آلاف الفارين الروس يعودون إلى تعزيز اقتصاد بوتين الحربي

time reading iconدقائق القراءة - 8
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة \"فوستوشني\" الفضائية في عام 2022، - المصدر: بلومبرغ
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة "فوستوشني" الفضائية في عام 2022، - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

فر ما يصل إلى مليون روسي إلى الخارج خلال السنة الأولى من الحرب الروسية على أوكرانيا. الآن يعود الآلاف منهم إلى ديارهم، مما يشكل انتصاراً دعائياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ودفعة لاقتصاده الحربي.

ومع استمرار الحرب المستعرة، واقتراب بوتين من تولي فترة ولاية أخرى مدتها ست سنوات في السلطة، يواجه العديد من الروس خياراً صعباً. ففي مواجهة الرفض عند تجديد تصاريح الإقامة، والصعوبات التي يواجهونها في نقل العمل والمال إلى الخارج، والوجهات المحدودة التي لا تزال ترحب بهم، اختار الكثير منهم إنهاء منفاهم الذاتي.

قال أليكسي، وهو مستشار سياسي سابق من موسكو يبلغ من العمر 50 عاماً، انتقل إلى جورجيا للعمل كرجل أعمال بعد اعتقاله في مسيرة مناهضة للحرب في العاصمة الروسية: "لم ينجح العمل، لا أحد ينتظرنا حقاً في الخارج". وقال أليكسي إنه عاد إلى بلاده عندما نفدت الموارد المالية لشركته، حيث طلب ومجموعة من رجال الأعمال قابلتهم بلومبرغ عدم الكشف عن أسمائهم الأخيرة لأسباب أمنية.

الهجرة بسبب الحرب

أثار غزو فبراير 2022 هجرة جماعية من روسيا على نطاق واسع لم تشهده منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. غادر الكثيرون لتسجيل المعارضة ضد الحرب، وكذلك خوفاً من التعبئة العسكرية. عندما أمر بوتين باستدعاء 300 ألف من جنود الاحتياط في سبتمبر 2022، أثار ذلك موجة جديدة من هجرة مئات الآلاف من الأشخاص.

تباطأت موجات الهجرة إلى الخارج، إن لم تكن انعكست. في يونيو، تفاخر الكرملين بأن نصف جميع الذين فروا في تلك الأيام الأولى قد عادوا بالفعل، ويبدو أن هذا يعكس الإحصاءات المتاحة من بلدان المقصد الأكثر شعبية، فضلاً عن البيانات من شركات إعادة التوطين. استناداً إلى بيانات العملاء في شركة إعادة توطين واحدة، "فينيون" (Finion) في موسكو، عاد ما يقدر بنحو 40% إلى 45% من أولئك الذين غادروا في عام 2022 إلى روسيا، كما قال رئيس الشركة، فياتشيسلاف كارتاميشيف.

اقرأ أيضاً: روسيا تبني طرقاً تجارية جديدة إلى آسيا لإضعاف تأثير العقوبات

أشاد بوتين بعودة رجال الأعمال وأصحاب المشاريع والمتخصصين المؤهلين تأهيلاً عالياً باعتباره "اتجاهاً جيداً". وهو يعتبر أن العودة إلى البلاد علامة على دعم سياساته، بغض النظر عن الأسباب الفعلية لعودتهم إلى الوطن، ودليل على أن الروس لديهم "شعور بالانتماء، وفهم لما يحدث".

تجاوز العقوبات

تُستخدم قصص العودة بنشاط في الدعاية كتأكيد على "رهاب روسيا" في الغرب، وفقاً لما قالته تاتيانا ستانوفايا، مؤسسة الاستشارات السياسية "آر بوليتيك"(R.Politik) وزميلة بارزة في "مركز كارنيغي روسيا أوراسيا" (Carnegie Russia Eurasia Center). يعتبر ذلك مهماً بالنسبة إلى بوتين، لأنه "يغذيه، ويعطيه دليلاً إضافياً على أنه كان على حق"، وفقاً لما قالته.

كما تساعد عودة آلاف المغتربين روسيا على تجاوز العقوبات في زمن الحرب، وتقديم أداء اقتصادي قوي. وفقاً لتقديرات "بلومبرغ إيكونوميكس"، يُحتمل أن تكون الهجرة العكسية قد أضافت ما بين الخمس والثلث إلى النمو الاقتصادي السنوي لروسيا، البالغ 3.6% في عام 2023.

اقرأ أيضاً: ماذا تعني الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية بالنسبة لصادرات النفط الخام؟

ومع ذلك، لا يشكل العمال العائدون سوى ما يقدر بنحو 0.3% من إجمالي عدد العاملين. هذا لا يساهم في التخفيف من النقص الحاد في سوق العمل، لكنه يؤكد على مساهمة العائدين الضخمة في النشاط الاقتصادي.

[object Promise]

إلى البعض، توفر روسيا الآن فرصاً وظروف عمل أفضل مما كانت عليه قبل الحرب، لأن البلاد تحاول جذب المتخصصين النادرين. عاد مبرمج تكنولوجيا المعلومات إيفجيني وعائلته بعد حوالي عام من العيش في ألماتي بكازاخستان، عندما تلقى عرضاً للعمل في روسيا براتب وبشروط "لم يكن يحلم بها من قبل".

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يدرس عقوبات على مشاريع الغاز المسال الروسية

من جهته، قال ميخائيل كوفالتشوك، رئيس المركز القومي للبحوث في معهد "كورشاتوف"، بعد أن أعلنت المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن"، المعروفة بمشروع "مصادم الهدرونات الكبير"، أنها ستتوقف عن العمل مع المتخصصين الروس هذا العام: "هذه هدية لنا". مُشيراً إلى أن هذا يعني عودة العلماء إلى روسيا.

لا خيار سوى العودة

في حين أن تقديرات عدد الذين غادروا تختلف اختلافاً كبيراً، قدر الاقتصاديون في "ألفا بنك" في موسكو أن روسيا فقدت حوالي 1.5% من قوتها العاملة بالكامل في عام 2022، أو ما يقرب من 1.1 مليون شخص. وبينما هاجر البعض إلى أوروبا، ذهب الكثيرون إلى أماكن أخرى مثل الإمارات وتايلندا وإندونيسيا، وهي دول لم تفرض عقوبات على روسيا مثلما فعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها، وكذلك إلى الدول السوفيتية السابقة المجاورة.

واجه المواطنون الروس صعوبة أو رفضاً عند محاولة تجديد تصاريح إقامتهم منتهية الصلاحية، وفقاً لكارتاميشيف من "فينيون". وأشار إلى أن معظم أولئك الذين يشهدون ذلك ينتهي بهم الأمر باختيار العودة إلى روسيا.

اقرأ أيضاً: روسيا تدرس زيادة الضرائب بعد الانتخابات لتمويل الحرب

تظهر بيانات "فينيون" أنه حتى في البلدان الصديقة في الغالب، مثل أرمينيا وقرغيزستان، تعرض الروس لمزيد من التدقيق. وأشار كارتاميشيف إلى أن العديد من الدول الأوروبية، خاصة في الشرق، صعبت حصول الروس على تصاريح إقامة مؤقتة أو تجديدها، كما فعلت تركيا، مما فاجأ عشرات الآلاف من الروس، الذين واجهوا بعد ذلك خيار العودة إلى ديارهم أو البحث عن بلد آخر.

اقرأ أيضاً: "الحرب حتى النصر" أولوية ميزانية روسيا الجديدة

تظهر البيانات الرسمية أن العدد الحالي لتصاريح الإقامة قصيرة الأجل للروس في تركيا يبلغ حوالي 60 ألف تصريح، أي بانخفاض إلى النصف من 132 ألفاً في عام 2022.

تظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطني في جورجيا أن عدد الروس الذين غادروا البلاد ارتفع ست مرات ليصل إلى 35344 في عام 2023، بينما انخفض عدد المهاجرين الوافدين بنسبة 16% عن العام الماضي.

أبلغت كازاخستان عن 146 ألف وافد جديد من روسيا بحلول نهاية عام 2022، لكن دبلوماسياً روسيّاً إلى ألماتي ادعى أنه بعد عام، لم يبق أكثر من 80 ألف وافد.

تحديات كبيرة

يُرجح استمرار عملية العودة إلى الوطن. وفقاً لدراسة أجراها علماء السياسة بقيادة إميل كمالوف وإيفيتا سيرغييفا في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، فإن 41% فقط من المهاجرين الروس، وفي بعض البلدان 16% فقط، يعتبرون وضعهم مستقراً إلى حد ما في مجتمعاتهم المضيفة. ويتفاقم انعدام الأمن هذا بسبب إبلاغ 25% عن تعرضهم للتمييز، سواء من السكان المحليين أو المؤسسات.

ووجد المشاركون في الدراسة أن "العالم احتشد ضدهم حرفياً"، وفقاً لما قالت آنا كوليشوفا، عالمة الاجتماع في "سوشيال فورسايت غروب" (Social Foresight Group)، التي تجري مقابلات مع المهاجرين الروس. وأضافت "عاد معظمهم بشعور من الاستياء، والشعور بأن بوتين لم يكن مخطئاً بعد كل شيء. إنهم يكرهوننا حقاً".

اقرأ أيضاً: عجز ميزانية روسيا يصل إلى 45 مليار دولار متجاوزاً هدف العام بأكمله

وبمجرد عودتهم، يجد العديد من الذين غادروا بسبب معارضتهم للحرب تحديات مختلفة. حيث عاد ألكسندر، البالغ من العمر 35 عاماً، وهو متخصص في تكنولوجيا المعلومات المصرفية، إلى روسيا من أذربيجان لأن عائلته لم تكن مرتاحة هناك. وجد وظيفة في بنك روسي كبير، حيث أشار إلى أن معظم زملائه يدعمون بوتين ويصدقون الدعاية حول الحرب.

إنه لا يجادل زملاءه في هذا الشأن. وقال: "ليس من الآمن إقناع الزملاء"، مضيفاً: "أنا في انتظار أن ينتهي هذا الكابوس".

تصنيفات

قصص قد تهمك