ما وجه الشبه بين قصة "غولديلوكس" الخيالية واقتصاد أميركا؟

برغم نمو الاقتصاد الأميركي المذهل في الربع الثالث، يشير عدد كبير من المؤشرات إلى أنه يفقد زخمه

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

يقترب الاقتصاد الأميركي من عام 2024 وهو على حال أفضل مما توقعه المتفائلون منذ ستة أشهر فقط، رغم استمرار شبح الركود الذي طال التخوف من وقوعه. لقد فاق نمو الاقتصاد في الربع الثالث كل التوقعات، كما أن الوظائف ما تزال وفيرة، ويستمر الإنفاق الاستهلاكي، فيما حافظت أسعار المنازل على مستوياتها. وأتت إشارات من الاحتياطي الفيدرالي بأنه ربما يكون قد أنهى دورة الرفع القوي لأسعار الفائدة، فتعززت الآمال بهبوط سلس للاقتصاد.

يقتبس اقتصاديو وول ستريت من حكاية "غولديلوكس" الخيالية ليلخصوا استشرافهم الحالي للمستقبل، فيقولون: "لا ساخن ولا بارد".

كتب ستيفن ستانلي، كبير خبراء الاقتصاد الأميركي في "سانتاندر يو إس كابيتال ماركتس" (Santander US Capital Markets)، في مذكرة نشرها حديثاً: "أشعر كأنني في قلب حكاية (غولديلوكس)".

ذكر مايكل فيرولي، كبير خبراء الاقتصاد الأميركي في "جيه بي مورغان"، أيضاً قصة الأطفال الكلاسيكية في أحد التقارير، فقد كتب: "الوضع حالياً أشبه بقصة (غولديلوكس)". كما نشر داريو بركينز، العضو المنتدب في "تي إس لومبارد" (TS Lombard)، عبر منصة "إكس" التي كان اسمها "تويتر"، رسماً لشخصية "غولديلوكس"، البنت الصغيرة التي أكلت العصيدة من بيت دخلته بلا استئذان.

رغم ذلك، فإنه كان لقصة "غولديلوكس" مغزى في هذا، وهو أن احتمال قدوم المخاطر قائم دوماً. يرى المشككون في إمكانية حدوث هبوط سلس أن جوهر السؤال لا يتناول احتمال تباطؤ الاقتصاد، بل هو يتعلق بحجم ذلك التباطؤ. قالت نانسي فاندن هوتن، إحدى الخبراء الاقتصاديين في "أوكسفورد إيكونوميكس" (Oxford Economics): "أعتقد أننا نقترب مما يشبه نقطة تحول. كان الاقتصاد أقوى بكثير مما توقعنا، لكننا نتوقع تباطؤاً لا يستهان به في الفصول المقبلة".

تأثير أسعار الفائدة

بدأت علامات على أن سوق العمل تضعف بالظهور، وأن ثقة المستهلكين تتراجع، وهذا بسبب تأثير رفع أسعار الفائدة التي بلغت أعلى مستوياتها خلال 22 عاماً. لقد تباطأ نمو الوظائف بأكثر من المتوقع في أكتوبر، وارتفع إشغال الوظائف خارج القطاع الزراعي بمقدار 150 ألف وظيفة، أي نحو نصف وتيرة الزيادة التي شهدها الشهر السابق، وارتفع مستوى البطالة إلى أعلى مستوياته خلال عامين تقريباً، إذ بلغ 3.9%.

اقرأ أيضاً: بعد تقرير الوظائف.. الأسواق تراهن على خفض الفائدة في يونيو

وتباطأ نمو الأجور الشهري، وهذا خبر سار للاحتياطي الفيدرالي رغم أنه بالتأكيد لا يسعد الأسر الأميركية، نظراً لأن تخطي زيادات الأجور للمستوى المعتاد يُعقِّد مهمة البنك المركزي في توجيه التضخم إلى مستهدفه السنوي البالغ 2%.

سيحدد حال سوق العمل خلال الأشهر المقبلة اتجاه إنفاق المستهلكين والاقتصاد الأوسع. إذا استمرت البطالة في الزيادة، فستؤثر على ثقة المستهلكين، التي انخفضت فعلاً إلى أدنى مستوياتها خلال خمسة أشهر، ويرجع ذلك في الأغلب إلى مخاوف حول الأسعار المرتفعة، خصوصاً البقالة والبنزين. تراجع مؤشر ثقة المستهلكين لدى مؤسسة "كونفرنس بورد" (Conference Board) إلى 102.6 نقطة الشهر الماضي من 104.3 نقطة في سبتمبر، والرقم الأخير ارتفع بعد التنقيح.

قال رافائيل بوستك، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، إن المسؤولين التنفيذيين لدى كبار وصغار البنوك يخبرونه بأنهم باتوا أشد حذراً. قال بوستك خلال مقابلة مع "بلومبرغ نيوز" في 3 نوفمبر: "إنهم لا يتطلعون للإقراض بنفس الإقبال الذي ربما كانوا عليه لو اختلفت الظروف. وحين يقرضون، فعادةً ما يكون ذلك أدنى مما كان عليه من قبل. لذا أعتقد أن هناك أدلة واضحة على التباطؤ، ولا أتوقع أن تتغير تلك العقلية خلال الأشهر المقبلة". ومن شأن شروط الإقراض الأكثر تشدداً أن تقلص استثمارات الشركات والتوظيف لديها عاجلاً أو آجلاً.

علامات ضعف السوق

في هذه الأثناء، تعتمد الأسر الأميركية بشكل أكبر على بطاقات الائتمان، إذ أن مجموع القروض عبر بطاقات الائتمان أعلى حالياً بـ154 مليار دولار مما كان عليه قبل عام، وهذه أكبر زيادة سنوية منذ بدأ الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بتعقب بياناتها في 1999، وفقاً لما كتبه باحثو البنك في تدوينة نُشرت في 7 نوفمبر. ما بات يثير قلقاً أكبر، أن معدلات التخلف عن السداد قفزت إلى أعلى من مستويات ما قبل الجائحة.

انظر حولك وستجد علامات أخرى تدل على ضعف السوق، إذ هوى أحد مقاييس نشاط المصانع الأميركية إلى أدنى مستوياته خلال ثلاثة أشهر في أكتوبر، فقد أدى تراجع الطلبيات لتقويض الآمال بأن القطاع قد تخطى أسوأ ما يواجهه.

اقرأ أيضاً: التضخم الأميركي يحافظ على ارتفاعه للشهر الثاني

تراجع مقياس آخر، وهو مؤشر مديري المشتريات التابع لمعهد إدارة الإمدادات الأميركي، بواقع 2.3 نقطة في أكتوبر، وهو أكبر انخفاض خلال أكثر من عام، فبلغ 46.7 نقطة، علماً بأن القراءات دون مستوى 50 نقطة تعني وجود انكماش. وقد نما قطاع الخدمات في أكتوبر، لكن بأقل وتيرة له خلال خمسة أشهر، إذ قلص المشغلون التعيينات.

ما يزال السيناريو المتفائل صامداً، كما أن قرار الاحتياطي الفيدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة للاجتماع الثاني على التوالي وتصريح رئيسه جيروم باول لاحقاً بأن مسألة ما إذا كان البنك المركزي سيضطر لرفع أسعار الفائدة مجدداً غير محسومة حالياً، هدأ المخاوف بأن صنّاع السياسات قد يبالغون في هذا، فيرفعون الفائدة لأكثر مما ينبغي. تُظهر تداولات مشتقات أسعار الفائدة أن المتعاملين في السوق يتوقعون احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرة أخرى في يناير بنسبة 20% فقط.

السيناريو المرجح

لكن كما ترى جانيت موي، رئيسة تحليلات السوق في شركة "آر بي سي بروين دولفين" (RBC Brewin Dolphin) لإدارة الثروات، فإنه إن لم يهدأ نمو الأجور والنشاط الاقتصادي بما يكفي لإعادة التضخم إلى 2%، سيتعرض صنّاع السياسات لضغوط كي يعاودوا رفع أسعار الفائدة.

قالت إن "سيناريو الهبوط السلس أكثر ترجيحاً إذا اتجه الاحتياطي الفيدرالي بشكل أكبر نحو التيسير خلال العام المقبل، لكن ذلك ما يزال غير مرجح، إذا ظلت البيانات قوية".

اقرأ أيضاً: الاحتياطي الفيدرالي: آفاق نمو الاقتصاد الأميركي مستقرة.. أو أضعف قليلاً

أحد الآثار الجانبية للتراجع الذي أظهرته البيانات وأعطى إشارات للاحتياطي الفيدرالي، كان التراجع الكبير في عوائد سندات الخزانة الأميركية، التي ما انفكت ترفع معدلات الرهن العقاري وتكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

دفع صعود سندات الخزانة عوائد السندات لأجَل 10 سنوات في وقت من هذا الشهر لتسجيل أكبر انخفاض خلال يوم واحد في 2023، ولم يجلب ذلك طمأنينةً لمن يفكرون بالاقتراض.

ترى نيلا ريتشاردسون، كبيرة اقتصاديي شركة تحويل الرواتب "إيه دي بي" (ADP)، أن مزيجاً من التضخم المتباطئ والاقتصاد الذي ما يزال في طور النمو يبشر بخير في الأشهر المقبلة. قالت: "قد تساعد قوة الاستهلاك وسوق العمل المستقرة الاحتياطي الفيدرالي على تحقيق أحد أعظم التعافيات في تاريخه".