قيمة الزمن بين تاج رولكس وترف ساعات الأولين

من أين تستمد الساعات قيمتها؟ وكيف تحولت إلى أدوات استثمار تظهر أخبارها في صفحات الاقتصاد أكثر من صفحات الموضة؟

time reading iconدقائق القراءة - 27
الملكة إليزابيث الثانية مرتدية ساعة \"جيجر لوكولتر\" (Jaeger-LeCoultre) النحيلة حول معصمها الأيسر، خلال تتويجيها في 2 يونيو 1953 في دير وستمنستر، لندن، المملكة المتحدة - المصدر: غيتي إيمجز
الملكة إليزابيث الثانية مرتدية ساعة "جيجر لوكولتر" (Jaeger-LeCoultre) النحيلة حول معصمها الأيسر، خلال تتويجيها في 2 يونيو 1953 في دير وستمنستر، لندن، المملكة المتحدة - المصدر: غيتي إيمجز
المصدر:

الشرق

أسير بين جنبات معرض أسبوع دبي للساعات، متأملاً الأنواع المذهلة في نوافذ العرض، وتلك التي لا تقل إذهالاً على معاصم الزوار. أتناقش مع بائع مصري لطيف في مزايا ساعة جديدة من "بوخرير"، دار المجوهرات السويسرية الشهيرة التي اشترتها "رولكس" مؤخراً. أخبره صراحة أنني لن أشتري الساعة التي يزيد ثمنها عن 40 ألف دولار، لكنه يتكاتف معي تكاتف المصريين في الغربة، ويخرج لي موديلات يختارها بعناية، ويدعوني لتفحص مجموعته وتجربتها على معصمي.

أسترق السمع لرجل خلفي ينظر إلى ساعة باهرة البريق في واجهة "جاكوب آند كو" (Jacob & Co)، وهي علامة شهيرة بإفراطها في استخدام الأحجار الكريمة. يقول الرجل لصاحبه إنه يفكر في تبديل الزمرد الأحمر في منتصفها، بياقوت أبيض. أتدخل في الحديث وأهنئه على حسن ذوقه. أسأله إن كان هذا التفضيل سيكلفه الكثير، فيقدر أن التعديل سيتطلب 6 أشهر من الانتظار و30 ألف دولار إضافية، ليرفع سعر الساعة إلى قرابة 130 ألف دولار.

ترف الزمن

أحسب أن تلك الأمتار المربعة القليلة للمعرض الذي يقام في دبي كل عامين منذ 2015، هي أكثر بقاع الأرض كثافة من حيث عدد الساعات ذات الأسعار الجنونية. هنا في دبي، يتجول الأثرياء بساعات سعرها مجتمعة مئات الملايين من الدولارات في أمان تام. في المدن الكبرى الأخرى، من لندن إلى نيويورك، ترتفع كلفة عقود التأمين على الساعات الفاخرة، بسبب العصابات المتخصصة في سرقتها، التي يزداد نشاطها سنة بعد سنة.

أتطلع إلى أروقة المعرض وأزعم أني أستطيع الحكم على مستوى خبرة ومعرفة كل زائر. المبتدئون والقادمون بدافع الفضول يتوقفون فقط أمام الساعات المكسوة بالألماس والذهب والمجوهرات، والتي يسهل تبرير أسعارها المرتفعة. ذوو الخبرة يتوقفون طويلاً أمام ساعات بعضها مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ (الستانليس ستيل)، لكنهم يعرفون جيداً أن سعرها أضعاف جارتها البرّاقة. والبعض يتحدث بلغة الأرقام والأسواق. يناقشون احتمالات احتفاظ الساعة بقيمتها، وسهولة بيعها في المستقبل، ومدى الإقبال التاريخي عليها، أكثر من اهتمامهم بالتصميم والألوان.

الساعة التي أعجبتني من "بوخرير" مزودة بما يسمى "التقويم الدائم"، أي أن حركتها الميكانيكية الداخلية، ودون أى إلكترونيات، قادرة على تتبع اليوم والشهر والسنة لعشرات الأعوام في المستقبل. وهي تضع في الحسبان السنوات الكبيسة، فتعد فبراير 29 يوماً في عامنا الحالي، وستعده 28 يوماً في العام القادم، دون خطأ أو تدخل. تحتوي الساعة أيضاً عجلة جميلة التصميم، تتابع مراحل اكتمال القمر في السماء، من المحاق إلى البدر. لكن كل ذلك لا يبرر حقيقة ارتفاع سعرها، ولا الساعات الأخرى. أي تطبيق مجاني على أرخص هاتف ذكي قادر على ما هو أعقد وأدق.

من أين تستمد الساعات قيمتها إذاً؟ وكيف تحولت إلى أدوات استثمارية تظهر أخبارها في صفحات الاقتصاد أكثر من صفحات الموضة؟

سيرة الأولين

على معصم أحد زوار المعرض، أرى الوجه الأبيض والعقارب الزرقاء الأيقونية لأشهر موديل من ساعات "بريجيه" (Breuguet) وهي نوع الساعات المفضل لنابليون بونابرت. قبل أن يغزو الرجل بلادي مصر عام 1798، اشترى 3 ساعات من المبتكر السويسري العبقري أنطوان بريجيه، كي يعرف الوقت خلال ترحاله، وليدلل كذلك على ذوقه الرفيع في فترة صعود نجمه بين رجال الدولة في فرنسا وأوروبا. صمم بريجيه لاحقاً ساعة يمكن لملكة نابولي لفّها على معصمها، بدلاً من حملها في الجيب، وهو الابتكار الذي يؤكد بعض المؤرخين أنه أول ساعة يد على الإطلاق. حافظت بريجيه على استمراريتها حتى اليوم، إذ استحوذت عليها عملاقة الساعات السويسرية "سواتش" (Swatch) في تسعينيات القرن الماضي.

وأرى بالمعرض جناحاً مذهلاً لساعات "باتيك فيليب" (Patek Philip)، التي تحمل اسم صانع الساعات السويسري الفذ الذي ينسب له بعض المؤرخين ابتكار أول ساعة يد، وينفونه عن بريجيه. للعلامة تاريخ طويل من الابتكار، وقد سجلت باسمها أول براءة اختراع لآلية "التقويم الدائم" التي أحبها عام 1889. وطالما أحب أعضاء الأسر المالكة فخامة "باتيك"، من ألكسندر الثاني قيصر روسيا، إلى ديانا أميرة ويلز، مرورًا بالملك فاروق في مصر.

إذاً، قد يفسر التراث قيمة الساعات ذات العلامات العتيقة. ألا تتباهى كل علامة بتاريخها وأسماء من اقتنوها؟ حين تُوجت الملكة إليزابيث الثانية على عرش إنجلترا، كانت ترتدي على معصمها "جيجر لوكولتر" (Jaeger-LeCoultre)، وحين طارت آميليا هارت فوق المحيط الأطلنطي، وهي أول امرأة تحقق هذا الإنجاز، كانت ترتدي "لونجينز" (Longines)، وحين صعد نيل آرمسترونغ إلى القمر، كان يرتدي "أوميجا" (Omega)، وحين اخترع أبونهايمر القنبلة النووية كان يرتدي "هاميلتون" (Hamilton).

في التاريخ آلاف من صناع الساعات الذين لمع نجمهم ثم خفت، بعد أن حاولوا التجديد ولم يُوفَّقوا، وعجزوا عن مواكبة تطورات العصر وتغير الأهواء. أما أولئك الذين خلدوا أسماءهم، وامتد ذكرهم، فهم يعطون ساعاتهم طابعاً سحرياً يسمو بها من نطاق معرفة الوقت، إلى التأمل في الزمن. الساعة إذ تلتصق بجلد صاحبها، تخلق صلة نسب حميمة بينه وبين الصناع الأوائل، وزبائنهم على مر القرون. الساعة ذات الاسم، تصير رمزاً للأصالة، ودليلاً على استمرارية الإبداع، وقدرة العقل البشري على الابتكار حد الجموح، والدقة حد التنبؤ بحركة الأجرام السماوية. وحين يستمر التقدير والاحترام لعلامة على مر السنين، تحتفظ الساعة بقيمتها، بل قد يرتفع سعرها إن بيعت ثانية، فتصير استثماراً يُورث من جيل لجيل.

غير أن جولة سريعة في معرض دبي كانت كفيلة بأن تكشف تهافت ذلك التفسير، أو على الأقل، عجزه وحده عن حل معضلة تقييم الساعات وفهم سوقه المتشابك. هناك بالتأكيد عشرات العلامات التي لا يتجاوز عمرها بضع سنوات، وتباع الساعة الواحدة منها بسعر شقة تطل على برج خليفة.

الأمر يحتاج لنظرة أعمق.

مصافحة المليارديرات

خلال زيارتي للمعرض، عددت أربعة رجال يرتدون "ريتشارد ميل" (Richard Mille)، وهو عدد كبير للغاية إذا عرفنا أن العلامة الفرنسية المنضمة حديثاً إلى نادي الساعات الفاخرة تنتج خمسة آلاف قطعة سنوياً فقط. انطلقت "ريتشارد ميل" عام 2001، وبحسب تقرير لـ"مورغان ستانلي"، فقد حققت في عشرين عاماً فقط، نجاحاً غير مسبوق في تاريخ الساعات السويسرية كله.

يمكن التعرف على ساعات "ريتشارد ميل" بسهولة شديدة من على بعد أمتار، بفضل حجمها الضخم وشكلها المختلف. إطارها الخارجي مستطيل منحني الأطراف، طوله 50 مم، على عكس الأبعاد الشائعة لساعات الرجال، ذات الشكل الدائري الذي لا يتجاوز قطره في الأغلب 42 مم. الإطار الخارجي هذا منحوت من قطعة واحدة من الياقوت، دون تقطيع أو تكسير. تستخدم الشركة آلات مصممة خصيصاً لهذه المهمة، يستخدمها عمال مدربون شديدو المهارة، ينحتون الإطار الواحد مئات الساعات، للوصول به إلى درجة الرقة والشفافية المطلوبة، وقد يُستبعد بعد كل ذلك إطاراً يشوبه ما ينتقص كماله.

تقليدياً، كان مصممو الساعات يتنافسون في تضمين أكثر الحركات الميكانيكية تعقيداً، في أقل سُمْكٍ ممكن. لكن ساعة "ريتشادر ميل" تحطم هذه التقاليد؛ فهي تبني أجزاءها الدقيقة فوق بعضها بعضاً طبقات، وكأنها بنيان معماري مشيد ثلاثي الأبعاد. وجسم الساعة شفاف، يُعري دواخلها كلها للناظرين، فيرون التفاف الترس على الترس، ودقات النابض الشَعري، ولفات عجلة التوازن. وهي على ذلك كله، خفيفة على المعصم كالسحابة، بسبب المعالجة المتطورة لمواد الجرافين والتيتاينوم وألياف الكربون. وهي على ذلك كله، شديدة الثبات كالوتد، يرتديها نجم التنس الشهير رافاييل نادال في مبارياته، فلا يتأثر عملها وهو يجري بأقصى ما يستطيع، ويرد كرات خصومه السريعة بضربات أسرع.

تجتهد الشركة في الترويج لهذه الإمكانيات المبهرة، وتتفنن في تصوير مقاطع الفيديو ونشر المقالات عن دواخل صناعتها. هل يفسر ذلك النجاح المذهل لـ"ريتشارد ميل"، وسعرها الذي يبدأ من 200 ألف دولار، ويتجاوز مليوني دولار للساعة الواحدة؟ لا أظن. مرة أخرى، أي ساعة إلكترونية صينية بعشرة دولارات ستؤدي نفس المهام بنجاح. لكن الساعة، مثل كل سلعة فاخرة، لا تُشترى لنفعها من الأساس بل للشعور الذي تمنحه لمقتنيها.

ليس لـ"ريتشارد ميل" تاريخ، ولكن لها الحاضر كله. أرى فيها روح العصر وقد تجلت في سلعة. فيها من الألوان الفاقعة والتصاميم الخارجة عن المألوف ما يجعلها وسيلة فعالة للفت الانتباه. وفيها من الابتكار ودقة التفاصيل ما يخفف فظاظة تصميمها الصاخب، ويطمئن المقتني أنه اشترى عملاً فنياً رفيعاً، وليس وسيلة فجة للتباهي بالثراء الفاحش. فيها من التعقيد ما يجعلها تحفة تكنولوجية مثيرة للإعجاب وتجسيداً لأحدث ما وصله التقدم العلمي، وفيها من الحرفية اليدوية ما يعطي لمرتديها شعوراً بالتميز، إذ يلف حول معصمه منتجاً اجتهد عشرات العمال والفنيين لصناعته بكميات محدودة في ورشة صغيرة، معزولة عن نمط الإنتاج الكثيف لسلع العوام.

تاج "رولكس"

على النقيض من شفافية "ريتشارد ميل"، تقبع "رولكس" (Rolex) الساعة المهيمنة على سوق الساعات بأكمله. المجهول عن "رولكس" أكثر من المعلوم. تفرض الشركة ستاراً حديدياً على تفاصيل تصميمها، والموديلات التي ستتوقف عن إنتاجها أو تتوسع فيها بالمستقبل.

وساعة "رولكس" رائعة بكل المقاييس. شديدة الدقة، عملية، ومتينة، ومصممة في الأصل للاستخدام اليومي. وهي محافظة الهوى، قلما تصدر تصميماً مختلفاً، وقد لا يلاحظ الفارق بين موديل وآخر سوى الأعين المدربة. وحين أسسها البريطاني هانس ويلزدورف عام 1905، لم يطلق عليها اسمه كعادة المصممين الكبار، بل فاضل بين عشرات التراتيب العشوائية لحروف الإنجليزية، حتى استقر على كلمة سهلة النطق والحفظ في كل اللغات. خطة ويلزدورف قد أثبتت نجاحها بالتأكيد، فقد صار الاسم، ولاحقاً الشعار المكون من تاج بخمس جواهر، أشهر علامات الساعات في العالم أجمع. واستطاعت "رولكس" أن تخترق الوعي الجمعي، وتصبح مرادفاً للجودة المضمونة.

في خمسينيات القرن الماضي، كان يمكن شراء ساعة "رولكس" بأقل من 200 دولار، ثم ازداد سعرها شيئاً فشيئاً مع ازدياد شعبيتها، وبدأت في إنتاج تصاميم أكثر فخامة ولمعاناً. في الثمانينيات من القرن نفسه، صارت هدفاً مفضلاً لمزوري السلع المقلدة، ما زاد بدوره من قيمة الساعات الأصلية. اليوم، يمكن نظرياً على الأقل شراء "رولكس" من أحد متاجرها المعتمدة بسعر 8 آلاف إلى 15 ألف دولار، وهو مدى سعري ذكي للغاية. هي ليست مثل "أوميغا"، يمكن لأي موظف بالإدارة الوسطى شراؤها في لحظة إسراف، وهي ليست مثل "باتيك فيليب" موجهة فقط للخواص. هي في نقطة تجعلها حلماً صعباً، لكن ممكن المنال. هي أول ما يشتريه محلل الأسواق المالية في وول ستريت حين يحصد الـ"بونص" السنوي، وهي الإكسسوار المفضل لمندوب بيع العقارات الناجح الذي يريد اكتساب ثقة زبائنه والتدليل على أنه اعتاد حصد العمولات وإغلاق الصفقات بوفرة. هي أسرع وسيلة للرجل، أي رجل، كي يعلن لمن حوله أنه ناجح ومتحقق.

لا تفصح "رولكس" عن عدد الساعات التي تنتجها، ويقدرها البعض بمليون ساعة سنوياً تقريباً. لكن الإقبال كبير. وتدريجياً، أصبح الحصول على "رولكس" بسعرها الأصلي من المتاجر المعتمدة القليلة حلماً يراود الآلاف، وقد يطاردونه لسنوات طوال؛ ينتظرون دورهم في قوائم الانتظار محاولين تكوين علاقات وطيدة بالعاملين، أو حتى رشوتهم. فإن أصابهم اليأس، وصاروا لا يطيقون الانتظار، اتجهوا إلى السوق الموازية التي تباع فيها الساعة بسعر أعلى من المتجر بـ10% إلى 120%.

ديمقراطية الجمع والمضاربة

مع انتشار الإنترنت وتطور التجارة الإلكترونية، صارت هواية جمع الساعات أكثر ديمقراطية، وخرجت النقاشات والمقارنات وعمليات البيع والشراء من جدران المحلات الفاخرة وقاعات المزادات، إلى المنتديات وقوائم البريد ومجموعات التواصل الاجتماعي. ازدادت شعبية الساعات والاهتمام بها، ومع زيادة الطلب، ازداد نشاط السماسرة، الذين يسعون لشراء الساعات المرغوبة، لا لاقتنائها؛ بل لإعادة بيعها بسعر أكبر في وقت قصير، فتحولت الساعات معها إلى أدوات للمضاربة والربح السريع. هذا بدوره جعل "رولكس"، ذات الندرة المصطنعة نسبياً، الساعة مثالية للمضاربة في السوق الموازية، التي ساهمت "رولكس" ذاتها في خلقها، وساهمت هي في النفخ بأسطورتها.

بحلول عام 2018 ظهرت عدة مؤشرات تتابع حركة أسعار الساعات وأحجام التداول، ليكتمل تحول الساعات الفاخرة، وعلى رأسها "رولكس"، إلى سلعة حافظة للقيمة، أشبه بالذهب والفضة. كان من أكثر هذه المؤشرات دقة "صب ديال" (Subdial)، الذي تتبناه بلومبرغ، وتصدر عن بياناته وحركته قصة خبرية شهرية على الأقل. وقد صعد المؤشر إلى قمته في 2021، مدفوعاً بهوس المليونيرات الجدد من المضاربين في الكريبتو للإعلان عن ثرواتهم الجديدة بالساعة السويسرية الأكثر شعبية.

ليست الرولكس الأطول تاريخاً، ولا الأفضل صناعة، ولا الأكثر ندرة، لكنها بالتأكيد الأكثر تداولاً، وذلك لأنها مرغوبة. وهي مرغوبة لأنها الأكثر تداولاً. وهي الأعلى قيمة لأنها شهيرة، وهي شهيرة، لأنها الأعلى قيمة. نجاحها انعكاس لنفسه، مستدام ذاتياً. الرولكس مثال متطرف لما وصفه كارل ماركس قديماً بـ"فتشية" السلعة، أي تحولها إلى رمز مقدس يؤمن المستهلكون بأن له قيمة جوهرية، معزولة عن المكونات والصُنع والصُنَّاع. لا أعلم إن كانت هناك سلعة بعينها قد ألهمت ماركس بصك هذا المصطلح، ولكن لن أتعجب إن كان استوحاه من الساعة، فهو بعد أن شرح مفهومه في كتابه الأشهر "رأس المال"، كرس صفحات بعدها بعدة فصول للحديث عن مراحل تصميم الساعات، ودقائق أجزائها، واختلاف نمط إنتاجها، في معرض مناقشته لتطور القيمة النسبية، وتاريخ سلاسل الإنتاج وتقسيم العمل.

وبين "رولكس" التي تجتهد في إخفاء هذا التقسيم، و"ريتشارد ميل" التي تتفنن في عرضه، تتنوع الساعات الفاخرة قدر تنوع نفسيات المشترين، وشرههم للاقتناء والربح، أو كليهما.

السعر والقيمة

يستوقفني حارس الأمن على الباب قبل أن أدخل إلى عملي. يقول إنه لاحظ ساعة يدي الجديدة وإنه معجب بها للغاية، ويود أن يستفسر عن نوعها. أشكره على اهتمامه، وأثني على قوة ملاحظته. يقول لي إنه مغرم بالساعات. ويتابع كل جديد عبر قنوات يوتيوب ومواقع الإنترنت. ومثل كل محب حقيقي للساعات، يمتنع نهائياً عن شراء الساعات المقلدة، ويكتفي بشراء ما حَسُن شكله وخف ثمنه وناسب ميزانيته، من ماركات "تايمكس" (Timex) الأميركية، و"كاسيو" (Casio) اليابانية، وهي ماركات لها احترامها وتراثها وتاريخها الطويل، وتطرح موديلات عديدة رخيصة الثمن ولا تفتقر للجودة.

يشكو زميلي من تفشي المضاربة في الساعات بدبي. حين أراد شراء ساعة من مجموعة خاصة طرحتها "أوميغا" بسعر رخيص العام الماضي، منعه السماسرة الذين تقاطروا أمام المحلات قبل أن تفتح أبوابها للجمهور بيوم كامل، فاستحوذوا على المعروض كله، ورفعوا ثمن الواحدة منها في السوق الموازية من 270 دولاراً إلى 900 دولار. أخبره أنني كنت محظوظاً بشرائها دون ضرائب، وبسهولة ويسر من أحد متاجر أمستردام، حيث تمتد الطوابير فقط أمام المحلات التي تبيع ما ينسي الوقت، لا ما يُذكّر به.

يروي لي أنه في طفولته ببومباي، كان مهووساً بالممثل شاه روخ خان، وهو أحد أشهر جامعي الساعات في العالم؛ فظل يتابع آخر الساعات التي يلبسها ممثله المفضل، ويقرأ عن تفاصيلها وموديلاتها، حتى صارت هواية. أتذكر قصتي أنا في بداية اهتمامي بالساعات عام 2005، في القاهرة. استوقفتني ساعة غير مألوفة في صورة تتصدر صحيفة حكومية لجمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق. بعد بحث، اكتشفت أنها من نوع "برايتلنج" (Breitling)، سعرها 5 آلاف دولار تقريباً، وشكلها العجيب كان لأنها تمزج العقارب الميكانيكية التقليدية بشاشة رقمية. وقد تابعت منذ ذلك الحين ساعات الساسة الذين تقلبوا على مصر. بعضهم يحرص على استعراض ساعات ذهبية من موديلات رائجة بين الأثرياء الجدد، وبعضهم يفضل الساعات السويسرية القيمة المجهولة لعامة الشعب. وآخرون لا يهتمون بالساعات إطلاقاً، وبعضهم تعمدوا ارتداء ساعاتهم على أيمانهم، مخالفة لأهل اليسار في الدنيا والآخرة.

أقول لزميلي إن ميزانيتي محدودة كذلك، لذلك أتجه لاقتناء ساعات الماركات المجهرية، أي الساعات التي تنتجها شركات صغيرة، وتتخصص في إنتاج عدد قليل من الموديلات، لخدمة أذواق فئة محدودة. ورغم رخص ثمن هذه الساعات، فإن المرء يحتاج لبعض الفطنة والخبرة للتفرقة بين العلامات التي يؤسسها مصممون ذوو رؤية ونزاهة، وبين مئات النصابين الذين يملؤون الإنترنت بإعلانات عن ساعات شديدة الرداءة، يخدعون بها القادمين الجدد.

قيمة في إرث الحكايا

ساعتي التي أعجبته كانت من نوع "برو" (Brew)، وهي علامة حديثة للغاية أطلقها مصمم أميركي شاب في نيويورك، ويستوحي جماليات تفاصيلها من الماكينات القديمة لصناعة القهوة في سبعينيات القرن العشرين. سعر الساعة أقل من 500 دولار، إلا أنها متقنة الصنع. اقتنيتها في بدايات 2023، وقت أن بدأت تحصد شهرة معقولة بين محبي الساعات. وفي يناير 2024، ظهر النجم الهوليودي الوسيم إدريس ألبا وهو يرتديها، فصعدت شهرتها بين لحظة وضحاها إلى عنان السماء، وكسبنا نحن، مشتريها الأوائل، حق التباهي بنظرتنا الثاقبة التي تدرك القيمة قبل أن تصبح "ترند".

رغم ذلك، فساعتي، وباقي الساعات في مجموعتي الصغيرة، ليست استثماراً ذكياً على الأرجح، ومن المستبعد أن أترك لابني الذي أتطلع لمولده في يوليو القادم حافظة استثمارات من الساعات التي تُورث من جيل لجيل. هناك احتمال ضئيل أن تصعد إحدى هذه الماركات المجهرية التي أهواها إلى الصفوف الأولى لسبب أو لآخر، فيزداد سعر موديلاتها القديمة. هناك احتمال أكبر في أن تخرج أغلبها من السوق، أو تقل شهرتها وتنزوي، ولا يبقى منها سوى دروس عن تغير الأذواق واستحالة دوام الحال. على كلٍّ، سأترك للولد مجموعة ساعات مصحوبة بقصص طويلة، تُذكره بأن على المرء أن يتذكر الاستمتاع بما يحب دون أن يخضعه بالضرورة لحسابات المكسب والخسارة، وأن بعض المُتع لا يمكن قياسها بمؤشرات بلومبرغ لأداء الأصول، ولعله يجد قيمة في إرث الحَكَايا.

تصنيفات

قصص قد تهمك