أخرى. غير أن السبق التقني للشركة الأيسلندية قد يكون مربحاً حالياً.

لقد عززت أزمة المناخ المتسارعة والمخاوف المتزايدة بشأن أمن الطاقة الاهتمام بالميثانول الأخضر، الذي يُنتج عبر دمج الهيدروجين الأخضر المُستخرج باستخدام الكهرباء النظيفة مع ثاني أكسيد الكربون المتجدد أو المعاد تدويره.

يُسمى الميثانول حيوياً إن أتى ثاني أكسيد الكربون الداخل في إنتاجه من مصادر حيوية مثل نفايات الزراعة أو الغابات. بينما يُنتَج الميثانول المصنّع بالكهرباء النظيفة من الكربون الملتقط من عمليات صناعية أخرى أو حتى من الهواء مباشرة. لكن كلا النوعين هو ميثانول أخضر لو تباينت مصادر ثاني أكسيد الكربون الداخل في تركيبهما.

تعتمد عملاقتا الشحن البحري "ميرسك سيلاند" و"كوسكو" على الميثانول الأخضر لتزويد جزء من أساطيلهما بالوقود، ما يجعله جزءاً رئيسياً من إزالة الكربون من صناعة الشحن البحري.

يحفز ذلك توفير شركات الطاقة مثل "أورستد"، التي تبني أكبر محطة لإنتاج الميثانول المركب باستخدام الكهرباء النظيفة في أوروبا، لإمدادت جديدة. يُتوقع أن يصل حجم إنتاج الميثانول الصناعي والحيوي، مجتمعين، إلى أكثر من 8 ملايين طن متري سنوياً بحلول 2027، وفقاً لمجموعة "معهد الميثانول" التجارية في واشنطن.

انتشار واسع

تقول "سي آر آي"، التي تتخذ في بلدة كوبافوغور قرب ريكيافيك مقراً لها، إن لديها 180 استفساراً عملياً من شركات وحكومات مهتمة بإنتاج ميثانول صناعي مستدام. قالت كريستيانا كريستيانسدوتير، الرئيسة التنفيذية للشؤون التجارية لدى منتجة الميثانول الأخضر، خلال جولة داخل محطات الشركة في أكتوبر: "لدينا تقنية نُشرت بالفعل، وهي جاهزة للانتشار بكميات ضخمة".

بينت كريستيانسدوتير أن قائمة مستثمري "سي آر آي"، البالغ عددهم 130 مستثمراً، تضم شركات "جيجانغ جيلي هولدينغ" (Zhejiang Geely Holding) الصينية التي بدأت بيع سيارة هجينة تعمل ببطارية الميثانول في الصين العام الماضي، و"ميثانكس" الكندية و"إيريرإنفست" الأيسلندية و"نورديك إنفايرومنت فاينانس" في هلسنكي.

تعتمد أساطيل الشحن والحاويات وصيد الأسماك على الزيوت الثقيلة القائمة على الديزل بشكل كبير. يُعدّ الديزل، بما لإنتاجه وتسربه من آثار مدمرة للبيئة، السبب الرئيسي في جعل قطاع الشحن البحري مسؤولاً عن 3% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالمياً.

يمكن للميثانول تقليل هذه البصمة بنسبة تصل إلى 95% إذا كان الميثانول الأخضر مصنّعاً باستخدام مدخلات نظيفة وفقاً لـ"معهد الميثانول". عادةً ما يُصنع الميثانول حالياً باستخدام الوقود الأحفوري، لا سيما الغاز الطبيعي في الغالب.

ضغوط ومعوقات

بيّن نيكولاس سولوبولوس، المحلل لدى بلومبرغ لتمويل أبحاث الطاقة المتجددة، أن مشغّلي سفن الحاويات يتعرضون لضغوط استثنائية من عملاء التجزئة لتقليل الانبعاثات، فيما تعمل أهداف الانبعاثات الجديدة التي حددتها المنظمة البحرية الدولية على دفع القطاع إلى الأمام، وإن كان ببطء.

قال سولوبولوس إن السفن الكبيرة ثقيلة للغاية وتسافر لمسافات طويلة بحيث لا يمكن تشغيلها على البطاريات، ما يترك ثلاثة مسارات لتقليل الانبعاثات: الاعتماد على أنواع الوقود الصناعي، وإتاحة تقنية التقاط الكربون على متن السفن، وتحسينات كفاءة استخدام الطاقة.

يمكن تحقيق الحياد الكربوني عبر أول مسارين فقط. ما يزال ثاني أكسيد الكربون، المعاد تدويره لتركيب الميثانول المحفز بالكهرباء النظيفة، يُطلَق في الغلاف الجوي عند حرق الوقود الصناعي، وهو أثر يمكن معالجته حال إتاحة تقنية احتجاز الكربون على متن السفن.

أوضح سولوبولوس أن إحدى معوقات إنتاج الميثانول عبر استخدام الكهرباء النظيفة هي ارتفاع التكلفة، لأنه قد يكون أغلى بثلاث إلى أربع مرات من الزيوت الثقيلة القائمة على الديزل وفقاً لكيفية إنتاجه. قال المحلل لدى بلومبرغ لتمويل أبحاث الطاقة المتجددة، إنه فيما يُتوقع انخفاض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر بشكل كبير خلال السنوات المقبلة، لا يُرجح أن يتطلب الأمر صياغة سياسات مهمة جديدة مثل فرض ضريبة عالمية على إطلاق الانبعاثات الكربونية لسد فجوة التكلفة برمتها.

يتمتع الميثانول الأخضر ببعض المزايا الفيزيائية مقارنةً بأنواع الوقود الصناعي الأخرى التي يمكن الاستعانة بها لتسيير أساطيل قطاع الشحن البحري، بما يشمل الهيدروجين والأمونيا. فالميثانول الأخضر يظل سائلاً في درجات الحرارة والضغط المحيطين على عكس الهيدروجين، ما يجعل شحنه أسهل وتخزينه أكثر كفاءة.

في حين يمكن تصنيع الأمونيا من الهيدروجين الأخضر أيضاً، فيما يعرف بالأمونيا الصناعية، إلا أنها شديدة السمية وتتطلب رفع كفاءة البنى التحتية لتخزينها بأمان.

بالمقابل، يتميز الميثانول بقابليته للتحلل البيولوجي ويمكن التعامل معه مثل البنزين، ما يتطلب إجراء عدد أقل من التعديلات التحديثية أو تغييرات البنى التحتية ويجعله أكثر أماناً حال تسربه، حسبما يقول جريج دولان الرئيس التنفيذي لـ"معهد الميثانول".

قال دولان: "لو كانت ناقلة (إكسون فالديز) تحمل الميثانول بدل النفط، لعدت إلى ذلك الموقع بعد يومين ولم تعثر على أثر للميثانول مقارنةً بتلويث 2250 كيلومتراً من الشريط الساحلي".

سوق جديدة

تخطط "ميرسك سيلاند"، سعياً لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2040، لطرح 19 سفينة حاويات قادرة على العمل باستخدام الميثانول المصنع بالكهرباء النظيفة، وكذلك الديزل الحيوي (كوقود احتياطي)، بحلول 2025.

يتطلب ذلك إنتاج 750 ألف طن من الميثانول المصنّع بالكهرباء النظيفة خلال عامين. تتوقع الشركة أنها ستحتاج إلى 5 ملايين طن من الوقود الأخضر سنوياً بحلول 2030، وسيكون معظمها ميثانول مصنّعاً باستخدام الكهرباء من مصادر متجددة، كما ستُوقع اتفاقيات لتأمين الإمدادات. كشفت شركة "كوسكو"، ومقرها شنغهاي، أنها طلبت شراء 12 سفينة تعمل بحرق الميثانول في أكتوبر.

قال مورتن بو كريستيانسن، رئيس قطاع إزالة الكربون لدى شركة "ميرسك سيلاند"، في عرض إيضاحي للجوانب المتصلة بالحوكمة البيئية والاجتماعية في نوفمبر: "يحدث هذا في سوق لم تكن موجودة قبل عام ونصف. لم يصنع أحد أو حتى يطور السفن الخضراء أكثر لأنه لم يكن هناك وقود. لم يصنع أحد الوقود الأخضر لأنه لم تكن هناك سفن صديقة للبيئة. لذا أردنا إنهاء هذا الوضع الذي يشبه معضلة الدجاجة والبيضة".

تشكل هذه التطورات أخباراً طيبة لشركة "سي آر آي" وقائمة منافسيها المتزايدة، بما فيهم "أورستد" و"يوروبيان إنرجي" اللتان تتخذان في الدنمارك مقرين لهما.

قد تقرر رائدة إنتاج الميثانول الأخضر إعادة فتح مصنعها في أيسلندا مع نمو الطلب، لكنها تركز حالياً على المشاريع الأوسع نطاقاً. رخصت الشركة تقنيتها ووفرت مهندسين ومعدات وخدمات لبدء تشغيل أكبر محطة لإنتاج الميثانول من الكربون المعاد تدويره حول العالم في مقاطعة خنان.

تملك تلك المحطة مجموعة "جيلي"، إحدى الشركات المساهمة في شركة "سي آر آي"، وتستطيع إنتاج 110 آلاف طن من الميثانول منخفض الكربون سنوياً. كما تقرر افتتاح محطة أخرى تستخدم تقنية "سي آر آي" في مقاطعة جانغسو هذا العام.

قال أودور إنغولفسون، أستاذ الكيمياء بجامعة أيسلندا وهو أحد مؤسسي "سي آر آي" الأربعة، إنه في عالم خال تماماً من الكربون، لن تكون هناك انبعاثات لثاني أكسيد الكربون من أي عمليات صناعية.

أضاف عضو مجلس إدارة رائدة الوقود الصناعي أنه يصعب تخيل التخلي عن دور الميثانول الأخضر في إعادة استخدام ثاني أكسيد الكربون لصالح صناعة الشحن البحري: "أعتقد أنه الخيار الوحيد المتاح حالياً إن كنا نريد إقصاء الوقود الأحفوري".

تصنيفات

قصص قد تهمك