اقتصاد تركيا يتجه نحو "الهبوط السلس" بعد تحول مسار الفائدة

تغيير السياسة الاقتصادية للبلاد أسفر عن تعزيز ثقة المستثمرين لكن دون سحق النمو

مبانٍ سكنية وتجارية في أفق مدينة إسطنبول، تركيا
مبانٍ سكنية وتجارية في أفق مدينة إسطنبول، تركيا المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

قد يسجل اقتصاد تركيا تباطؤاً في الربع الأخير من هذا العام مع تغيير البنك المركزي في البلاد بوصلته بالاتجاه نحو تشديد السياسة النقدية بعد الانتخابات الرئاسية التي عقدت في مايو الماضي، وهو تحول اقتصادي أسفر عن تعزيز ثقة المستثمرين لكن دون سحق النمو.

أدت الارتفاعات السريعة في أسعار الفائدة إلى تقييد الإقراض ومبيعات التجزئة رغم استمرار ارتفاع التضخم. ونتيجة لذلك، من المتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% فقط مقارنة بالربع الثاني على أساس معدل موسمي ووفق أيام العمل، بانخفاض عن 3.5% التي حققها في الأشهر الثلاثة السابقة لذلك، وفقًا لأوسط توقعات المحللين المشاركين في استطلاع بلومبرغ.

لكن يرجح استمرار بعض النمو على أساس سنوي، حيث وصل ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.3% في الربع الثالث مقارنة بالعام الماضي، ومقابل 3.8% في الربع السابق، حسبما أظهر استطلاع منفصل. ومن المقرر أن تنشر وكالة الإحصاء التركية الأرقام حوالي الساعة 10 صباحاً بالتوقيت المحلي يوم الخميس.

تحول السياسات النقدية في تركيا

قالت سيلفا ديميرالب، أستاذة الاقتصاد بجامعة كوتش في إسطنبول، إن التحول الحاد عن السياسات التيسيرية كان له تأثير فوري على الاقتصاد. وأضافت أن "العامل الهام الآخر الذي أدى إلى تقويض النمو في الربع الثالث هو انخفاض الطلب على الصادرات التركية بسبب التباطؤ في أوروبا".

"دويتشه بنك": سندات الليرة التركية أفضل استثمار في 2024

تعد قدرة تركيا على تحقيق النمو أمراً مهماً للغاية مع دخول البلاد المرحلة النهائية قبل الانتخابات البلدية في مارس، والتي يمكن أن تخفف من عزيمة صناع السياسات على التشديد بينما يتسارع التضخم متجاوزاً 60%.

ومهدت إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان في مايو الماضي الطريق لتحول الأولويات الاقتصادية في البلاد من خلال تعيين فريق جديد من المسؤولين التكنوقراط وعلى رأسه وزير المالية محمد شيمشك ومحافظة البنك المركزي حفيظة غايا أركان.

رأي خبراء "بلومبرغ إيكونوميكس":

تقول الخبيرة الاقتصادية سيلفا بهار بازيكي: "تشير المؤشرات الرئيسية للربع الرابع إلى أن تشديد السياسات النقدية للبنك المركزي بدأ في التأثير على النشاط. مع ذلك، قد تؤدي الانتخابات المحلية في مارس 2024 إلى مزيد من التحفيز المالي. وتظل هذه الأرقام أقل بكثير من متوسط النمو المسجل في العقد السابق للجائحة، والذي تجاوز 5%. كما أن ارتفاع الإنفاق الحكومي سيكون بمثابة أخبار سيئة للبنك المركزي، لأنه سيؤجج الضغوط التضخمية".

الهبوط السلس في اقتصاد تركيا

يعد تحقيق سيناريو الهبوط السلس في اقتصاد تركيا البالغ حجمه تريليون دولار دليلاً على نجاح أركان، التي قالت إن استقرار الأسعار أمر بالغ الأهمية لتحقيق النمو المستدام. وقبل تعيينها في يونيو الماضي، اعتمد أردوغان لسنوات على السياسات التي أدت إلى نمو الاقتصاد على حساب توحش التضخم وانزلاق الليرة.

صرحت أركان في كلمة ألقتها يوم الأربعاء: "في الوضع الذي يكون فيه التضخم والتقلبات مرتفعين، يمكن بدء عملية تباطؤ التضخم بأقل قدر من التنازلات الخاصة بالنمو حتى يعود التضخم إلى مستويات معينة. وفي هذه المرحلة يجب أن يكون الهدف هو الحفاظ على استمرار تباطؤ التضخم بشكل مستدام".

محافظة المركزي التركي تحذّر المصنعين من ارتفاع أسعار الفائدة

تسببت الزيادات الشهرية في أسعار المستهلكين منذ يونيو الماضي في مضاعفة سعر الفائدة الرئيسي إلى خمسة أمثاله تقريباً ليصل إلى 40% في نوفمبر الماضي، مع تشديد السياسة النقدية بشكل تراكمي بنحو 15 نقطة مئوية خلال الربع الثالث فقط.

استبعاد شبح الركود المطول في تركيا

لكن رغم زيادات أسعار الفائدة الكبيرة، من المستبعد معاناة تركيا من الركود لفترة طويلة، نظراً لأن البنك المركزي اتخذ في البداية نهجاً تدريجياً في تشديد السياسة النقدية ومع استمرار وجود فارق إيجابي في نمو إنتاج البلاد. أظهر النموذج الذي طورته ديميرالب مع زملائها الباحثين في جامعة كوتش أن احتمال الركود أقل من 20%.

تركيا تلجأ إلى سوق السندات الدولارية لأول مرة منذ الانتخابات

على الجانب الآخر، يشكل ضعف الطلب المحلي عبئاً متزايداً على الاقتصاد، حيث شكل الاستهلاك ما يقرب من ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي. وكان النمو في متوسط مؤشر مبيعات التجزئة قريباً من الصفر في الفترة من يوليو إلى سبتمبر، بعد خمسة أرباع متتالية من الزيادة بأكثر من 5%، وفقاً لخبراء اقتصاديين في مؤسسة "كيو إن بي فاينانس بنك" (QNB Finansbank) بقيادة إركين إيسيك.

وكتب الخبراء في تقرير أن "التشديد النقدي المستمر وضعف الطلب العالمي قد يتسببان في مزيد من التدهور"، مضيفين أن الإنفاق على جهود الإغاثة من الزلزال "قد يؤدي إلى إعادة التوازن للاقتصاد".