تعويضات العاملين تدفع رئيس الأرجنتين لمحاولة تغيير قانون العمل

قضية موظف أرجنتيني سابق في "سيتي بنك" في نيويورك تدفع خافيير ميلي للسعي لتغيير قوانين تعيين الموظفين في الأرجنتين

متظاهرون في مسيرة يوم العمال العالمي في بوينس آيرس في 1 مايو
متظاهرون في مسيرة يوم العمال العالمي في بوينس آيرس في 1 مايو المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

قد يتلقى موظف كان يعمل لدى "سيتي بنك" في نيويورك مقابل 130 ألف دولار في السنة تعويض نهاية خدمة قدره 10 ملايين دولار، بفضل قوانين الأرجنتين المنحازة للعمال.

هذه القضية، التي شقت طريقها في المحاكم على مدى أكثر من عقد، تبيّن أسباب سعي رئيس الأرجنتين خافيير ميلي لتغيير القوانين الخاصة بتعيين الموظفين وفصلهم، رغم أن بلاده تتصدى لتضخم يبلغ 290% في السنة وركود مستحكم.

تواجه مقترحات ميلي، المتضمنة مشروع قانون متعدد المواضيع من 230 مادة، أشد اختبار لها في مجلس الشيوخ هذا الشهر بعدما أقرها مجلس النواب في أواخر أبريل. في تلك الأثناء، احتشدت النقابات لإبداء معارضتها للتغييرات، وفي 9 مايو، شلّت تلك النقابات البلاد في إضراب عام استمر 24 ساعةً، وهو الثاني من نوعه منذ تولّى ميلي الرئاسة في ديسمبر.

رئيس الأرجنتين خافيير ميلي
رئيس الأرجنتين خافيير ميلي المصدر: بلومبرغ

دور النقابات العمالية

احتلت الأرجنتين المرتبة 139 من بين 141 دولة من حيث ممارسات تعيين الموظفين وفصلهم حسب تصنيفات المنتدى الاقتصادي العالمي، ويعكس هذا تكاليف إنهاء الخدمة الباهظة وارتفاع الضرائب على التعيينات. يحفظ الدستور حقوق العمال، كما أن الموظفين المتضررين لا يترددون في السعي لتعويضات عبر المحاكم، حيث يُرجّح أن يجدوا تعاطفاً من القضاة.

تشير الظروف الراهنة إلى الدور الهائل الذي لعبته النقابات العمالية في السياسة بالأرجنتين منذ عهد خوان دومينغو بيرون، قائد الجيش الذي استغل شكاوى العمال وسخطهم ليبلغ سدة الرئاسة. ما تزال النقابات العمالية مركزاً لدعم أنصار بيرون الذين حكموا البلاد خلال أغلب العقود السبعة الماضية.

صندوق النقد يصرف دفعة جديدة بـ4.7 مليار دولار لدعم الأرجنتين

قال داريو جودزيك، عميد كلية الحكومة بجامعة توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس: "طال انتظار تحسين قوانين العمل هنا، فهي صارمة وقد عفا عليها الزمن". رغم ذلك، ثمّة فرصة جيدة أن تؤدي بعض التغييرات التي يسعى ميلي لإقرارها إلى قفزة في التسريحات في ظل الوضع الاقتصادي المتعثر على المدى القريب على الأقل.

إن أليخاندرو دي نيفاريس في وضع يسمح له بأن يتلقى مكاسب هائلة بموجب النظام القائم. على مدى حياته المهنية لأكثر من 16 عاماً في "سيتي بنك"، تدرّج المصرفي الأرجنتيني في وظيفته من قسم قروض السيارات في بوينس آيرس حتى تولى منصب رئيس المبيعات المؤسسية لأميركا اللاتينية في نيويورك.

أنهى المصرف تعاقده مع دي نيفاريس في 2007 لأسباب مجهولة حتى الآن، وعرض عليه مكافأة نهاية الخدمة توازي راتب 14 شهراً تقريباً. رفض دي نيفاريس ذلك العرض، ولجأ لرفع دعوى قضائية ضد "سيتي بنك" في الأرجنتين، رغم أنه تنازل عن حقه في اتخاذ ذلك الإجراء سابقاً، وفقاً لما نقلته خدمة "بلومبرغ لاو".

مكافأة نهاية الخدمة

بموجب قوانين الأرجنتين، يمكن أن تُحتسب خيارات الأسهم والمكافآت ضمن تعويض نهاية الخدمة. لذا برغم أن أعلى راتب شهري تلقاه دي نيفاريس في "سيتي بنك" كان أقل من 11 ألف دولار، حكم قاضٍ في 2009 بأن إجمالي أجره كان يفوق 68 ألف دولار شهرياً. كما حكمت المحكمة بأن عقد العمل الخاص بالمصرفي لم يكن مسجلاً بشكل سليم، وهو ما يضاعف تلقائياً حجم تعويض نهاية الخدمة.

راديكالية ميلي الغاضبة ليست ما تحتاجه الأرجنتين الآن

وجد "سيتي بنك" فجأة أنه مُطالب بدفع 3.9 مليون دولار، وقد تضخم ذلك المبلغ لأكثر من عشرة ملايين دولار منذ ذلك الحين بسبب احتساب القاضي لفائدة قدرها 6%. سعت الشركة لأن تنقل القضية إلى الولايات المتحدة، لكن حين أخفقت في ذلك، واصلت معركتها مع دي نيفاريس في الأرجنتين. تنظر المحكمة العليا في البلاد حالياً في القضية، ولم يُحدد تاريخ للحكم.

رفض كل من دي نيفاريس ومحاميه خوان مانويل آرياس التعليق على القضية، وكذلك فعلت متحدثة باسم "سيتي غروب"، مالكة "سيتي بنك".

سعى ميلي، السياسي التحرري الذي تعهد بأن يجعل الأرجنتين أكثر دعماً لأنشطة الأعمال، في البداية لإحداث تغييرات لقواعد تعويضات نهاية الخدمة وغيرها من قوانين العمل كجزء من مرسوم ضخم شامل تضمن تدابير من شأنها تحرير الاقتصاد. لكن لجنة من ثلاثة قضاة أصدرت حكماً في دعوى قضائية رفعها اتحاد النقابات الرئيسي بالبلاد بتعليق بنود المرسوم، بعدما خلصت إلى أن الرئيس قد تجاوز حدود سلطته.

معركة تشريعية

وافق مجلس النواب على حزمة مخففة إلى حد ما من تغييرات قوانين العمل في 30 أبريل بفضل أصوات الاتحاد المدني الراديكالي الوسطي، الذي دمج مقترحاته مع مقترحات الإدارة. لكن المعركة الحقيقية ستكون في مجلس الشيوخ حيث لا يشغل حزب ميلي، الذي تأسس قبل عامين، إلا سبعةً من 72 مقعداً.

هل يخرج ميلي الأرجنتين من المسار المحفوف بعدم اليقين؟

رغم أن التوظيف في الأرجنتين مرهون برغبة المشغّل، ما يعني أن الشركات قادرة على إنهاء عقودها مع الموظفين في أي وقت ولأي سبب، شريطة أن تقدم لهم إخطاراً مسبقاً ملائماً وأن تدفع تعويض نهاية الخدمة الإلزامي، هنالك كثير من التفاصيل الدقيقة للإيقاع بالشركات. على سبيل المثال، تواجه أي شركة غرامة تلقائية إذا لم تقدم إخطاراً مسبقاً مدته 60 يوماً لموظف تفوق فترة عمله في الشركة أكثر من خمس سنوات.

يحاجج الاقتصاديون منذ فترة طويلة بأن قانون العمل في الأرجنتين يُرجِّح كفة العاملين بقوة لدرجة أنه يشجع الشركات على أن تدفع رواتب موظفيها بصورة غير قانونية. إن نحو 80% من الوظائف الجديدة في البلاد منذ منتصف 2020 غير موثقة، وهو نمط توظيف آخذ بالاتساع، مقارنة مع 65% في المكسيك و49% في البرازيل، وفقاً لتقرير سنوي لعام 2023 أصدرته منظمة العمل الدولية.

أشار دييغو كيلي، الشريك في أكبر شركات المحاماة بالأرجنتين "مارفال أوفاريل مايرال" (Marval O’Farrell Mairal)، إلى العقوبات التي تتكبدها الشركات حين يتبين أنها سجلت عقوداً بشكل غير سليم كعقبة رئيسية أمام التوظيف. قال كيلي: "بدلاً من تشجيع التسجيل، ابتكروا العديد من الأدوات لتحفيز اللجوء للقضاء لأن الغرامات باهظة جداً". يُعتبر ذلك أحد أهداف إصلاحات ميلي. التي لن تأثر على قضية دي نيفاريس.

تدابير جديدة

سيستفيد أصحاب الأعمال وكذلك الموظفون من قانون يتيح للشركات أن تؤسس صندوقاً خاصاً بتعويضات نهاية الخدمة، وهو عبارة عن أموال يمكن للموظف أن يستفيد منها إما خلال فترة عمله أو بعد إنهاء خدمته. قال خبراء العمل إن التكاليف الإضافية التي ستتكبدها الشركات ستستحق العناء، إن كان ذلك يعني أنه يمكن التنبؤ بتكاليف إنهاء الخدمة، وأنه لا يمكن الاحتكام إلى القضاء في ما يخص حجم المكافآت.

رئيس الأرجنتين الجديد: سنطبق العلاج بالصدمة لتحقيق الانضباط المالي

حاجج مسؤولو النقابات بأن الشركات ستستفيد من التغييرات في قوانين العمل لخفض الرواتب، وذلك في ضوء الركود الذي تشهده البلاد. تكشف استبيانات الشركات في قطاعي البناء والتصنيع أن نسبة أكبر من الشركات تتوقع خفض عدد موظفيها هذا العام بدلاً من توسيعها.

من ضمن القواعد التي يعمل ميلي وحلفاؤه على إرسائها إجراء من شأنه أن يسمح للشركات التي تُعيّن خمسة موظفين أو أقل أن تمد فترة اختبار الموظفين الجدد من ثلاثة أشهر إلى عام. سيتعين على العاملين في الفنادق والمطاعم وغيرهما من القطاعات الموسمية أن ينتظروا لمدة تصل إلى ثمانية أشهر قبل تثبيتهم، ما قد يعرضهم للاستغناء عنهم تكراراً.

في شهادته أمام لجنة فرعية بمجلس الشيوخ هذا الشهر، انتقد هكتور داير، رئيس الاتحاد العام للعمال، وهو أكبر منظمة عمالية في البلاد، المقترحات، إذ قال: "لسنا ندفع العمال نحو العقود غير الموثقة فحسب، بل نؤسس مظلة قانونية لهذه التعاقدات".