اقتصاد مصر على أعتاب فصل جديد وسط تحديات غير مسبوقة

الإجراءات الأخيرة تعيد هيكلة أشمل للاقتصاد المثقل بالديون.. ومكافحة التضخم الهدف الرئيسي

time reading iconدقائق القراءة - 34
المصدر:الشرق

تقف مصر على أعتاب فصل جديد في تاريخها الاقتصادي، فوسط تحديات اقتصادية غير مسبوقة تمر بها البلاد، جاءت صفقة "رأس الحكمة" مع الإمارات، وما تبعها من إجراءات جريئة من رفع معدلات الفائدة 6% وتعويم سعر صرف العملة، لتمثل أكثر من مجرد تحولات اقتصادية، بل تعكس التزاماً بإعادة هيكلة أشمل للاقتصاد المصري.

القرارات الأخيرة وصفتها مؤسسات مالية مصرية بأنها مجرد بداية لسياسات تسعى لتحسين الوضع الاقتصادي الكلي وجذب الاستثمارات الأجنبية، لكنها تفرض في المقابل تحديات تثير جدلاً في وقعها على الحياة اليومية للمواطن المصري.

قناة "الشرق" رصدت في حلقة خاصة تحت عنوان "اقتصاد مصر.. الفصل الجديد" التطورات الأخيرة في الاقتصاد المصري، خلال الفترة الماضية، عبر استطلاع آراء عدد من المسؤولين والمستثمرين والمحللين.

تحرير سعر الصرف

وصف أسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق، الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخراً بأنها قد تكون مؤلمة، لكنها في نفس الوقت صحية للاقتصاد المصري، متوقعاً أن يظهر تأثيرها عبر تحسن الظروف الاقتصادية خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر.

وتوقع كمال أن يترك سعر الصرف الجديد أثراً على الموازنة العامة للدولة يتراوح ما بين 13 إلى 15 مليار جنيه.

سمح البنك المركزي المصري بتخفيض سعر صرف الجنيه لأول مرة منذ أكثر من 14 شهراً مقابل الدولار الأميركي، عقب الخطوة المفاجئة برفع أسعار الفائدة بنحو 600 نقطة أساس يوم الأربعاء الماضي في اجتماع استثنائي.

ويعد التراجع القياسي لسعر العملة المحلية في مصر، الأحدث منذ يناير 2023، وكان "المركزي" سمح بتخفيض قيمة الجنيه ثلاث مرات منذ أوائل عام 2022، مما أدى إلى خسارة نصف قيمته مقابل الدولار.

"القضاء على السوق الموازية"

من جانبه، قال محمد حنفي، مدير عام غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات المصرية، إن تأثير تحرير سعر الصرف انعكس بشكل فوري على أسعار الحديد والألمنيوم والتي انخفضت بنحو 13% و6% على التوالي، مشيراً إلى أنها خطوة هامة للقطاع.

أما كمال الدسوقي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، رأى أن الجميع كان يطالب بهذا الإجراء منذ فترة، مشيراً إلى أنه الحل للقضاء على السوق الموازية وتوفر العملة الأجنبية لدى البنوك.

في 6 مارس الجاري، وجه البنك المركزي، البنوك، بتدبير العملات الأجنبية لكافة طلبات الاستيراد، بهدف ضبط سوق الصرف، وفق وثيقة أطلعت عليها "الشرق". وتشير الوثيقة إلى اتخاذ المركزي إجراءات صارمة مع العملاء الممتنعين عن تنفيذ طلبات الاستيراد وفق سعر الصرف الجديد، إذ طالب البنوك بـ"حذف طلبات التدبير (العملة الأجنبية) التي امتنع العملاء عن تنفيذها وفق سعر صرف اليوم الأربعاء".

محاربة التضخم

سيكون كبح التضخم على رأس الأولويات في الفترة المقبلة، خاصة وأن بيانات فبراير، وهو الشهر السابق لقراري خفض الجنيه ورفع الفائدة، أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 35.7% على أساس سنوي، وذلك للمرة الأولى منذ 4 أشهر، وبأعلى من التوقعات.

هشام عز العرب، رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي، قال إن المهمة الأساسية حالياً هي التركيز على محاربة التضخم، وأرجع سببه الرئيسي إلى عجز الموازنة العامة للدولة، والذي يتطلب تمويله طباعة النقود، وهو ما يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي.

وأوضح عز العرب أن الإيرادات بالجنيه المصري من بيع الأصول يجب استخدامها لإغلاق الفجوة في حساب السحب على المكشوف من البنك المركزي.

تترقب مصر الحصول على نحو 5 إلى 6 مليارات دولار (246 إلى 296 مليار جنيه مصري)، كتمويلات من الاتحاد الأوروبي خلال الفترة القليلة المقبلة، بحسب وزير المالية المصري محمد معيط في مقابلة مع "الشرق" أمس، والذي كشف في وقت سابق أيضاً، عن ترقب الحصول على 3 مليارات دولار جديدة من البنك الدولي، ضمن حزمة إجمالية بقيمة 20 مليار دولار من عدّة شركاء دوليين.

رفع الفائدة ضروري لكنه "مؤلم"

أما نشوى صالح أستاذة مشاركة للتمويل وعلوم التكنولوجيا المالية في جامعة "كينغستون لندن"، فقد رأت أن خطوة رفع الفائدة ضرورية لكنها قد تكون مؤلمة، لاسيما للشركات الصغيرة والمتوسطة، وقد تؤدي إلى خروج بعض الشركات من السوق، مشيرة إلى أنه لو تمّ تنفيذ جميع الإصلاحات سنرى عودة لتأسيس شركات جديدة، أما في حال التلكؤ بتنفيذ الإصلاحات فقد نعود إلى الوضع عينه بعد 5 إلى 7 سنوات.

عرقلة نمو الشركات

أما وليد جمال الدين، رئيس المجلس التصديري لمواد البناء، فاعتبر أن رفع الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس سيصعب الاقتراض على الشركات، وسيعرقل قدرتها على النمو. في حين أن ترك العملة لآلية العرض والطلب قرار إيجابي ويمكن الاستفادة منه بشكل كبير لمناخ الاستثمار. فقبل التعويم، كان من الصعب استيراد أي مستلزمات مستوردة لعدم توفر الدولار، لكن الآن أصبحت العملة الصعبة متاحة.

من جانبه، نوه علي عوف، رئيس شعبة الأدوية في اتحاد الغرف التجارية، بأنه أصبح بالإمكان الحصول على الدولار من البنك بالسعر الرسمي دون الانتظار، ما يدعم الصناعة ويسرع إنتاج الدواء.

أسواق المال

بعد رفع الفائدة والتعويم وصفقة رأس الحكمة والاتفاق مع صندوق النقد، يترقب الاقتصاد المصري عودة محتملة للأموال الساخنة للاستثمار في الأذون والسندات الحكومية.

محمد زيدان، المحلل المالي في "الشرق"، اعتبر أن "ردة فعل الأسواق المالية كانت إيجابية على الخطوات المتخذة، حيث انخفض العائد على سندات مصر الدولارية، مع عودة شهية المستثمرين الأجانب والمحليين. كما أن تكلفة التأمين ضد التعثر في مسار هابط".

أضاف زيدان: "البورصة المصرية بدورها تلقت هذه التطورات بإيجابية، حيث اخترق مؤشر (إيجي إكس 30) مستويات محورية"، لافتاً إلى أن الآفاق إيجابية لنمو أرباح الشركات المصرية للعامين الحالي والمقبل، لاسيما العاملة في العقارات والتجزئة.

وكانت موديز على رأس مؤسسات التصنيف الائتماني الكبرى التي سارعت بتعديل تقييمها للاقتصاد المصري، حيث أشارت في تقريرها الأخير إلى أن الإجراءات التي اُتخذت الأسبوع الماضي في مصر "ستدعم إعادة التوازن للاقتصاد الكلي حال استمرارها". فيما عدّلت نظرتها المستقبلية لتصنيف الديون الحكومية إلى "إيجابية" من "سلبية"، كما أكدت تصنيف إصدارات البلاد بالعملات الأجنبية والمحلية على المدى الطويل عند "Caa1".

راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لإدارة المحافظ المالية، قالت إن ارتفاع السيولة في أسواق الأسهم ناتجة عن استعادة ثقة السوق بعد صفقة "رأس الحكمة" واتفاق صندوق النقد، مشيرةً إلى أن الحالة الإيجابية للبورصة المصرية ستستمر في الفترة القادمة في حال تم استكمال مسار بقية الإصلاحات.

ومن جانبه قال محمد ماهر، رئيس الجمعية المصرية للأوراق المالية، "رغم أن رفع سعر الفائدة عادة ما يكون سلبياً لأسواق المال، إلا أننا رأينا قفزة قوية في السوق، وخاصة بأسهم البنوك والقطاع العقاري المستفيد من صفقة رأس الحكمة"، مضيفاً أن ارتفاع السندات المصرية يعكس عودة الثقة.

الاستثمار الأجنبي

فتحت صفقة "رأس الحكمة" باب التوقعات بشأن إمكانية حدوث المزيد من الاتفاقات المماثلة، وفي هذا السياق نقلت "بلومبرغ" عن مصادر لم تسمّها قولها إن محادثات غير معلنة تجري بين السلطات المصرية والسعودية بشأن حقوق تطوير منطقة ساحلية شمال البحر الأحمر معروفة باسم "رأس جميلة"، تطل على شرم الشيخ من جهة ومشروع "نيوم" من الجهة الثانية.

ويرى بيتر دو بريز، الخبير الاقتصادي الأول في "أكسفورد إكونوميكس أفريكا"، أن تلك التدفقات النقدية الأجنبية من شأنها أن تكون داعمة للاقتصاد المصري في المديين المتوسط والقصير، كما أنها ستمكن الحكومة من تسديد التزاماتها للفترة من 3 إلى 5 سنوات القادمة.

وتابع أنه لضمان استمرار تدفق الاستثمارات، فإنه يتعين على الحكومة الالتزام بسعر صرف مرن للجنيه، حيث إنه من شأنه أن يوفر احتياطياً أجنبياً كافياً لدى البنك المركزي، كما يُعد الاقتصاد لامتصاص الصدمات المستقبلية.

وقالت علياء مبيض، كبيرة الاقتصاديين للشرق الأوسط في "جيفيريز"، إن الجيد في تدفقات العملة الأجنبية من صفقة "رأس الحكمة" هي أنها تدفقات استثمار مباشر وليست ديوناً، وبالتالي فإنها لن تفيد فقط في زيادة السيولة، لكنها أيضاً ستزيل 11 مليار دولار من ديون البنك المركزي.

أضافت مبيض أن على الحكومة مواصلة مزيد من الخطوات عبر تقليص مشاريع البنية التحتية الكبرى والانضباط المالي للحكومة وإفساح المجال للقطاع الخاص. وتابعت أن خفض حجم الديون وتمديد آجال بعضها وإعادة شراء بعض السندات الخارجية، من شأنه أن يحسن كلفة الاقتراض لمصر وبالتالي تصنيفها الائتماني.

تصنيفات

قصص قد تهمك