هل تسمح الدول للحاصلين على لقاح "كورونا" بممارسة حياتهم الطبيعية؟

من الصواب أن تحصل بعض الفئات المعرضة للخطر على اللقاح مثل الأطباء وكبار السن.. ولكن هل من العدالة أن يستمتعوا بالمزايا التي يفتقدها الآخرون؟
من الصواب أن تحصل بعض الفئات المعرضة للخطر على اللقاح مثل الأطباء وكبار السن.. ولكن هل من العدالة أن يستمتعوا بالمزايا التي يفتقدها الآخرون؟ المصدر: Hulton Archive
Ferdinando Giugliano
Ferdinando Giugliano

Ferdinando Giugliano writes columns on European economics for Bloomberg Opinion. He is also an economics columnist for La Repubblica and was a member of the editorial board of the Financial Times

تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

مع تسارع حملات التطعيم بوتيرة متباينة في جميع أنحاء العالم، تواجه جميع الحكومات نفس المعضلة الأخلاقية: كيفية معاملة الأشخاص الذين حصلوا على برنامج التحصين الخاص بهم، دون غيرهم من باقي المواطنين.

ويتزايد الضغط لينال أولئك الأشخاص الحاصلون على التطعيم من فيروس كورونا، حرياتهم الشخصية والاجتماعية بشكل كامل، والسماح لهم بالمساهمة الكاملة في الانتعاش الاقتصادي. لكن من غير الحكمة بالنسبة للدول تمييز فئة من المواطنين عن البقية، على أساس نيل التطعيم ضد الفيروس.

ويتعين على الشخص، الحصول على جرعتين، من اللقاحات التي تمت الموافقة عليها، لتكون ذات جدوى وفعالية.

وتلقى ما لا يقل عن 19 مليون شخص على مستوى العالم كلا الجرعتين، أكثر من نصفهم في الولايات المتحدة، و5.3 مليون في الاتحاد الأوروبي، و2.2 مليون في إسرائيل.

ونسبة الحاصلين على التطعيم ضد كورونا ضئيلة في ضوء أن عدد سكان العالم أقل بقليلٍ من 8 مليارات نسمة.

وفي ظل زيادة عدد اللقاحات المختلفة، ونمو إنتاج شركات الأدوية، سيتزايد عدد الأشخاص الحاصلين على التطعيمات سريعاً.

موقف توزيع اللقاح في دول العالم
موقف توزيع اللقاح في دول العالم المصدر: بلومبرغ

شهادة سفر للحاصلين على اللقاح

ويتزايد النقاش حول ما يجب فعله بحق الأقلية المحظوظة التي حصلت على التطعيم ضد كورونا.

فمن جانبه، يريد كيرياكوس ميتسوتاكيس، رئيس الوزراء اليوناني، أن يتبنى الاتحاد الأوروبي شهادة تطعيم مشتركة تكشف الشخص الذي يحق له السفر بشكل آمن، دون إلحاق الضرر بالآخرين، وذلك في المقام الأول لإنقاذ بلاده التي تعتمد على السياحة، من أن

تواجه صيفاً صعباً جديداً.

واتفقت اليونان وإسرائيل بالفعل على السماح للأشخاص الحاصلين على التلقيح (الملقحين) بالتنقل بحرية بين البلدين لدى استئناف رحلات السفر. لكن السفر هو مجرد مثال لما قد يرغب المواطنون الحاصلون على التطعيم في ممارسته.

لماذا لا يتم السماح للأشخاص الملقحين أن يتناولوا الوجبات في المطاعم ويحضرون الحفلات ويتوقفون عن ارتداء الكمامة؟.

هل يحصل "الملقحون" على معاملة تفضيلية؟

وهناك أمران يدعمان حالة المعاملة التفضيلية للأشخاص الملقحين:

الأول، نزعت الحكومات العديد من الحريات الدستورية من مواطنيها في إطار محاولتها الحد من انتشار العدوى وإنقاذ الأرواح وتجنب تكدس المرضى في المستشفيات.

وبمجرد ألا يصبح شخص ما معرضا لخطر الإصابة بمرض كوفيد-19، يصعب إجباره على البقاء في المنزل.

الأمر الثاني، ستكون عودة نسبة صغيرة ومتزايدة من السكان إلى الأنشطة العادية بمثابة نعمة للشركات التي عانت بسبب عمليات الإغلاق والتباعد الاجتماعي.

وتسري البهجة في أرجاء نفوس أصحاب المطاعم التي تستضيف الأطباء والممرضات وأصحاب المعاشات الأثرياء الذين جرى منحهم الأولوية في برامج التطعيم.

ومع ذلك، فإن تمييز فئة من المواطنين عن بقية المجتمع بموجب الحصول على التطعيم سيتعارض مع الاعتبارات الطبية والأخلاقية.

وبالنسبة للمبتدئين، ما زلنا نعرف القليل عن المدى الذي يمكن أن يوقفه كل لقاح أو يحد من نشر العدوى بين الناس.

وهناك دلائل مبشرة، خاصة من الجرعات التي تَستخدم تقنية الحمض النووي الريبوزي - لكننا نحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل تخفيف قواعد التباعد الاجتماعي.

ويساهم السماح للأفراد المصابين بالعدوى بالتجول، في ظل شعور زائف بالأمان، في انتقال الإصابة بالفيروس.

حتى لو اكتشفنا أن الأفراد الملقحين لا يمكنهم نشر العدوى بـ "كوفيد-19"، فهناك حجج أخلاقية قوية ضد الحرية غير المقيدة.

ويواجه توزيع اللقاحات في الوقت الحالي قيوداً شديدة، إذ يقرر السياسيون وخبراء الصحة العامة كيفية تخصيص الجرعات النادرة من اللقاحات.

وماذا عن العدالة؟

في حين أنه من الصواب أن تحصل بعض الفئات المعرضة للخطر مثل العاملين الطبيين في الخطوط الأمامية لمواجهة الفيروس وكبار السن، على الجرعات أولا، فلن يتسم الأمر بالعدالة، أن يستمتعوا بالمزايا التي يفتقدها الآخرون. ومن شأن السماح بحصول الأفراد الملقحين على الاستفادة من مزايا دون غيرهم، أن يثير توترات في المجتمع ويمهد الطريق لنشوب مناوشات عنيفة للحصول على اللقاحات، داخل البلدان وفيما بينها.

ويتعين على الحكومات أن تنتظر على الأقل لحين توافر اللقاحات على نطاق واسع قبل إقرار الحرية الانتقائية، بالنسبة للأشخاص الحاصلين عن التلقيح مقارنة بغيرهم.

وحتى في هذه الحالة، قد يكون من الصعب تطبيق مثل هذه القواعد بشكل قانوني، خاصة وأن بعض الأفراد قد لا يتمكنون من تلقي لقاح لأسباب طبية.

ولا تتعلق بالدولة فقط مسألة كيفية معاملة الأشخاص الحاصلين على التلقيح. هل سيكون بمقدور أصحاب العمل فصل الموظفين الذين يرفضون تلقي اللقاح؟ وهل يجب السماح لأصحاب المطاعم بالتمييز ضد المشككين في جدوى اللقاح الذين ليس لديهم شهادة تطعيم، بنفس الطريقة التي يمكنهم بها منع شخص ما من حمل سلاح؟. في حين أننا قد نقدر الحرية الشخصية بشكل كبير، إلا أن هناك سياقات يمكن فيها للمرء أن يناقش التطعيم الإجباري، خاصة إذا علمنا أن اللقاح يمكن أن يحد من انتقال العدوى. عند إمعان التفكير، على سبيل المثال، بالنسبة لعمال الرعاية المنزلية

(ربات المنازل).

وبغض النظر، من غير الأخلاقي البدء في إعادة فتح الاقتصادات عبر تمييز فئة من المواطنين. قد يكون من المفيد للشركات توافد جيل الطفرة السكانية السعداء إلى الشواطئ ومباريات كرة القدم والمقاهي، لكن العدالة بين الأجيال تلوح في الأفق بشكل كبير في هذا النقاش: يتعين على "الجيل زد" الذي يلي جيل الألفية، قبول القيود للحفاظ على كبار السن بصحة جيدة، على الرغم من أن مخاطر كوفيد ضئيلة بالنسبة للأشخاص

الأصغر سنا. ويقع العبء الاقتصادي لدفع ثمن الوباء بشكل رئيسي على عاتق الشباب على مدى سنوات عديدة.

ومن الأفضل التركيز على برنامج التطعيم السريع، حتى يتمكن الجميع من حضور حفل إعادة الافتتاح النهائي للدول وإعادة تشغيل الاقتصادات بشكل كامل.