الآلات تدير كل شيء في مركز تلبية الطلبيات الرئيسي في "أمازون"

time reading iconدقائق القراءة - 20
أمازون - المصدر: بلومبرغ
أمازون - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

في صباح أحد الأيام مؤخراً، وداخل مركز شحن البضائع التابع لشركة "أمازون دوت كوم" الذي يشبه الكهف ويقع خارج سياتل، اتخذ إيفان شوبي موقعه أمام مجموعة من تسع شاشات كمبيوتر، وهو مركز القيادة الذي يُعرف داخلياً باسم مكتب لاعب الوسط، والذي يتيح لشوبي مراقبة الأعمال المعقدة لمبنى حجمه يعادل حوالي 15 ملعباً من ملاعب كرة القدم.

على شاشات الكمبيوتر تلك، آلاف النقاط الزرقاء التي توضح عمل روبوتات تنقل المنتجات في أرجاء المنشأة، بينما تمثل الأشكال الصفراء التي تشبه قليلاً لافتات المراحيض، البشر الذين يقومون بتحميل وتفريغ الروبوتات. هناك أيضاً متاهة من الخطوط الخضراء، تُظهر أوامر النقل المتسارعة إلى المحطات على طول الخط، وفي النهاية إلى شاحنات التسليم المنتظرة.

يعمل النظام بسلاسة في هذا الصباح الباكر من أغسطس، مثلما يعمل في الغالب سبعة أيام في الأسبوع في أكثر من 900 منشأة من المنشآت اللوجيستية التابعة لـ"أمازون" في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: طفرة "أمازون" تتلاشى بعد عودة المستهلكين الملقَّحين للتسوق خارج المنزل

يُعد مركز "بي إف آي 4" (BFI4)، الواقع في مدينة كينت بولاية واشنطن، المركز الرئيسي لتلبية احتياجات العملاء في "أمازون"، وهو يستضيف بانتظام كبار قادة الشركة -مثل الرئيس التنفيذي آندي جاسي الذي زاره مؤخراً- الذين يريدون فهم ما يحدث بعد نقر المتسوق على أيقونة "اشتر الآن" بشكل أفضل. وكان المركز أول منشأة من نوعها قادرة على معالجة أكثر من مليون سلعة يومياً، أي ثلاثة أضعاف ما كان متاحاً في مستودعات الشركة قبل عقد من الزمن.

يشير التطور التكنولوجي إلى أن "أمازون" بإمكانها المحافظة على تقدمها بخطوات عدة على منافستيها التقليديتين "ولمارت" و"تارغت"، اللتين تبنّيتا الآن العديد من الممارسات التي عملت عليها "أمازون" منذ أعوام.

اقرأ المزيد: "ولمارت" تطلق أول خدمة توصيل بدون سائق في أمريكا قريباً

كذلك، تعتبر الخوارزميات -وهي مجموعات من التعليمات الحاسوبية المصممة لحل مشكلات محددة- أمراً رائداً في منشآت "أمازون"، حتى بشكل أكثر من الروبوتات المادية، حيث يحدّد البرنامج عدد العناصر التي يمكن للمنشأة التعامل معها، والمكان الذي يُفترض أن يذهب إليه كل منتج، وعدد الأشخاص المطلوبين للنوبة الليلية خلال فترة الذروة في العطلة، والشاحنة الأفضل لتوصيل مزيل العرق للعميل في الوقت المحدد.

عن ذلك، يقول شوبي، المدير العام لمركز "بي إف آي 4": "نحن نعتمد على البرنامج لمساعدتنا على اتخاذ القرارات الصحيحة".

لعبت الأتمتة دوراً في تمكين كل مشرف في مركز تلبية احتياجات العملاء، من إدارة عشرات الموظفين، وأصبحت العملية الشبيهة بالمصنع، معياراً في الصناعة. وفي عام 2012، أشرف مدير مستودع اللوجيستيات على حوالي 10 عمال، بحسب مكتب إحصاءات العمل الأمريكي. لكن في عام 2020، بعد أن أصبحت "أمازون" أكبر رب عمل في هذه الصناعة، كان هناك ما يقرب من ضعف عدد العاملين الميدانيين لدى كل مشرف.

يسعى منافسو الشركة إلى تقليد عملياتها، لكن نهجها في الأتمتة يُعتبر أيضاً محور اهتمام منتقديها، الذين يعترضون على ظروف العمل التي يواجهها الموظفون العاملون بالساعة. فخوارزميات "أمازون"، هي من يخبر العمال بما يجب فعله في أرض المستودع، وتحدد أهداف الإنتاجية، وتحدد الموظفين الذين يفشلون في الوفاء بها.

من هذا المنطلق، يصف الموظفون في المقابلات شعورهم وكأنهم تروس في آلة عملاقة، يمكنها إلقاءهم خارجاً بما يزيد قليلاً على رسالة بريد إلكتروني آلية لإنهاء خدمتهم.

تقر "أمازون" بأن خوارزمياتها ليست مثالية، حيث تسمح معظم العمليات في منشآتها بالإشراف أو التدخل البشري. ويقول المديرون إن بإمكانهم إنجاز المزيد من المهام من خلال البرمجيات القوية التي تدعمهم، في حين أن الشركة تواصل العمل في عملياتها.

يقول ماجو كوروفيلا، المدير التنفيذي الهندسي السابق في "أمازون"، والذي غادر الشركة العام الماضي، إن "أمازون" لاحظت قبل أعوام عدة أن الرؤساء أحياناً ما يتحولون ليكونوا أكثر من مجرد "وجوه خلف الحواسيب المحمولة"، فهم يسيرون بسرعة عبر المنشأة في طريقهم إلى مكان آخر.

وأوضح كوروفيلا، الذي عمل على أدوات الأتمتة المصممة جزئياً للمساعدة على تعزيز التفاعل البشري: "لم يكن مديرو مراكز تلبية الطلبيات ينخرطون مع مساعديهم". وأضاف: "إذا لم يحدث ذلك، فيمكن أن يكون بمثابة تدهور سريع لـ(أمازون)، فهذه اللحظة تتدخل عندها النقابات. هذه اللحظة عندما لا تهتم بالناس".

سعى الرئيس التنفيذي السابق جيف بيزوس، إلى استبدال البشر بالبرمجيات منذ أن كان مجرد بائع كتب. ففي إحدى الحلقات الشهيرة، تم استبدال المحررين الذين يعملون على مراجعات الكتب والتوصيات، بشفرة تؤدي المهمة ذاتها، من خلال التنقيب عن أنماط التسوق.

يمكن أن تظهر برامج مماثلة لإدارة العديد من جوانب عمليات "أمازون"، بدءاً من الطلب وتحديد المخزون، وصولاً إلى مراقبة السوق الإلكترونية بعناية، وهو رهان طويل الأمد على أن الخوارزميات من شأنها إتمام بعض المهام بشكل أفضل، أو أكثر اتساقاً من الموظفين البشر.

خط تجميع عملاق

في مطلع الألفية، جعلت "أمازون" الأتمتة محط الاهتمام، خلال التوسع الهائل في قسم التعبئة والشحن والتسليم. وحتى التحسينات الصغيرة جرى الاحتفال بها. كما إن السير الذاتية لقدامى العاملين في مجال الخدمات اللوجستية في "أمازون"، مليئة بإشارات مرجعية إلى كيفية مساهمتهم في خفض تكلفة شحن عنصر ما بمقدار سنت أو اثنين.

في عام 2012، اشترت "أمازون" شركة "كيفا سيستمز" (Kiva Systems)، وهي الشركة المصنعة للروبوتات الآلية التي تتخذ وضع القرفصاء، ومقرها نورث ريدينغ بولاية ماساتشوستس. وحتى هذه المرحلة، كان العمال يسيرون في ممرات المستودع، ويأخذون المنتجات من الأرفف الطويلة، وأحياناً ما يستخدمون مطبوعات للعثور على منتجات معينة. ثم أرادت "أمازون" استخدام وحدات "كيفا" لجلب أرفف المنتجات للموظفين الذين ينتظرون، وهي خطة تتطلب إعادة تصميم كاملة لمراكز تلبية الطلبيات الخاصة بها.

كان مركز "بي إف آي 4"، الذي افتتح في عام 2016، واحداً من أوائل المنشآت التي صُممت خصيصاً للروبوتات الصغيرة. فهو يعمل مثل خط تجميع عملاق به 3500 عامل و110 مديرين يتقاضون أجوراً في ظل نظام "أمازون" الدقيق لتتبع الإنتاجية. ويدفع العمال سيور نقل متنقلة إلى ظهر الشاحنات لتوصيل المخزون، ثم ينقلون المنتجات من خلال ألواح تحميل نقالة، أو صناديق إلى نظام يقوم تلقائياً بمسح الأصناف الواردة ثم إدراجها للبيع على موقع "أمازون دوت كوم"، الذي يترتب من خلاله الدفع للموردين. بدءاً من هذه المرحلة، يضع العمال المنتجات على الأرفف وهم يقفون بجانب السياجات الشبكية التي تفصلهم عن الروبوتات. تتم تعبئة الرف بإحكام داخل منطقة الروبوتات فقط حتى- بعد تحديد الطلب- تقوم "كيفا" بتوجيهه إلى محطة الالتقاط، ليأخذ العمال المنتج الصحيح ويضعونه في صندوق ويرسلونه إلى التغليف ثم الشحن.

كان المديرون يستخدمون برنامج "إكسل" وحدسهم لمعرفة عدد الأشخاص الذين يحتاجون إليهم في كل محطة لمواكبة طلبيات العملاء. وبعد ذلك، بدءاً من عام 2014 تقريباً، نقلت الشركة المسؤولين التنفيذيين الذين صمموا جداول البيانات من المستودعات الكامنة في جميع أنحاء البلاد إلى سياتل، حتى يجتمعوا مع مهندسي البرمجيات، الذين استخلصوا مهام العمل ثم قاموا بأتمتها. ونتج عن ذلك، برنامج أوتو فلو" (AutoFlow) الذي لم يجدِ نفعاً في البداية. فقد اقترح وضع نصف موظف في محطة ونصف موظف في محطة أخرى، كما يتذكر ديفيد غليك، المدير التنفيذي السابق للوجيستيات في "أمازون"، والذي أشرف على التطوير الأولي للبرنامج. لكن في النهاية، أدرك النظام أن الإنسان لا يمكن تقسيمه إلى نصفين.

في ربيع عام 2019، أصدر المسؤولون التنفيذيون في "أمازون" تعليمات إلى الأشخاص الذين شغلوا "بي إف آي 4"، بناءً على توصيات برنامج "أوتو فلو"، الذي يتم تحديثه كل 15 دقيقة. وهذه التعليمات كانت تنص على أن المديرين بإمكانهم تجاوز النظام إذا وجدوا أن شيئاً ما يحدث بشكل خاطئ. لكن في معظم الأحيان، كان يُطلب منهم عدم فعل شيء.

عن ذلك، يقول شوبي، الذي كان يدير قسم الشحن في المستودع: "كانت الرسالة الأولى هي السماح للقطار بالاصطدام بالحائط، وتركهم يتعلمون منه". وأضاف: "فريق عملي سيعمل بشكل أفضل من البرنامج، الذي كان يعتبر حقاً مثل حبة يصعب ابتلاعها".

في البداية، كان رد فعل البرنامج مبالغاً فيه تجاه التحولات المتواضعة في الطلب. فقد أرسل العمال مسرعين إلى محطات جديدة، ثم أمرهم بالعودة إلى مواقعهم السابقة بعد بضع ساعات، وهي مراوغة غير مجدية ومهدرة للوقت. لكن على النحو الموعود، تحسنت الأمور بمرور الوقت، وبدلاً من وجود شخص قائم في كل مستودع لاستكشاف المشكلات، تتولى الشركة الآن هذه المهمة من مكتب في مدينة تمب في ولاية أريزونا، حيث يمكن للموظفين مراقبة مجموعة من المستودعات في آن واحد.

ووجد المهندسون طرقاً أخرى لجعل مركز "بي إف آي 4" أسرع وأكثر دقة. فالعمال الذين يخزنون المنتجات على الأرفف يقومون بمسح الرموز الشريطية ضوئياً لمعرفة المكان الذي يجب أن يذهب إليه كل منتج. والآن، تحدد كاميرات الفيديو تلقائياً ما يأخذه العمال من الصناديق، حيث تضيء الأضواء الخضراء فتحات صغيرة، من شأنها توضيح المكان المناسب للمنتجات.

شكل الوباء تحدياً كبيراً بالنسبة إلى "أمازون"، عندما مكث الأمريكيون في المنازل وبدأوا في التسوق عبر الإنترنت بشكل حصري تقريباً. فقد أضافت الشركة 400 ألف عامل، وهو عمل بطولي تم إنجازه بفضل الحواسيب التي مسحت السير الذاتية ضوئياً للعاملين غير المؤهلين، وتطبيقات الفيديو التي أسهمت في تدريب المعيّنين حديثاً، والبرامج التي وجهت المبتدئين عبر مهام بسيطة ومتكررة. كما أنشأ المهندسون بشكل أساسي قوة عاملة مؤهلة وعلى اتصال بالنظام وقابلة للتعديل الفوري تقريباً عندما تتغير الظروف.

لكن خط تجميع "أمازون" عالي التقنية، صعّب الوضع بالنسبة إلى بعض الموظفين. فعندما سعى عمال مستودع ألاباما جاهدين لتشكيل نقابة للقوى العاملة خلال العام الماضي دون جدوى، وجدوا أنهم مقيدون بأهداف غير معقولة للإنتاجية -وهي مقاييس فرضها المديرون، وأوصت بها الخوارزميات أيضاً.

يقول أحد العاملين في منطقة شيكاغو منذ فترة طويلة، والذي طلب إخفاء هويته لأنه غير مخوّل بالحديث إلى وسائل الإعلام، إن الإرشادات النموذجية من مشرفه تتلخّص في "احصل على تقييمك، احصل على تقييمك، احصل على تقييمك". كما أن التململ لمدة ثانية أو ثانيتين في متوسط الوقت اللازم لإنجاز مهمة، يمكن أن يحدث فرقاً بين الحصول على إشادة من المدير، أو تحذير بشأن الأداء الوظيفي.

في سبتمبر الجاري، أقر المجلس التشريعي لولاية كاليفورنيا مشروع قانون، يمنح عمال المستودعات سلطة مكافحة ما يسمى بالحصص السريعة، حيث يقول مؤيدو التشريع، الذي لم يوقعه حاكم الولاية بعد، إن وتيرة العمل المتسارعة تدفع الموظفين إلى تجنب قواعد السلامة، والتخلي عن فترات الراحة.

تذكرت إحدى الموظفات، التي انضمت إلى مستودع نيفادا أثناء موجة التوظيف التي أتبعتها "أمازون" خلال الوباء، رؤية زملائها يكدّسون منتجات كثيرة على الأرفف، لدرجة أنها كانت معرضة لخطر الانهيار. وتقول العاملة التي طلبت إخفاء هويتها لأنها غير مخولة بالحديث إلى وسائل الإعلام: "عليك فعل أشياء غير آمنة لبلوغ هدفك. يبدو الأمر وكأنه ضغط مستمر".

نسيان العنصر البشري

فرضت الجهات التنظيمية في ولاية واشنطن غرامة على "أمازون" في بداية هذا العام، نظراً لسلوكها مع العاملين في مستودع مدينة دوبونت، فضلاً عن أنها وجدت صلة مباشرة بين وتيرة العمل المتسارعة والإصابات في المنشأة. ومع ذلك، تقول "أمازون"، التي تستأنف الحكم ضد الغرامة، إنها تعمل على تعديل أدواتها الخاصة بتتبع الإنتاجية حتى تتمكن من تحديد المشكلات التي يواجهها الموظفون بشكل أفضل.

كذلك، يقول عمال كثيرون، ممن يقضون يومهم في تلقي الطلبيات من المحطات الحاسوبية أو تطبيقات الهواتف الذكية، إن بيئة العمل تُشعرهم بالعزلة عن زملائهم. كما إن العاملين الميدانيين قالوا في المقابلات التي أجريت معهم، إنهم غالباً ما يكافحون لتسمية مدير منشأتهم، فضلاً عن أنهم قالوا إن هناك صعوبة في بناء العلاقات مع زملاء العمل، وهي ديناميكية تزداد سوءاً بسبب قيود ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي المفروضة للتصدي للوباء.

مثل هذه الانتقادات تُحبط شوبي، الذي يُعرف بأنه شخص اجتماعي ينصح الموظفين الجدد ببذل جهدهم في معرفة اسم كل شخص في وحدتهم.

مع ذلك، تعتقد أليسيا بولير ديفيس، المديرة التنفيذية السابقة لشركة "جنرال موتورز" والتي تدير أسطول مراكز تلبية احتياجات العملاء لدى "أمازون"، بأن المزيد من الأتمتة سيسمح للمديرين، مثل شوبي، بالتفاعل بشكل أكبر مع العمال.

وتقول ديفيس: "أود منهم تكريس معظم وقتهم في الجانب الآمن وجانب الأشخاص في العمل". وأضافت: "نموذجي الفكري، كما تعلم، يكمن في تساؤل مفاده أين يمكننا تقليل العبء؟ وذلك من أجل تبسيط الأمور وجعل عملية صنع القرار أسهل، لكن أيضاً لتقليل الأعباء المادية وجعل موظفينا يعملون على أشياء مختلفة".

يبدو أن الأشخاص الذين ساعدوا "أمازون" في بناء عملياتها يشعرون بالغضب تجاه سمعتها كمكان عمل وحشي. تقول امرأة كانت تعمل سابقاً في تكنولوجيا المستودعات لدى "أمازون"، وطلبت إخفاء هويتها لأنها لا تزال تعمل في الصناعة: "الأمر ليس أنهم قاسيين ويريدون معاملة الناس بشكل سيء، فهذا الأمر مستحيل قطعاً. بل إنه يكمن في نسيان العنصر البشري والحاجة إلى من يذكرك به عند التركيز بشدة على حل مشكلة رياضية".

اقرأ أيضاً: 190 مليار دولار تكلفة "الإرهاق الشديد" بالعمل سنوياً.. كيف نتخلص منه؟

مثلهم مثل موظفيهم، يمكن لمديري "أمازون" أن يجدوا أنفسهم تحت رحمة نظام أنشأ ليعمل بسرعة ومرونة.

في ما يتعلق بهذا الأمر، يقول أحد المشرفين على نوبات المستودعات بولاية أوريغون إنه أراد التعرف إلى مئات الأشخاص الذين يقدمون تقاريرهم إليه، لكن ضيق الوقت يجعله يهرول لإنجاز العمل طوال اليوم بدلاً من التحدث مع الموظفين بشأن الأهداف المهنية. وأوضح أن فترات الراحة "لم تكن خياراً أبداً، فالأمر كان أشبه باستخدام الحمام لموسيقى جيوباردي". كما أن المدير، الذي غادر الشركة العام الماضي وطلب عدم الإفصاح عن هويته لأنه وقع اتفاقيات سرية، أوضح أنه كان يأخذ قيلولة في سيارته من حين إلى آخر بعد نوبات العمل التي تدوم 12 ساعة، حتى يستيقظ ويتمكن من القيادة إلى المنزل.

تقول "أمازون" إن مثل هذه التجارب ليست هي النموذج السائد. في يوليو، أعلنت الشركة أنها جعلت رفاه الموظفين أحد مبادئها التوجيهية، وتعهدت بأن تصبح رب العمل الأفضل والأكثر أماناً في العالم، فضلاً عن أنها تعتزم إنفاق 1.2 مليار دولار على التدريب الوظيفي والدورات الدراسية للعاملين الميدانيين، بما في ذلك دفع رسوم الدراسة الجامعية بالكامل لبعض العاملين.

يعتقد شوبي بأن رب العمل، يمكنه القيام بما هو أفضل لتثقيف الموظفين المبتدئين بشأن الفرص التقدم والترقي في الشركة. ويقول: "ليس كل شخص يتخذ مركز الإنجاز الوظيفي. نحن بحاجة إلى أن نكون أكثر تعمقاً في كيفية رؤيتنا للناس، حتى لا يكون الأمر مثل: مرحباً إليك هذه المعدات الجديدة التي يمكننا أن نعلمك كل ما يتعلق بها إن كنت مهتماً".

الجدير بالذكر أيضاً، أن الممارسات الشبيهة بخطوط التجميع في "أمازون" أصبحت شائعة بالفعل في بقية صناعة اللوجستيات، التي تتسابق لإعادة تجهيز العمليات التي كانت معدة خصيصاً في السابق من أجل إرسال المنصات الناقلة إلى متاجر البيع بالتجزئة.

يقول غليك، المدير التنفيذي السابق للوجيستيات في "أمازون"، والذي يشغل الآن منصب كبير موظفي التكنولوجيا في شركة التخزين الناشئة "فليكس" (Flexe): "(أمازون) هي المعيار البلاتيني، ثم يأتي المعيار الفضي. إنهم متقدمون بفارق كبير، لكن ليس هناك معيار ذهبي".

تضيف شركة "ولمارت" المستودعات المؤتمتة بدرجة عالية إلى متاجرها الحالية، بينما تجرب شركة "كروغر" المستودعات الروبوتية لتسليم البقالة، وتعمل "إنستا كارت" (Instacart)، التي أسست أعمالها في توصيل الطلبيات والبقالة وسط جيش من المتسوقين المؤقتين، على بناء مستودعاتها الروبوتية الخاصة.

حتى العمليات الأصغر حجماً، مثل تلك الخاصة بشركة "كارغو كوف" (Cargo Cove)، وهي شركة تخزين ناشئة تأسست قبل أربعة أعوام وتضم 80 موظفاً، تعتقد بأنها قادرة على تكرار الكفاءة الآلية لـ"أمازون". وتخطط الشركة في الأشهر المقبلة لإدخال الروبوتات والبرمجيات التي تحدد الطلبيات تلقائياً وتراقب إنتاجية الموظفين. ويقول روبرت ماكفول، مؤسس شركة "كارغو كوف": "إنه المفهوم ذاته الذي تتبعه (أمازون). الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي القيام بعمليات معيارية بسيطة للغاية".

بالعودة إلى مستودع "بي إف آي 4"، يسير شوبي بخطى سريعة في ممر للإشراف على العمال الذين يفرغون صناديق صفراء اللون عالقة على نظام السير الناقل، ثم ينقر بأصابعه على بعض المفاتيح الخاصة بتطبيق لمعرفة في أي وقت يمكن التخلص من هذا الازدحام، وهو جزء من تقييم السلامة المنتظم الذي صُمّم لخفض عدد الإصابات في المستودعات.

لدى فرق التكنولوجيا في "أمازون" هدف طويل الأمد، يتمثل في بناء مركز مؤتمت بالكامل لتلبية احتياجات العملاء، ومن شأنه الحد من ضرورة التدخل البشري. ومع ذلك، فإن هذه الطموحات لا تزال بعيدة المنال -ما يعرقلها في الغالب هو تحدي الحصول على أذرع آلية للإمساك بالأشياء مختلفة الأحجام والملمس- فضلاً عن أن المسؤولين التنفيذيين يقولون إن أهمية العنصر البشري ستستمر في المستقبل المنظور.

في غضون ذلك، يركز مهندسو الشركة على نقل المزيد من المنتجات من كل مستودع، وهو ما يُعدّ أنباء جيدة بالنسبة إلى العملاء الذين يتوقعون تسليماً يتسم بمزيد من السرعة. لكن الاختبار الذي تواجهه "أمازون"، هو إيجاد طريقة لجعل عمالها يصدّقون أنها أنباء جيدة أيضاً.

تصنيفات

قصص قد تهمك