اختيار حاكم جديد لـ"مصرف لبنان".. المهمة المستحيلة

خليفة رياض سلامة سيرث بنكاً مركزياً ضعيفاً في ظل اقتصاد منهار وسياسيين غير قادرين على الاتفاق على خطة للتعافي

time reading iconدقائق القراءة - 33
من الاحتجاجات أمام مقر \"مصرف لبنان\" في العاصمة اللبنانية، بيروت - المصدر: بلومبرغ
من الاحتجاجات أمام مقر "مصرف لبنان" في العاصمة اللبنانية، بيروت - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

مطلوب: محافظ بنك مركزي للمساعدة في إعادة ضبط النظام المالي الذي انهار تحت أعباء عقود من الفساد وسوء الإدارة، في بلد تكاد تكون عملته المحلية عديمة القيمة، ويواجه فيه القطاع المصرفي -الذي كان في السابق ركيزة الاستقرار- خسائر تقارب ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد.

يتوجب على المرشح الفائز بهذا المنصب، أن يكون قادراً على السير في دهاليز السياسة المعقدة، وأن يكون مسيحياً مارونياً بحسب التقليد السائد. ومما يزيد الأمور تعقيداً، أن ميليشيا حزب الله الشيعية، المصنفة كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، يمكن أن يكون لديها الصوت الحاسم في عملية التعيين.

من البديهي القول إن من يتولى منصب أول حاكم جديد للبنك المركزي في لبنان منذ 30 عاماً، سيكون لديه الكثير مما يجب التفكير فيه، وليس فقط السياسة النقدية. قائمة الأسماء المرشحة قصيرة. حتى الآن، وقبل ثلاثة أيام فقط من تنحي حاكم مصرف لبنان عن منصبه، لم يتحدد بعد اسم الشخصية التي ستخلف رياض سلامة الذي ألقى البعض باللوم عليه في الأزمة التي تعيشها البلاد، والذي صدرت بحقه مذكرة توقيف من منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) على خلفية مزاعم بغسل أموال في ألمانيا وفرنسا.

شهدت البلاد حالة من الانهيار منذ الأزمة المالية التي ضربتها عام 2019، والتي نجمت عن تباطؤ التحويلات من اللبنانيين في الخارج وانخفاض حجم المساعدات الخليجية، واللذين أديا إلى تراجع حاد في تدفقات العملة الأجنبية. أصبح سلامة هو الوجه الأبرز للأزمة.

اتهم المتظاهرون في جميع أنحاء البلاد الطبقة السياسية بنهب خزائن الدولة لمصلحتهم ومصلحة المقربين منهم، واعتبروا أن حاكم "مصرف لبنان" المخضرم، هو الذي سهّل على الطبقة السياسية شراء الوقت عبر تبني إجراءات محفوفة بالمخاطر والتسبب بكارثة اقتصادية. قضت الأزمة على أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في السنوات الثلاث الماضية، فيما فقدت العملة المحلية (الليرة) نحو 90% من قيمتها.

مديونية هائلة

كان لبنان مديناً بنحو 100 مليار دولار في نهاية عام 2022 -بما في ذلك السندات المتعثرة بالعملات الأجنبية (Eurobonds)- ويديره سياسيون فشلوا في الاتفاق فيما بينهم، حتى على ملامح خطة للتعافي. وقّعت البلاد اتفاقاً أولياً بشأن خطة إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار مع "صندوق النقد الدولي" في العام الماضي، لكن يتعين عليها تنفيذ إصلاحات كجزء من الصفقة، وهو ما لم يحدث بعد. طلب "صندوق النقد الدولي" إجراء تدقيق في حسابات البنك المركزي وغيره من المقرضين لتقييم الخسائر غير المعلنة والبدء في إعادة هيكلة القطاع المالي، وتوحيد سعر صرف العملة، واعتماد قانون لمراقبة وضبط رأس المال (الكابيتال كونترول)، وهذه البنود في معظمها تحتاج إلى موافقة البرلمان اللبناني عليها.

عادة ما يتمتع محافظو البنوك المركزية المستقلة بأهمية كبيرة؛ لكن في بلد عانى من جولات متقطعة من العنف والصراع السياسي التي شلّت الدولة في بعض الأحيان، يكون هذا المنصب أكثر أهمية. يعتقد بعض المنتقدين أن لبنان على وشك أن يصبح دولة فاشلة في منطقة مضطربة. على الحدود الجنوبية هناك إسرائيل، وإلى الشمال والغرب هناك سوريا التي أدت الحرب الأهلية فيها والمستمرة منذ 12 عاماً، إلى دخول أكثر من مليون لاجئ عبر الحدود إلى لبنان، وهو ما زاد من الضغوط على اقتصاد البلاد البالغ عدد سكانها 5.4 مليون نسمة. وكذلك، وقع انفجار في مرفأ بيروت في أغسطس 2020، هز العاصمة وقتل المئات، ودمر وسط المدينة والأحياء المحيطة به التي كانت تضج بالحياة.

قال نسيم نيكولاس طالب، الأستاذ المتميز في هندسة المخاطر في جامعة نيويورك، والمحلل اللبناني-الأميركي: "ما نحتاجه هو المزيد من الشفافية، والمزيد من المساءلة؛ وإلا، فلن يُحدث اختيار خليفة لسلامة أي فرق".

في إشارة منه إلى كيفية تأقلم الشركات مع الوضع من دون وجود واردات في بلد تراجعت فيه احتياطيات النقد الأجنبي إلى أقل من 10 مليارات دولار، قال طالب: "الوضع هو الذي يحدد السياسات، وهذا الوضع يتسم بحجم محدود جداً من العملة الصعبة، وباقتصاد يتكيف فعلياً من تلقاء نفسه".

مناقشات مستمرة من دون نتيجة

منذ أشهر عدة، يُجري السياسيون مناقشات حول تعيين خليفة لسلامة الذي تنتهي فترة ولايته في 31 يوليو. تكثّفت النقاشات يوم الأربعاء، عندما أرسل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت مبعوثه الشخصي إلى لبنان، جان إيف لودريان، في محاولة أخيرة لفرض اتفاق بين القوى السياسية المختلفة على رئاسة الجمهوية الشاغرة، والتي يُنظر إليها على أنها واحدة من العقبات أمام تعيين حاكم جديد للبنك المركزي. كما التقى مسؤولون فرنسيون مع نظرائهم في السعودية، لمناقشة فراغ السلطة المحتمل في لبنان.

بموجب القانون، يجب أن يتولى النائب الأول لحاكم "مصرف لبنان قيادة البنك المركزي، على الأقل بشكلٍ مؤقت. لكن وسيم منصوري والنواب الثلاثة الآخرين، حذّروا من أنهم سيستقيلون إن لم تتم تسمية حاكم جديد ودائم للبنك.

قال سعادة الشامي، نائب رئيس الوزراء اللبناني ورئيس الوفد المفاوض مع "صندوق النقد الدولي" لـ"بلومبرغ نيوز": "الشخص الذي سيتولى قيادة (مصرف لبنان) في هذا المنعطف الصعب، هو شخص مستعد لتقديم تضحيات شخصية، ودفع تكلفة باهظة". وأضاف: "نحن بحاجة إلى شخص يتمتع بنزاهة سليمة، ومستعد للابتعاد عن الطبقة السياسية والتصرف بشكل مستقل، مع التركيز على المهام الرئيسية المتعلقة بالسياسة النقدية، دون الدخول في مناطق (مسائل) ليست في نطاق عمل البنك المركزي".

12 رئيس وزراء و11 وزيراً للمالية

في عام 2009، أصبح سلامة أول محافظ لمصرف مركزي عربي يقرع جرس التداولات في بورصة نيويورك. فُسّر الأمر على أنه مكافأة لسلامة على العمل الذي قام به لإعادة الاستقرار إلى تاريخ لبنان المالي والسياسي المضطرب. تولى منصب حاكم البنك المركزي في عام 1993 عندما كان البلد لا يزال مدمراً وكذلك اقتصاده جراء 15 عاماً من الحرب الأهلية، ونُسب إليه الفضل في تثبيت سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار، مما أدى في النهاية إلى استقرار الاقتصاد المعتمد على الاستيراد. ورث سلامة مؤسسة تمتلك حصة جزئية في مؤسسة كازينو لبنان- الكازينو الوحيد في البلاد، وتمتلك أيضاً شركة "طيران الشرق الأوسط". عاصر الرجل البالغ من العمر 73 عاماً، 12 رئيساً للوزراء، و11 وزيراً للمالية في الوقت الذي كان يدير فيه البنك المركزي المعروف باسم "مصرف لبنان" (Banque du Liban) أو اختصاراً (BdL).

مع ذلك، يقول منتقدو سلامة إنه عمل على تضخيم دور المصرف كجهة تنظيمية طوال فترة توليه الحاكمية، وقام بتمويل الحكومة مراراً وتكراراً، كما صمم برامج مالية للمحافظة على استمرارية النظام المالي، وسمح للإدارات المختلفة بالاتفاق بما يفوق إمكاناتها. كان البنك المركزي المشتري الرئيسي لديون الحكومة، وهو يمتلك أكثر من 60% من سندات خزانة بالعملة المحلية، وما قيمته 5 مليارات دولار من السندات الدولية. كما قدم الدولارات الأميركية للحكومة لتغطية فاتورة الواردات، إذ إن معظم إيرادات الدولة والضرائب يأتي بالعملة المحلية. كما سدد "مصرف لبنان" قيمة سندات دولية وفوائد عليها نيابة عن الحكومة، في وقت كان من المفترض أن تتحمل الحكومة نفسها هذه التكاليف.

دافع سلامة بشكل متكرر عن تلك السياسات، قائلاً إنه كان يشتري الوقت للسياسيين لتنفيذ الإصلاحات. لكن أزمة عام 2019 دفعت لبنان إلى الانهيار، وقضت على إنجازات سلامة، حيث انهار التثبيت الدائم لسعر صرف الليرة اللبنانية الذي استمر لعقود، وظهرت فجوة مالية بقيمة نحو 70 مليار دولار في القطاع المالي، وتخلفت البلاد عن سداد ديونها للمرة الأولى في تاريخها.

كساد متعمّد

في تقرير أصدره عام 2022، وصف "البنك الدولي" الأزمة المالية في لبنان بأنها "كساد متعمّد من تنظيم النخبة في البلاد التي سيطرت على الدولة منذ فترة طويلة واستفادت من مواردها الاقتصادية".

اعتمد لبنان على تدفقات الدولار الأميركي في المقام الأول من الجاليات اللبنانية المنتشرة في الخارج للمحافظة على تثبيت العملة وتمويل العجز الضخم في الحساب الجاري والميزانية. لذلك، عندما بدأ نمو الودائع في الانخفاض عام 2015، إلى جانب عدم الاستقرار في الداخل والحرب في سوريا المجاورة، قدّم البنك المركزي ما أسماه "عمليات الهندسة المالية"، والتي وصفها "صندوق النقد الدولي" مراراً بأنها "غير تقليدية"، وحث "مصرف لبنان" على وقف العمل بها.

قدّمت عمليات الهندسة المالية هذه للمقرضين المحليين، عوائد عالية للاستثمار في الودائع لأجل بالدولار لدى البنك المركزي. وللقيام بذلك، كان على البنوك أن تجذب تدفقات جديدة بأسعار فائدة مربحة. كشفت خطة إنقاذ حكومية في عام 2020 أن المصارف التجارية -التي أغرتها العوائد المرتفعة- جمّدت نحو 70 مليار دولار من أصولها لدى البنك المركزي.

حسب تقديرات "صندوق النقد الدولي"، جذبت هذه العمليات أكثر من 24 مليار دولار من المقرضين بين عامي 2016 وفبراير 2019. حصلت المصارف التجارية على الأموال من خلال تقديم عوائد مجزية للمدخرين، وأدخلت أموال المتقاعدين والموظفين ضمن برنامج محفوف بالمخاطر بشكل متزايد. جاء تعرّض البنوك لمثل هذه الديون إلى جانب العلاقة المتشابكة بين البنك المركزي والمصارف التجارية، بنتائج كارثية. في بداية أزمة 2019، فرضت المصارف في لبنان قيوداً فعلية على الودائع بالدولار الأميركي لديها. الأمر ببساطة، أنه لم يكن لدى "مصرف لبنان" ما يكفي لدعم الواردات أو التدخل للدفاع عن تثبيت سعر صرف العملة وتمويل العجز المالي، والأهم من ذلك أنه لم يكن قادراً على تلبية التزاماته تجاه المقرضين المحليين.

تلاشي المدخرات.. والثقة

الأزمة قضت على مدخرات الناس، وأطاحت كذلك بالثقة في البنك المركزي. في مايو الماضي، حاول مئات المتظاهرين، معظمهم من عناصر الأمن المتقاعدين، اقتحام مبنى البرلمان في وسط بيروت، حيث كان النواب يعقدون جلسة برلمانية بعدما تجاوز سعر صرف الدولار مستوى 140 ألف ليرة، في انخفاض قياسي للعملة المحلية. حتى أن بعض الناس لجأوا إلى اقتحام البنوك لاستعادة أموالهم الخاصة.

اتهمت السلطات الأوروبية رياض سلامة بالانتفاع بشكل غير مباشر من بيع سندات دولية عبر شركة وساطة مملوكة لشقيقه رجا. كلا الرجلين نفيا هذا الادعاء. استجوب محققون أوروبيون رياض سلامة وآخرين في بيروت مرات عدة خلال العام الجاري. وجاء الإشعار الأحمر الصادر عن "الإنتربول" -وهو طلب إلى سلطات إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم لتحديد مكان شخص وتوقيفه مؤقتاً في انتظار تسليمه أو إجراء مشابه- في أعقاب إصدار مذكرات توقيف من قبل كل من فرنسا وألمانيا بشأن مزاعم احتيال وغسل الأموال، بعد تخلّف حاكم المصرف المركزي عن الحضور لاستجوابه في باريس.

نفى رياض سلامة كل المزاعم التي قال إنها جزء من حملة إعلامية لتشويه صورته. لم يرد سلامة على الأسئلة لإعداد هذا التقرير، لكن في مقابلة تلفزيونية يوم الأربعاء -يُحتمل أن تكون الأخيرة له كحاكم "مصرف لبنان"- دافع سلامة عن قراراته بشأن السياسة النقدية، وعن نفسه ضد مزاعم الاحتيال وغسل الأموال.

ورداً على سؤال حول المزاعم المحيطة بشركة الوساطة التي يملكها شقيقه، قال سلامة: "أؤكد للمرة العاشرة أنه لم تخرُج أية أموال من البنك المركزي".

وصف "صندوق النقد الدولي" مؤخراً، كما حصل في يوليو 2019، "مصرف لبنان" بأنه "ركيزة أساسية للاستقرار المالي، وهو الأساس في تثبيت سعر الصرف". لكن التاريخ الحديث يسجل له ذلك كعامل رئيسي في الانهيار الكبير الذي من المتوقع أن يؤدي إلى سياسات أكثر تقليدية في ظل قيادة الشخصية التي ستخلفه في البنك المركزي.

قال جان ميشيل صليبا الخبير الاقتصادي في "بنك أوف أميركا كورب": "أعتقد أن الخليفة سيحتاج أولاً إلى التواصل مع الطبقة السياسية والجمهور، والتأكد من حصوله على دعمهم للابتعاد عن سياسات الماضي". وأضاف: "المزيد من المحاسبة الحاسمة ستسمح بفهم أفضل للميزانية العمومية لـ(مصرف لبنان) وموارده".

منصب غير مرغوب فيه

حاول المسؤولون إقناع عدة مرشحين بتولي منصب حاكم البنك المركزي، لكن العديد منهم ترددوا في قبوله. وطالب البعض بضمانات من السياسيين تؤكد موافقتهم على الشروط الصعبة التي قد يفرضها "صندوق النقد الدولي" حال منح الدولة حزمة إنقاذ جديدة، مثل: تدقيق الحسابات الحكومية والضرائب بصورة أكبر. ومن الجهات التي طالبت بهذه الضمانات، كان "حزب الله"، الذي يستطيع عرقلة أي تعيين جديد نظراً لقوته السياسية والعسكرية. كما يخشى البعض الآخر ببساطة تولي هذه المسؤولية في ظل معاناة لبنان من عشرات الاغتيالات السياسية، حسبما أوضح أشخاص مطلعون على مناقشات اختيار خليفة سلامة.

من أبرز المرشحين لمنصب المحافظ أيضاً جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي ووزير مالية لبنان الأسبق. سُلطت الأضواء على أزعور لفترة وجيزة الشهر الماضي كرئيس محتمل للبلاد، حيث ظل منصب رئيس لبنان شاغراً منذ أكتوبر الماضي، بسبب عدم اتفاق السياسيين على مرشح بعينه، لكن حزب الله عرقل توليه للمنصب.

هناك أسماء أخرى أيضاً على قائمة المرشحين لمنصب المحافظ، ومنها: سمير عساف، الذي يعمل كمستشار أول في بنك "إتش إس بي سي" ومؤسسة "جنرال أتلانتيك" (General Atlantic)، وكميل أبو سليمان، محامي تمويل الشركات وأسواق رأس المال الدولية في مكتب المحاماة "ديشيرت"، الذي تولى حقيبة وزارة العمل لمرة واحدة من قبل.

قواسم مشتركة بين المرشحين

يجمع المرشحون الثلاثة السابق ذكرهم، الكثير من القواسم المشتركة، مثل عملهم خارج لبنان في مؤسسات مالية معترف بها دولياً، كما أنهم مسيحيون مارونيون. ويُعد اختيار حاكم للبنك المركزي من هذه الطائفة الدينية بمثابة عُرف سياسي في لبنان ضمن نظام تقاسم السلطة. فرئيس الوزراء يجب أن يكون مسلماً سنياً، ورئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً –مع ملاحظة أن لبنان الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تختار رئيساً مسيحياً- ورئيس مجلس النواب يجب أن يكون شيعياً. وهذا ترتيب سياسي معقد، يسمح لعدد من الطوائف الدينية بإعاقة تقدم البلاد. كما تندرج مناصب مثل حاكم المصرف المركزي وكبار قادة الأمن ضمن هذه التقسيمات، حيث تكون مقصورة تقليدياً على أبناء طوائف دينية بعينها. رفض أزعور وعساف وأبو سليمان التعليق على هذا الموضوع.

لا يهم من سيتولى منصب حاكم "مصرف لبنان"، ففي كل الأحوال سيواجه شعباً منقسماً بشدة وغاضباً، وسياسيين يتلكأون عند سلوك أي طريق يسمح بتعافي البلاد، فيما تواجه البنوك اللبنانية أزمة وجودية.

هنري شاوول، مستشار الحكومة السابق الذي عمل على خطة إنقاذ مالي للبنان مع شركة "لازارد" (Lazard) الاستشارية في عام 2020، يرى أن "لب الأزمة هي في البرلمان، لأن أي تغييرات مقترحة على القانون يجب أن تمر عبر مجلس النواب في نهاية المطاف".

أين ذهبت خطة إنقاذ لبنان؟

شكلت الخطة التي وضعها شاوول حجر الأساس للمفاوضات مع "صندوق النقد الدولي"، لكن البنك المركزي والبنوك التجارية المحلية وبعض البرلمانيين اعترضوا عليها، حيث وضعت الخطة للمرة الأولى على الورق، الخسائر الفعلية للقطاع المالي. لكن عدداً قليلاً جداً قبلوا الاعتراف بحجم المشكلة الحقيقي. استقال شاوول بعدها ببضعة أشهر لأنه لم يستشعر وجود "إرادة حقيقية" للإصلاح في الأوساط السياسية، وحذا آخرون حذوه.

في غضون ذلك، لا توجد علامات مبشرة تحت سماء لبنان، حيث يناقش السياسيون وحكومتان متتاليتان مشروع قانون ضبط رأس المال منذ عام 2020، والذي يشترط "صندوق النقد الدولي" إقراره لتأمين خطة الإنقاذ. دخل السياسيون في خلاف مع البنوك وبين بعضهم البعض حول كيفية توزيع الخسائر وطرق السداد لصغار المودعين. لكن العقبة الأولى أمامهم كانت الاتفاق على قيمة تلك الخسائر.

على صعيد متصل، يرى مستشارون سابقون ومرشحون وزاريون أن الطريقة المثلى لتجنب أي تأخير في منظومة الإصلاح هي منح السلطة التنفيذية سلطات استثنائية، وأن يكون حاكم البنك المركزي على استعداد لتقييد الدعم المالي للحكومة، مع الضغط بقوة من أجل تنفيذ الإصلاحات. لكن الضغوط تتفاقم على لبنان في انتقاء واختيار الإصلاحات، والوقت ينفذ بسرعة.

اختتم صليبا، المحلل الاقتصادي في "بنك أوف أميركا": "من المنظور السياسي، سنجد أن لبنان يحتاج إلى مزيد من الشفافية على مستوى البنك المركزي، مع توحيد سعر صرف العملة، ووقف التمويل الضخم للميزانية، وتنفيذ إصلاحات مؤسسية بما في ذلك تلك التي يشترطها (صندوق النقد الدولي). ولو تجاهل حاكم (مصرف لبنان) المقبل أحد هذه البنود، قد يفشل في مهمته".

تصنيفات

قصص قد تهمك