إعادة فتح الصين يسدي للاقتصاد العالمي دفعة يحتاجها

عودة الصين إلى الساحة بعد إلغاء سياسة "صفر كوفيد" سيعيد توازناً هاماً للاقتصاد العالمي كما قد يرفع سعر النفط

time reading iconدقائق القراءة - 7
مسافرون في مطار العاصمة بكين الدولي في 14 يناير - المصدر: بلومبرغ
مسافرون في مطار العاصمة بكين الدولي في 14 يناير - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

تلقى 269 مسافراً وصلوا إلى بانكوك في أول رحلة جوية مباشرة بين الصين وتايلندا منذ كسر قيود "صفر كوفيد" ترحيباً خاصاً جداً لدى وصولهم من شيامن في 9 يناير، فقد استقبلهم نائب رئيس وزراء البلاد وقدم لهم أساور زهرة الأوركيد.

هناك سبب وجيه لهذا الترحيب الحار، إذ تتوقع تايلندا وصول ما بين سبعة ملايين وعشرة ملايين مسافر صيني جواً هذا العام، وتأمل أن يساعد إنفاقهم على تعزيز الانتعاش الاقتصادي.

يفترض أن تحصل الاقتصادات التي تعتمد على السياحة والسلع حول العالم على فرصة انتعاش مع إعادة انفتاح الصين المفاجئة، حيث سينفق المستهلكون بعض فائض مدخراتهم التي تراكمت خلال الوباء، وهي تصل إلى 5.6 تريليون يوان (836 مليار دولار). سيزداد الطلب على السفر الجوي وحجوزات الفنادق ومقاعد الطلاب في المدارس والجامعات الأجنبية فيما يحزم كثير من الصينيين حقائبهم للسفر خارج البلاد لأول مرة منذ انتشار كوفيد-19.

هل تعول بكين على التورية بعدما سرّعت رفع قيود كوفيد؟

استقطبت تايلندا حوالي 11.5 مليون زائر أجنبي العام الماضي، وهو أقل بكثير من 40 مليون زائر في 2019 قبل الوباء، وكان ربعهم تقريباً من الصين. يُرجح أن تكون تايلندا والدول الأخرى ذات النشاط السياحي الكبير في جنوب شرق آسيا مثل سنغافورة وفيتنام أول المستفيدين، إلا أن اقتصادات متقدمة منها اليابان وبريطانيا سيطالها نصيب من ذلك.

قد يأتي حوالي نصف نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من الصين هذا العام جرّاء إعادة الفتح، وفقاً لتقديرات "ناتيكسيز" (Natixis). كما يتنبأ اقتصاديون بأن اقتصاد الصين سيتوسع بنحو 5% في 2023 ليتجاوز النمو المسجل العام الماضي وقد بلغ 3%.

اقتصاد يدعم اقتصادات

لكن انتشار كوفيد سيعيق هذا الانتعاش، فقد قال خبراء إن الصين أعلنت عن حوالي 60 ألف وفاة مرتبطة بكوفيد-19 خلال الأسابيع الخمسة الأولى من التفشي الحالي وبيّنوا أن هذا الرقم هو تورية تُغفل مئات الآلاف من العدد الحقيقي. كما يُتوقع أن يتعاظم انتشار الفيروس في المناطق الريفية بسبب عطلة رأس السنة القمرية الجديدة التي تبدأ في 22 يناير.

لكن سيعزز قرار الحكومة تخفيف قيود كوفيد-19، إلى جانب جهودها في دعم قطاع العقارات المتراجع، ثقة المستهلكين محلياً ويساعد منتجي السلع الأساسية في الخارج مثل البرازيل وتشيلي.

ارتفعت أسعار النحاس، الذي يعد مقياساً لاقتصاد الصين، إلى أعلى من 9000 دولار للطن للمرة الأولى منذ يونيو تحسباً لزيادة أعمال البناء، وقالت مجموعة "غولدمان ساكس" إن السعر قد يبلغ 11500 دولار بحلول نهاية العام. ساعد ارتفاع سعر النحاس على تعزيز بيزو التشيلي، الذي يتمتع بأفضل مسار منذ أغسطس.

الصين هي أكبر شريك تجاري لأستراليا، حيث تحصد إمدادات الحديد الخام منها. يداني مقياس أسهم التعدين الأسترالية أعلى مستوياته تاريخياً، ويُتوقع أن يؤدي تحسن العلاقات الأخير بين حكومتيهما لاستئناف التجارة في قطاعات أخرى مثل الفحم ولعودة السياح الصينين وطلاب الجامعات.

النفط يوقف سلسلة ارتفاعاته مع تقييم المستثمرين لإعادة فتح الصين

سيبلغ متوسط سعر خام برنت أكثر من 100 دولار للبرميل هذا العام، ويرجع ذلك جزئياً إلى الصين وفقاً لـ"آي ان جي غروب" (ING Groep). كما يتوقع بنك "بي إن بي باريبا" (BNP Paribas) ارتفاع مؤشر "إم اس سي آي" (MSCI) للأسواق الناشئة إلى 1110 بحلول نهاية العام، بزيادة 9%.

قال فريدريك نيومان كبير اقتصاديي آسيا لدى "إتش إس بي سي" (HSBC): "ستؤدي إعادة انفتاح الصين إلى هزة يحتاجها النمو العالمي بشدة. سيساعد تسريع إنفاق الأسر والاستثمار في الصين على توفير أرضية للتجارة العالمية فيما يتعثر الطلب في الغرب".

تحفيز وانتعاش وتضخم

قد تؤثر عوامل أخرى بخلاف كوفيد على تعافي الصين، حيث سيميل الركود الكبير في أسعار العقارات ضد انتعاش المستهلك، كما أن التحفيز الحكومي حتى الآن على الأقل مقيّد نسبياً، إلى جانب عوائق هيكلية كبيرة أخرى تواجهها، فقد بدأ عدد سكانها يتقلص في 2022 لأول مرة منذ 6 عقود.

قالت فريا بيميش كبيرة الاقتصاديين في "تي إس لومبار" (TS Lombard): "عندما يستقر وضع كوفيد بما يكفي لإعادة انفتاح الصين حقاً، في مارس تقريباً، ستخيب طفرة إعادة الانفتاح الآمال مقارنة بالطفرة التي حدثت عندما انفتحت البلدان الأثرى. كان التحفيز المحلي الصيني شاحباً مقارنةً بها كما أن مجموع الثروة التي يمكنها دعم الطلب المكبوت أصغر بكثير مما عليه حال الاقتصادات الأكثر تقدماً".

إعادة فتح الصين طوق نجاة للاقتصاد العالمي المتعثر

هناك أيضاً مسألة التضخم العالمي. تقدر بلومبرغ إيكونوميكس أن إعادة الانفتاح ستدفع بنمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني في 2023 إلى 5.1%، ما سيضيف حوالي 0.9 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي، مقارنة بما كان سيحدث في حال استمرار سياسات "صفر كوفيد". تشير التقديرات إلى أن كل تسارع بنقطة مئوية في نمو الصين يضيف 12% إلى سعر برميل النفط.

أقر محافظ بنك كوريا ري تشانغ يونغ يوم 13 يناير أنه رغم احتمال تعزيز الطلب الآتي من الصين لصادرات بلاده، إلا أنه قد يؤدي أيضاً لزيادة التضخم. قال ري للصحفيين: "إن تعافي الاقتصاد الصيني بسرعة قد يكون جيداً لميزان الحساب الجاري لكوريا، لكنه قد يتسبب في ارتفاع أسعار النفط".

أخبار جيدة للاقتصاد العالمي

رغم ذلك، سيكون انتعاش الطلب القادم من الصين موضع ترحيب لدى اقتصاد عالمي متلهف لما يدفع على التفاؤل. قالت كريستالينا جورجيفا، رئيسة صندوق النقد الدولي، إن تخلي بكين عن سياسة "صفر كوفيد" قد يكون العامل الوحيد الأهم للنمو العالمي في 2023، وسيجعل الصين مساهماً إيجابياً في متوسط النمو بحلول منتصف العام تقريباً.

يتوقع محللو "باركليز" ارتفاعاً في السياحة الخارجية مشيرين إلى بيانات من "سيتريب إنترناشونال" (Ctrip International) تُظهر ارتفاعاً في الحجوزات الدولية لعطلة رأس السنة القمرية الجديدة بنسبة 260% عن العام الماضي. يقولون إن اقتصادات مثل أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة ستكون بين المستفيدين.

نعمة أم نقمة؟ إعادة فتح اقتصاد الصين تُربك حسابات الأسواق الناشئة

قبل أن يجبر كوفيد العالم على إغلاق الحدود، عانت الصين من عجز في الخدمات بقيمة 260 مليار دولار، يُعزى 85% منه إلى السياحة الخارجية، حسب "باركليز".

وفي الوقت نفسه، سيفضي الانتعاش المحلي في الصين إلى زيادة الطلب على الواردات. تتوقع "إس آند بي غلوبال" (S&P Global) نمو مبيعات التجزئة الصينية 5.8% في 2023. قال غارسيا هيريرو من "ناتيكسيس" (Natixis): "نتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين 5.5% في 2023، وإن لم يكن مثيراً للإعجاب فإنه سيساهم بشكل كبير في النمو العالمي نظراً للنمو الضئيل المتوقع في الولايات المتحدة وأوروبا كما سيتراجع خطر حدوث ركود فيهما".

تصنيفات

قصص قد تهمك