5 عوامل تبقي استدانة مشاريع السعودية العملاقة تحت السيطرة

امتلاك الحكومة لأصول ضخمة، والاحتياطيات الأجنبية الكبيرة، وتعديل الإطار الزمني لإتمام المشاريع من بين عوامل تجعل ديون الحكومة أكثر أماناً

أبراج الأعمال في حي الملك عبدالله المالي في العاصمة السعودية الرياض
أبراج الأعمال في حي الملك عبدالله المالي في العاصمة السعودية الرياض المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

تتوقع "إس إند بي غلوبال ريتينغز" أن تتوجه السعودية إلى زيادة إصدار الديون لتوفير الأموال اللازمة للمشاريع العملاقة المرتبطة برؤية 2030، راسمةً لذلك 4 سيناريوهات. لكنها أشارت في تقرير صادر مؤخراً إلى أن مستويات الديون ستبقى تحت السيطرة، مستندةً بذلك إلى 5 عوامل قوة تمتلكها المملكة.

وتشمل هذه العوامل: الأصول المدرّة للسيولة الصخمة لدى الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة، وفي مقدمتها أرامكو، بالإضافة إلى الاحتياطيات الأجنبية الكبيرة لدى البنك المركزي (ساما)، والتعويل على زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور القطاع الخاص في مشاريع الرؤية، فضلاً عن الخطوات المتخذة لتطوير أسواق المال في المملكة، إلى جانب إمكانية إعادة جدولة بعض المشاريع العملاقة.

من ناحية حجم الديون المطلوبة، تراوحت السيناريوهات التي وضعتها المؤسسة بين سيناريو رئيسي، وثلاثة سيناريوهات بديلة. حيث قُدِّر، وفق السيناريو الرئيسي، أن يبلغ إجمالي إصدارات الديون من قِبل الحكومة السعودية وصندوق الاستثمارات العامة 10% من إجمالي تكاليف مشاريع "رؤية 2030".

من المخطط أن يرفع هذا السيناريو الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 26% بحلول 2027. وللمقارنة، تشير التقديرات لبلوغ إجمالي الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة العشرين (باستثناء روسيا) 79% في المتوسط في عام 2027.

وفي السيناريوهات البديلة، توقع التقرير أحجام إصدارات ديون أعلى من قِبل حكومة السعودية وصندوق الاستثمارات العامة تتراوح بين 20% و61% من إجمالي تكاليف المشروعات.

مشاريع أساسية في "رؤية 2030"

المشروع الكلفة (مليار دولار)
نيوم500
روشن 90
بوابة الدرعية 62
المربع الجديد 50
رؤى المدينة 37
مطار الملك سلمان الدولي 30
حديقة الملك سلمان 23
البحر الأحمر الدولية 21
وسط جدة 20
العلا 15
القدية 9
المجموع857

ذهبية غوبتا، مديرة التصنيفات السيادية في "إس آند بي غلوبال"، قالت في حديث لـ"الشرق" إن التوقعات تشير إلى أن إجمالي إصدار الدين من قِبل الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة ستبلغ 250 مليار دولار خلال السنوات السبع القادمة، ما يعني إصدارات سنوية تبلغ 35 ملياراً.

السعودية تصدر سندات دولارية بـ12 مليار دولار على 3 شرائح

في أبريل الماضي، رفعت السعودية مستهدف الاستدانة في 2024 بنحو 60% عن احتياجاتها التمويلية التي كانت أعلنت عنها في وقت سابق، لتصل إلى 138 مليار ريال سعودي (36.7 مليار دولار).

المملكة ردت أسباب هذه الزيادة إلى "الاستفادة من فرص السوق لتحقيق تمويل استباقي للعام القادم، واستخدامه لتعزيز الاحتياطيات العامة للدولة، أو تحقيق فرص إضافية لتعزيز الإنفاق التحولي خلال هذا العام، وذلك لتسريع المشاريع الاستراتيجية وبرامج رؤية السعودية 2030​".

وتوقعت غوبتا أن يأتي أغلب التمويل من مصادر خارجية عبر إصدار سندات يورو بوندز وصكوك وسندات خضراء، إلى جانب القروض المشتركة من البنوك الدولية.

تدفق نقدي

ترى "إس آند بي غلوبال" أن الديون التي يُفترض أن تطرحها السعودية، بغض النظر عن سيناريوهات حجمها، ستظل تحت السيطرة بسبب وجود عوامل قوة عديدة. أبرز العوامل التي اعتمد عليها التقرير في استنتاجه، هو امتلاك الحكومة أصولاً سائلة ضخمة تشكل نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشمل حصة 82% من شركة "أرامكو" التي تناهز قيمتها السوقية 2 تريليون دولار. ووفقاً لتقرير وكالة التصنيف، فإن الحكومة يمكنها بيع حصص في الشركة بالسوق المالية في حال احتاجت لجمع تمويل.

قامت الحكومة حتى الآن بنقل 16% من حصصها في شركة "أرامكو" إلى صندوق الاستثمارات العامة والشركات التابعة له، ما حقق إضافة كبيرة لأصول الصندوق، وعوائد يمكن استخدامها لدعم مشاريع الرؤية.

اقرأ أيضاً: حسابات الربح والخسارة في تحويل أسهم من أرامكو للصندوق السيادي السعودي

احتياطيات "ساما"

علاوة على ذلك، يحتفظ البنك المركزي السعودي (ساما) باحتياطيات أجنبية بلغت في مارس الماضي 455 مليار دولار، بما يمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقع التقرير استمرار "ساما" بالاحتفاظ باحتياطيات أجنبية ضخمة لتلبية متطلبات ميزان المدفوعات، ولضمان استقرار ربط العملة المحلية بالدولار في حال حدوث صدمات خارجية مثل انخفاض حاد في أسعار النفط.

الاستثمارات الأجنبية والقطاع الخاص

في حين سيواصل صندوق الاستثمارات العامة والحكومة تمويل المشاريع، إلا أن الشركات التابعة للحكومة والقطاع الخاص والبنوك المحلية والاستثمار الأجنبي المباشر، ستلعب جميعها دوراً محورياً في تنفيذ هذه المشاريع، وفق التقرير.

بلغ متوسط التدفقات الاستثمارية الأجنبية نحو 2% من الناتج المحلي للبلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية، فيما تستهدف الحكومة ضمن رؤية 2030 رفعه ليصل إلى 5.7% من الناتج المحلي سنوياً.

وتتوقع "إس آند بي غلوبال" مزيداً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة على خلفية الفرص الاستثمارية الكبيرة، وجهود الحكومة لإصلاح الأنظمة وتحسين ظروف الأعمال. ومن ضمن هذه الجهود قامت الحكومة بفتح مناطق حرة، ومنح الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من البلاد مقراً إقليمياً لها إعفاءً ضريبياً لمدة 30 عاماً.

كما يُرتقب أن تستمر البنوك المحلية في لعب دور رئيسي في تمويل شركات القطاع العام والخاص، ورجّح أن تشهد البنوك السعودية تحولاً من التركيز على قروض الرهن العقاري إلى إقراض الشركات وتمويل مشروعات الرؤية.

في 2023 ضخت البنوك السعودية ما يصل إلى 55 مليار دولار في شكل استثمارات وتمويلات في القطاعين العام والخاص، فيما من المتوقع أن ترتفع هذه القيمة بنسبة 8% إلى 9% خلال العام الجاري، وفق التقرير.

اقرأ أيضاً: البنوك السعودية بصدد إصدار قياسي للسندات لتمويل المشاريع الضخمة

مع ذلك، أشارت "إس آند بي غلوبال" إلى أن النظام المصرفي وحده لا يستطيع سد الاحتياجات التمويلية المتعلقة برؤية 2030، فوفق حسابات وكالة التصنيف الدولية بلغ معدل القروض إلى الودائع 104% بنهاية العام الماضي.

تطوير سوق المال وتأجيل مشاريع

إضافةً إلى ذلك، رجّحت الوكالة الدولية أن تكون أسواق رأس المال السعودية نافذة للشركات، سواءً التابعة للحكومة أو الخاصة، في جمع التمويلات التي تحتاجها لتنفيذ مشاريعها. ومثّل الطرح العام الأولي لحصة من عملاقة النفط السعودية "أرامكو" في عام 2019 خطوة هامة في هذا الطريق، ومنذ ذلك الحين اتجهت كيانات سعودية نحو طرح أسهمها في بورصة الرياض، ما جعلها السوق المالية الأنشط بالاكتتابات الأولية إقليمياً.

تُعتبر سوق الأسهم السعودية "تداول" أكبر أسواق المنطقة من حيث القيمة السوقية وأحجام التداول. وتعمل هيئة سوق المال على تبسيط الإجراءات وتقديم الحوافز لجذب الشركات لإدراج أسهمها، وتحفيز مصدري السندات المحليين والدوليين على اعتماد بورصة المملكة منصةً لهم، ما من شأنه أن يقدم قاعدة تمويل أكثر تنوعاً لتنفيذ مشروعات الرؤية.

في إطار عمليات تطوير أسواق المال، أعلن "صندوق الاستثمارات العامة" نهاية أبريل الماضي، ضخ 5 مليارات دولار في منصة استثمارية متعددة الأصول ستؤسسها شركة "بلاك روك السعودية"، وهي الشركة المحلية التابعة لمؤسسة إدارة الأصول العالمية "بلاك روك".

وتهدف المنصة إلى تعزيز تطور أسواق المال في المملكة، وتنمية بيئة الأعمال ضمنها، وتمكين نمو قطاع إدارة الأصول الدولية في السعودية، كما يعتزم الصندوق جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والدولية إلى المنصة.

عامل آخر استندت عليه "إس آند بي غلوبال" ليلعب دوراً في تخفيف الضغط على أصول الدولة، يتمثل في إمكانية توجه الحكومة إلى مد جداول إتمام بعض المشاريع لما بعد عام الرؤية أو خفض حجمها.

مستويات مستدامة للدين

كان وزير المالية السعودي محمد الجدعان أوضح تصورات الحكومة بالنسبة للدين، في مقابلة مع صحيفة "الاقتصادية" الأسبوع الماضي، أكد فيها أن المملكة ستواصل الإنفاق الاستراتيجي على برامج "رؤية 2030" والمشاريع الكبرى ذات العائد الاقتصادي المستدام، إضافة إلى زيادة الصرف على البنية التحتية والخدمات العامة.

وزير المالية شدد على أن إدارة العجز "إحدى أهم أولوياتنا"، مشيراً إلى "أننا نتعامل مع عجز مقصود وبنسب مستدامة ولأهداف تنمية اقتصادية، وليس عجزاً إجبارياً كما هو الحال في بعض الدول التي تضطر للاستدانة لتلبية نفقات أساسية قد لا تكون منتجة".

سجلت الميزانية في الربع الأول من السنة الجارية سادس عجز على التوالي بقيمة 12.4 مليار ريال. وبلغت قيمة الإنفاق الاستثماري في الربع الأول من السنة 34.5 مليار ريال بارتفاع نسبته 33% على أساس سنوي.

الجدعان أوضح أن الحكومة اختارت أن تنفق بشكل أكبر لتسريع تنفيذ الاستراتيجيات والمشاريع، وبالتالي لا مشكلة لديها مع وجود "عجز ممول من خلال الدين"، طالما أن "العجز يذهب إلى مصاريف إنتاجية"، و"يوجه لأنشطة اقتصادية من شأنها أن تخلق عائداً اقتصادياً يفوق تكلفة الدين".

الوزير أضاف أن المملكة لديها احتياطيات حكومية، وتستهدف الاستمرار في المحافظة على الحيز المالي، بما "يمكنها من مواجهة الصدمات المالية والاقتصادية من خلال المحافظة على مستويات آمنة من الاحتياطيات الحكومية، ومستويات مستدامة للدين العام".