رحلة السعودية بالاستثمار الرياضي من صافرة الترويج إلى هدف استراتيجي

استثمارات السعودية في الرياضة تتسم بوتيرة متسارعة وتتنوع من الألعاب القتالية إلى الغولف

time reading iconدقائق القراءة - 16
ياسر الرميان - المصدر: بلومبرغ
ياسر الرميان - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

الشرق

خلال الأشهر الأخيرة، تركزت أنظار العالم على المملكة العربية السعودية. لم يكن النفط هذه المرة محور الاهتمام، بل انصبّ حول استثماراتها في الرياضة، وكيفية تطورها بوتيرة متسارعة خلال 7 سنوات منذ الإعلان عن "رؤية 2030".

المتابع لموضوع الاستثمارات الرياضية السعودية، يلاحظ أمرين أساسيين. الأول يتمثل في نطاقات الاستثمارات المتنوعة، والتي تمتد من الرياضات القتالية مثل "دوري بي إف إل" (PFL)، إلى رياضة إبرام الصفقات ورجال الأعمال أي الغولف.

الأمر الثاني اللافت يتمثل في طبيعة هذه الاستثمارات وتدرّجها، إذ بدأت عملياً على شكل فعاليات لجذب النجوم العالميين إلى المملكة، لتتطور بعدها إلى تنفيذ صفقات بمليارات الدولارات، حوّلت السعودية إلى لاعب دولي بالاستثمار الرياضي.

نقطة البداية

انطلقت كرة ثلج الاستثمارات االسعودية في الرياضة رسمياً عام 2016، كإحدى مبادرات "رؤية 2030" التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وتستهدف بشكلٍ أساسي تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

بعد عامين من هذا التاريخ، تمّ إطلاق برنامج "جودة الحياة"، وتدعيمه بتمويل مخصص لتحويل المملكة إلى وجهة عالمية للفعاليات.. وكانت الباكورة استضافة بطولة العالم في الملاكمة للوزن الثقيل بين أنتوني جوشوا وآندي رويز جونيور.

عقب هذا الحدث، كرّت سبحة الفعاليات في السعودية، وأصبحت وتيرتها أكثر شمولية. وكان أبرزها تأسيس جائزة السعودية الكبرى لـ"فورمولا 1"، والتي انطلقت للمرة الأولى في 2021.

وسعت السعودية لتوسيع دائرة الاستثمار في هذا المجال تحديداً، حيث نقلت "بلومبرغ" في يناير الماضي أن "صندوق الاستثمارات العامة السعودي" درس إضافة امتياز "فورمولا 1" إلى محفظته من الاستثمارات الرياضية، لكن الصفقة تعثرت بسبب رفض "ليبرتي ميديا" بيع الامتياز.

التنس باب جديد للاستثمار

بعيداً عن السيارات، وضعت السعودية عينها على رياضة التنس. ففي 2019، أعلنت تأسيس بطولة الدرعية للتنس، وضمّت أسماء عالمية على غرار الروسي دانييل ميدفيديف الذي حاز على اللقب حينها.

في يونيو الماضي، كشف رئيس اتحاد اللاعبين المحترفين أندريا جاودينسي لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، وجود مناقشات "مثمرة" مع "صندوق الاستثمارات العامة" في ما يتعلق بضخ الأموال، وهو ما يمكنه أن يدفع عجلة التقدم في مجالات مثل الإعلام والبيانات والتكنولوجيا الخاصة بلعبة التنس، وفق تعبيره.

الرياضات القتالية

المصارعة الحرة من الأمثلة الأخرى التي يمكن التنويه بها، فبعد أن أدخلت المملكة في 2018 هذه الرياضة إلى أراضيها، من خلال توقيع عقد لإقامة مباريات لمدة 10 سنوات، أفادت تقارير في فبراير الماضي، بأن المملكة لديها توجه لشراء "شركة المصارعة العالمية للترفية (World Wrestling Entertainment)، التابعة لفينس مكمان. ولكن في أبريل، أعلنت "أنديفور" المالكة لبطولة "يو أف سي" الاستحواذ على WWE في صفقة قيّمت الشركة عند 9.3 مليار دولار، بما في ذلك الديون.

وخلال شهر أغسطس الماضي، استثمرت المملكة نحو 100 مليون دولار لشراء حصة أقلية في دوري المقاتلين المحترفين الأميركي "بي أف إل". ومن المخطط أن تصبح شركة "سرج" التي أنشأها صندوق الاستثمارات العامة بوقتٍ سابق من هذا العام، مستثمراً في دوري المقاتلين المحترفين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي بطولة جديدة سيتم إطلاقها عام 2024.

الكريكيت مجال محتمل

الكريكيت أيضاً من ضمن الرياضات التي يمكن أن تشهد دخولاً سعودياً إليها، إذ توجه المملكة أنظارها نحو اللعبة التي تُعتبر ثاني أكثر لعبة شعبية في العالم بعد كرة القدم. وسبق لرئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للكريكيت الأمير سعود بن مشعل آل سعود أن لمّح إلى هذا الاهتمام، من خلال قوله إنه يريد تحويل البلاد إلى "وجهة عالمية" لهذه اللعبة.

في هذا الإطار، توقع قائد فريق إنجلترا للكريكيت بن ستوكس أن تواصل المملكة العربية السعودية إحداث تحوّل في الرياضة. ستوكس أشار في مقابلة مع "بلومبرغ" إلى أن عالم الرياضة بأكمله يمكن أن يتغير في السنوات المقبلة. مضيفاً: "أعتقد أن السعودية على مدى السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، ستكون مثيرة للاهتمام لمعرفة أين ستأخذ الرياضة. ليس بالنسبة للكريكيت وكرة القدم والرغبي والغولف فقط؛ بل سيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف يتغير عالم الرياضة بالفعل".

وأفادت الصحيفتان الأستراليتان "سيدني مورنينغ هيرالد" و"ذا إيج" في وقت سابق من هذا العام، بأن السعودية تدرس إطلاق بطولة كريكيت مربحة خاصة بها، لجذب أكبر اللاعبين في هذه الرياضة. وأعلنت شركة النفط العملاقة "أرامكو السعودية" العام الماضي شراكة مع الهيئة العالمية التنظيمية للكريكيت، وسترعى كأس العالم المقرر أن يبدأ في أكتوبر.

مفاجأة الغولف

الصفقة الأكثرة إثارةً كانت فعلياً في الرياضة المفضلة لرجال الأعمال، أي الغولف. ففي يونيو الماضي تفاجأ العالم باتفاق "رابطة لاعبي الغولف المحترفين" (PGA Tour) ومنافستها الرئيسية "ليف غولف" (LIV Golf) المدعومة سعودياً، إلى جانب "دي بي وورلد تور" (DP World Tour)، على الاندماج، بما يخلق أكبر كيان في لعبة الغولف عالمياً، وهو ما أنهى عامين من الخلاف والاضطرابات بين الرابطة و"ليف غولف".

الصندوق السيادي السعودي سيكون في بادئ الأمر المستثمر الحصري في الكيان الجديد، إلى جانب رابطة لاعبي الغولف المحترفين و"ليف غولف" و"دي بي وورلد تور". وبعد ذلك، سيكون للصندوق الحق الحصري في زيادة حصته في الكيان الجديد، بما في ذلك حق الشفعة على أي استثمار في الكيان الجديد، وفي الرابطة و"ليف غولف" و"دي بي وورلد تور".

"ليف غولف"، التي أطلقها في 2021 "صندوق الاستثمارات العامة"، الذي يُعتبر محافظه ياسر الرميان مشجعاً كبيراً للعبة الغولف، سرعان ما استقطبت أبرز لاعبي هذه الرياضة، ووقّعت عقوداً معهم. عقب ذلك، دخلت في خلاف مع رابطة اللاعبين المحترفين، تفاقم إلى دعاوى قضائية متبادلة.

عالم كرة القدم

الإنجاز الاستثماري السعودي رياضياً، تمثل بشكلٍ أساسي باللعبة الأكثر شعبية في العالم، أي كرة القدم.

عملت المملكة خلال العامين الماضيين على إحداث قفزة نوعية في الدوري السعودي، فجذبت عشرات الأسماء العالمية على غرار كريستيانو رونالدو، ونيمار، وساديو ماني، وكريم بنزيما. وكان أحد أنديتها قريباً من ضم النجم المصري محمد صلاح مقابل مبلغ تجاوز 200 مليون دولار، وفق تقارير عدّة، لكن نادي ليفربول رفض العرض.

كما حاول أحد أندية المملكة جذب الأرجنتيني ليونيل ميسي بحزمة رواتب ضخمة، لكنه اختار الانضمام إلى "إنتر ميامي" في الولايات المتحدة بدلاً من ذلك.

الأندية السعودية أنفقت نحو 921 مليون دولار على شراء عقود لاعبين للموسم الجديد، بخلاف مئات الملايين التي تقدّمها كرواتب سنوية، لتأتي ثانياً على مستوى الإنفاق خلف الدوري الإنجليزي "البريميرليغ"، الذي أنفقت أنديته 2.4 مليار يورو (2.6 مليار دولار) لشراء لاعبين، بحسب تقديرات موقع "ترانسفير ماركت".

إضافة إلى الاستثمار في الدوري المحلي، خرجت المملكة نحو الأسواق الخارجية، وتحديداً إلى الدوري الإنجليزي. حيث استحوذ الصندوق السيادي على نادي "نيوكاسل يونايتد"، الذي وصل بعيد عملية الاستحواذ، إلى دوري أبطال أوروبا بعد غياب لنحو 20 عاماً.

ضخ مستثمرون والصندوق السعودي الذي استحوذ على الفريق الإنجليزي في أكتوبر 2021 مقابل 300 مليون جنيه إسترليني، نحو 450 مليون جنيه إسترليني (نحو 560 مليون دولار)، في النادي.

ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ورئيس مجلس إدارة نادي "نيوكاسل"، علّق سابقاً على صفقة الاستحواذ قائلاً إنه "اختيار استثماري بحت".

في يوليو الماضي، أفادت "بلومبرغ" نقلاً عن شخص مطلع بأن الصندوق يدرس شراء فريق كرة قدم كبير من إحدى بطولات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا. وتضم البطولات الخمس الكبرى الدوري الإنجليزي، والإيطالي، والإسباني، والألماني، والفرنسي.

الرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز "بريمرليغ" ريتشارد ماسترز توقع استمرار تدفق العروض المقدمة لشراء الفرق من قبل الصناديق السيادية عموماً، معتبراً أن الدوري الذي يبلغ متوسط إيرادات الأندية فيه نحو 427 مليون دولار، يُعتبر "جاذباً للاستثمار".

السعودية تبدي أيضاً اهتماماً بالنقاشات الدائرة حول مشاركة أنديتها في أهم بطولة لأندية كرة القدم في أوروبا وهو دوري أبطال أوروبا، بما يمكن أن يمثل تطوراً نوعياً على الصعد الرياضية والترويجية وحتى المالية من خلال اتساع دائرة عقود الرعاية.

رالي داكار.. والرياضات الإلكترونية

في 2020، أدخلت المملكة "رالي داكار" إلى آسيا للمرة الأولى، بعدما استضافت الحدث الأهم برياضة السيارات، والذي ستستمر إقامته في المملكة لعشر نسخ متتالية.

بعيداً عن الرياضات الجسدية، استثمرت السعودية بشكل ضخم في مجال الألعاب الإلكترونية. وزاد صندوق الاستثمارات حصته في شركة ألعاب الفيديو اليابانية "نينتندو" لتصل إلى 8.6%، فضلاً عن استحواذه على حصص تزيد على 5% في شركتي ألعاب مدرجتين في اليابان، هما "كابكوم" المطورة للعبتي "ستريت فايتر" و"ريزيدنت إيفل"، ومزودة الألعاب عبر الإنترنت "نيكسون"، بالإضافة لاستثمارات شركة "سافي" التابعة للصندوق.

كما اشترى الصندوق في 2021 حصة في شركة "أكتيفيجن بليزارد"، ناشرة لعبة "كول أوف ديوتي"؛ وتقدر قيمة الحصة بنحو 3.6 مليار دولار.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أطلق في سبتمبر 2022، الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، لجعل المملكة مركزاً عالمياً في هذا القطاع بحلول عام 2030.

وتستهدف الاستراتيجية تحقيق أثر اقتصادي بالمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار) بشكل مباشر وغير مباشر، واستحداث فرص عمل جديدة تصل إلى أكثر من 39 ألف فرصة عمل.

إدارة الدفة

من غير المرجّح أن الإنفاق السعودي على الصفقات الرياضية والفعاليات قريب من نهايته، لا بل قد يكون بمرحلة البدايات، مدعوماً بنظرة المملكة إلى الرياضة بصفتها استثماراً، يخضع لحسابات الريح والخسارة، وقطاعاً اقتصادياً مساهماً بالناتج المحلي بشكل مباشر، بدل أن يكون وسيلة للترويج والسياحة فيها بشكل حصري. ويدعم تحقيق هذا التوجه تولّي "صندوق الاستثمارات العامة" إدارة اللعبة تخطيطاً واستثماراً ومتابعةً.

إضافةً إلى ذلك، عززت المملكة الجاذبية الاستثمارية للقطاع محلياً، من خلال تشريعات صدرت أخيراً تتيح الاستثمار الخاص في الرياض. ففي يونيو الماضي، أعلن وزير الرياضة السعودي الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل أن صندوق الاستثمارات العامة سيستحوذ على حصة 75% في كل من أندية الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، التي تُعد الأربعة الكبار تاريخياً في دوري كرة القدم بالمملكة، بعد تحويلها إلى شركات. كما تمّ نقل ملكية 4 أندية أخرى إلى "أرامكو"، "هيئة تطوير بوابة الدرعية"، و"الهيئة الملكية لمحافظة العلا"، و"نيوم".

هذه الخطوة أتت في إطار مشروع الاستثمار والتخصيص، الذي يواكب "رؤية المملكة 2030"، الهادف للوصول بالدوري السعودي لكرة القدم إلى قائمة أفضل 10 دوريات في العالم، وزيادة إيرادات رابطة الدوري السعودي للمحترفين من 450 مليون ريال إلى أكثر من 1.8 مليار ريال سنوياً، إلى جانب رفع القيمة السوقية للدوري السعودي للمحترفين من 3 مليارات ريال إلى أكثر من 8 مليارات ريال بحلول عام 2030.

في الشهر نفسه، أعلن وزير الرياضة السعودي، عن إطلاق منصّة "نافس" التي يمكن من خلالها التقدم بطلبات للحصول على تراخيص إنشاء الأندية والأكاديميات والصالات الرياضية الخاصة، وذلك للمرة الأولى في المملكة.

ويهدف المشروع إلى تمكين القطاع الخاص من الاستثمار في قطاع الرياضة بالمملكة، وإتاحة الفرصة للمستثمرين المحليين والأجانب، لتأسيس وتطوير أندية وأكاديميات وصالات رياضية خاصة.

وخلال مقابلة مع "اقتصاد الشرق" على هامش المنتدى السعودي الإيطالي الذي أُقيم بمدينة ميلانو، دعا مدير قطاع الرياضة في وزارة الاستثمار السعودية باسم إبراهيم رجال الأعمال الراغبين بالاستثمار في أي رياضة كانت، حتى ولو كانت الرياضات الإلكترونية، إلى التفكير في المملكة، قائلاً إن البلاد ترحب بجميع المستثمرين، لاسيما بمجالي تطوير المنشآت والأكاديميات الرياضية.

الهدف الاستثماري

شهد القطاع الرياضي السعودي بشكلٍ عام في الأعوام الأخيرة تطوراً ملحوظاً، أسهم في نموه بنسبة 170% خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وصعود قيمته إلى 6.5 مليار ريال، وفق وزير الرياضة.

أمّا على صعيد كرة القدم تحديداً، فلا تمثل زيادة قيمة الدوري هدفاً وحيداً، إذ يبذل القيّمون على الدوري السعودي للمحترفين جهوداً كبيرة لجذب المزيد من الرعاة وتوقيع صفقات بث مع شركات إعلامية دولية.

كارلو نهرا، الرئيس التنفيذي للعمليات في الدوري السعودي للمحترفين، قال في مقابلة مع "بلومبرغ" إن مبارياته تُبث الآن في نحو 140 دولة، وزادت إيرادات البث 650% منذ انضمام البرتغالي كريستيانو رونالدو من "مانشستر يونايتد" في أواخر العام الماضي.

ومع أن عائدات البث "ليست ضخمة بما يكفي لتمويل جميع الأنشطة التي لدينا، لكنها بالتأكيد حراك مهم"، بحسب نهرا. مشيراً إلى أن نمو الدوري السعودي للمحترفين "عملية طويلة الأمد، ولا يوجد جدول زمني محدد في ما يتعلق بالرغبة في الوصول إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والمصروفات، لتبدأ بعدها مسيرة تحقيق الربحية".

نهرا قال إن "تعزيز القيمة المؤسسية للدوري والأندية هو بالتأكيد في صميم ما نقوم به". وأضاف: "إذا كان ذلك يجعل الأندية والدوري أصولاً قابلة للاستثمار؛ فسنكون حينها قد حققنا الهدف".

وتمتد هذه الرؤية الاستثمارية لتطال قطاعات الرياضة في المنطقة، حيث أطلق صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في أغسطس الماضي، شركة "سرج" للاستثمارات الرياضية، بهدف تمكين قطاع الرياضة في المملكة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز على الاستثمار في الأصول الرياضية المحلية والإقليمية التي تتمتع بإمكانات النمو.

تصنيفات

قصص قد تهمك