الارتفاع القوي لأسعار العقارات في بريطانيا يهدد الاقتصاد

عقارات سكنية في منطقة فروم بالمملكة المتحدة
عقارات سكنية في منطقة فروم بالمملكة المتحدة المصور: جايسون ألدن / بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

يتزايد القلق من حدوث فقاعة مؤقتة بسوق العقارات البريطانية في ظل ما يشهده من تصاعد سريع للأسعار تحت وطأة تزايد الطلب الذي دفع معدل زيادة الأسعار إلى رقمين.

تشهد وتيرة عقود الرهن العقاري زيادة بأكثر من الثلث مقارنة بمستويات ما قبل الوباء، وسط اقتراب قطاع الإسكان من تسجيل أكبر موجة طلب منذ ما قبل الأزمة المالية في ظل اندفاع المشترين للاستفادة من التخفيض الضريبي.

ولكن مع زيادة قدرة المشترين على تحمل التكاليف وتسهيل البنوك لمتطلبات الرهن العقاري، بدأت المؤشرات تثير قلق صانعي السياسة النقدية في بنك إنجلترا.

تخفيف قيود الإقراض

الإعفاء الضريبي الحكومي مؤقت ومن المحتمل أن يتسبب في نهايته التي تتزامن مع انتهاء برامج دعم الوظائف في حدوث أزمة وتباطؤ كبير.

قال نائبا محافظ بنك إنجلترا جون كونليف وديف رامسدن هذا الأسبوع، إنهم يراقبون سوق الإسكان "باهتمام" في ظل ما تشهده الأسعار من ارتفاع.

ومن بين المخاطر التي تهدد القطاع، تخفيف البنوك قيود الإقراض وسط موجة طلب كبيرة. حيث بدأت "جمعية البناء الوطنية" منح قروض عقارية جديدة بقيمة تعادل 5.5 أضعاف دخل المشتري لأول مرة بزيادة عن المتوسط الشائع البالغ 4.5 ضعف الدخل. وعلق نيل هدسون مؤسس شركة "ريذيدينتيال أنالست" Residential Analyst قائلاً، إذا حذا الآخرون حذوهم وطلبوا من الجهات التنظيمية تعديلات للتكيف مع السوق هنا "نبدأ في رؤية بعض الخطر".

وقد تدعم استمرار تداعيات الجائحة الطلب بعد إلغاء الامتيازات الضريبية تدريجياً خلال الأشهر المقبلة مع انتشار ثقافة العمل من المنزل والتي زادت الرغبة في بناء منازل أكبر خارج المدن.

توضح الرسوم البيانية التالية ما شهدته واحدة من أكثر الفترات اضطراباً للاقتصاد في التاريخ الحديث.

لم يتأثر قطاع العقارات السكنية بعد مرور أكثر من عام على فرض القيود بسبب الجائحة. ففي الوقت الذي تسبب قرار المستشار ريشي سوناك تخفيض رسوم الدمغة في توفير المشترين نحو 15 ألف جنيه إسترليني (21200 دولار) ارتفعت الأسعار في السوق في الوقت الذي كان هناك العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى تعاني بشدة.

ينعكس ارتفاع الطلب على بيانات الرهن العقاري والصفقات حيث بلغا أعلى مستوياتهما في عدة سنوات ورغم انتقاد عدم وجود ضرورة لتلك المحفزات، بينما مدد سوناك تلك الامتيازات التي تنتهي في مارس حتى أكتوبر 2021.

تزامن تأثير خفض رسوم الدمغة مع تغيرات نمط الحياة بسبب الجائحة وزيادة الرغبة في تملك عقار أكبر وهو ما زاد الطلب على مناطق محددة في سوق الإسكان. ليشهد العالم تحولا هيكليا، حيث سجلت 13 دولة منها بريطانيا نمواً مزدوج الأرقام في أسعار المنازل خلال العام الماضي وفقًا لشركة "كنايت فرانك" للوساطة. وهو ما دفع الحكومات بجميع أنحاء العالم لتفعيل أدواتها للتحكم في النمو الهائل لأسعار المنازل. فنجد البنك المركزي الكندي يشدد متطلبات الإقراض العقاري في ضوء طفرة الإسكان، بينما هدد البنك المركزي النيوزيلندي بإجراء مشابه.

علق ماركوس ديكسون رئيس الأبحاث في شركة "لونريس" LonRes لبيانات العقارات على ما يحدث في السوق البريطاني قائلاً: "هناك عدد غير قليل من الأشخاص القلقين بشأن ما يحدث في أسعار المنازل خارج لندن. لا نمانع في القليل من النمو لكننا لا نريد أن يحدث انهيار".

تشير البيانات الصادرة حديثاً من جمعية البناء الوطنية إلى ارتفاع الأسعار بنحو 11% فيما قد يرجع الارتفاع الكبير إلى الركود الذي بدأ قبل عام مع فرض قيود الإغلاق في بريطانيا فيما تستمر الأسعار في الارتفاع في الوقت الحالي. في المقابل، تشير بيانات مكتب الإحصاء الوطني إلى بلوغ متوسط الارتفاع في الربع الأول 9% فقط.

تسعير الارتفاع

زادت طفرة الأسعار من صعوبة حصول الراغبين في الشراء من قبل جائحة كورونا على عقار مناسب في ظل طلب البنوك دفعة أولى تبلغ خمس سعر العقار ما أدى لارتفاع متوسط المبلغ الذي يحتاجه المشترون الجدد للحصول على قرض عقاري بنسبة 23% في عام 2020 وفقاً لبيانات نشرتها مجموعة لويدز المصرفية.

زادت القدرة على تحمل تكاليف شراء منزل وخاصة لراغبي شراء عقار في لندن. فيما يقول منتقدو خفض سوناك لضريبة الدمغة ومن بينهم كونليف أن القرار زاد من الأعباء التي فرضتها تداعيات جائحة كورونا على الشباب من العمال.

قال كونليف الشهر الماضي: "لا يمكن تجاهل تحول الثروة لمالكي المنازل الحاليين وكبار السن بشكل عام بسبب ارتفاع أسعار المساكن وهو ما قد يزيد من عدم المساواة بين الأجيال".

يزيد عدم المساواة بين القادرين على شراء منزل وغير القادرين من الضغوط على حزب المحافظين الذي يطالب بزيادة امتلاك المواطنين لمنزل حيث أطلق الحزب سياسة "الأجيال تشتري" والتي تمثل حلما بريطانيا أساسيا بامتلاك منازل وما يمثله من علامة فارقة في حياة المواطنين وقدرتهم على تراكم الثروة.

برنامج ضمان قروض الرهن العقاري

ورغم زيادة مدخرات العديد من الأشخاص أثناء الوباء لعدم تمكنهم من الخروج في أيام العطلات أو تناول الطعام بالخارج، لم يكن الأمر نفسه بالنسبة للجميع. حيث تضرر العمال الشباب بشكل متباين حسب الصناعة التي يعملون بها وحجم تأثرها بتداعيات عمليات الإغلاق مثل قطاعات البيع بالتجزئة والمطاعم ما دفعهم للإنفاق اعتماداً على مدخراتهم وما لديهم من ودائع.

منذ ذلك الحين، طبقت الحكومة برنامج ضمان 95% من قيمة قروض الرهن العقاري. في الوقت الذي أبقوا فيه على معايير الإقراض الأخرى دون تغيير ما يصعب معه الحصول على تلك القروض. ولن تمكن قيمة 5% من القرض المشترين من دفع هامش أعلى لتغطية انكشافهم في حالة تراجعت أسعار المنازل. كما أن البرنامج يحفز الطلب دون تغير في جانب العرض ما يزيد من المخاطر.

يتزايد خطر انخفاض الأسعار بشكل خاص في لندن بسبب تخلفها عن المناطق الأخرى إضافة إلى التباين الكبير في الطلب بين المناطق داخل المدينة نفسها.

زادت وتيرة البيع في بعض الأحياء التي تضم واحدة من أغلى المنازل في البلاد حيث فر الناس من وسط المدينة وزاد الطلب على الضواحي بشكل ملموس، ولكن بدأت تظهر مؤشرات على تراجع موجة البيع مع تزايد الطلب مرة أخرى على المدن بكافة أنحاء البلاد مع تزايد سرعة وتيرة التطعيم.

رغم اجتياز بريطانيا خطوات رئيسية في السيطرة على انتشار كوفيد 19، تبقى التهديدات التي يتعرض لها الاقتصاد قائمة، كما أن موجة ارتفاع أسعار المنازل قد تستمر لبعض الوقت. ومع تزامن إنهاء امتياز رسوم الدمغة مع توقف البرنامج الحكومي لدعم الوظائف سيظهر ضعف في سوق العمل وسوف ترتفع معدلات البطالة.

تقول يولاند بارنز الباحثة في العقارات بجامعة كاليفورنيا في لوس أنغلوس: "لقد حدثت تغيرات متطرفة في سلوك الناس، وإذا انعكست تلك التغيرات على الاقتصاد فسوف يصل إلى سوق الإسكان".