ما هي سيناريوهات النزاع بين غيانا وفنزويلا على ثروات النفط؟

الخطر العسكري والقلق من "المرض الهولندي" يهددان مستقبل أسرع مناطق النفط نمواً بالعالم

time reading iconدقائق القراءة - 7
إمرأة تمر أمام لوحة جدارية كُتب عليها \"إيسيكويبو لنا\" في إشارة إلى المنطقة المتنازع عليها، وذلك يوم التصويت على الاستفتاء في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، الأحد في 3 ديسمبر 2023 - المصدر: بلومبرغ
إمرأة تمر أمام لوحة جدارية كُتب عليها "إيسيكويبو لنا" في إشارة إلى المنطقة المتنازع عليها، وذلك يوم التصويت على الاستفتاء في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، الأحد في 3 ديسمبر 2023 - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

الشرق

يهدد التقسيم غيانا الدولة الأميركية الجنوبية، فبعد قرنين من النزاع الحدودي بينها وبين فنزويلا على أحقية ضم إقليم إيسيكويبو الغني بالنفط، من دون أن يتوسع الصراع أبعد من أروقة المنظمات والجمعيات والمحاكم الدولية، فاجأ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الجميع بقراره الرامي إلى إمكانية ضم الإقليم، ملوحاً باستخدام القوة العسكرية.

غيانا تعزز إجراءاتها الأمنية لحماية أراضيها من فنزويلا

ما أهمية غيانا؟

خرجت غيانا إلى الخريطة العالمية منذ بداية عام 2015، عقب اكتشاف شركة "إيكسون موبيل" الأميركية كميات كبيرة من احتياطيات النفط والغاز قرب سواحلها، في وقت يقدر البنك الدولي احتياطيات البلاد بنحو 11.2 مليار برميل من النفط، وهو رقم قابل للزيادة، بالإضافة الى نحو 17 مليار قدم مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي. في العام الماضي، شكل النفط ما يقرب من 88% من إجمالي صادرات البلاد.

هذه الاحتياطات بالإضافة إلى حجم الإنتاج الذي يُتوقع أن يصل إلى أكثر من مليون برميل يومياً بحلول عام 2027 وفقاً لشركة "بي إم آي" (BMI) من 390 ألف برميل حالياً، قد يجعل من البلاد واحدة من أكثر الدول نمواً خلال العامين الجاري والمقبل مع بدء تشغيل حقول نفط جديدة، ومن أغنى الدول من حيث الناتج المحلي الإجمالي الفردي، نظراً إلى أن عدد سكانها يصل إلى 800 ألف نسمة فقط.

غيانا تتصدر النمو العالمي هذا العام بتوقعات تفوق 38%

لماذا القلق من لعنة "المرض الهولندي"؟

رأى بيدرو غويدز، خبير الاقتصاد والعلاقات الدولية، أنه يمكن للموارد الطبيعية الوفيرة أن تؤدي إلى نمو اقتصادي ضخم. ولكن على رغم ذلك، فإن أوضاع العديد من البلدان النامية التي تجد نفسها أمام موارد ضخمة، تتحول من سيئ الى أسوأ مع اقتصادات وديمقراطيات أضعف، وهو ما يطلق عليه "لعنة الموارد" أو "المرض الهولندي"، التي تصيب العديد من البلدان في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية وخارجها.

أضاف غويدز في تصريحات لـ"الشرق"، أن الاتفاقيات التي وقّعتها الإدارة السابقة في غيانا عام 2016 لتقاسم أرباح النفط مع شركة "إكسون موبيل" بنسبة 50 - 50 تؤيد نظريته، فبالنسبة لغيانا تذهب 75% من الإيرادات أولاً لتغطية تكاليف شركات النفط، وهذا ما يبقي للبلاد ما يصل إلى 12.5% فقط من الإنتاج، منبهاً إلى أن نصيب البلاد من الإنتاج سيرتفع عندما تنخفض تكاليف التطوير، وهو ما قد يستغرق عدّة سنوات.

لا تحتاج غيانا إلى النظر بعيداً لترى أثر مثل هذه الأزمات، إذ يمثل النفط منذ فترة طويلة أكثر من 75% من إجمالي صادرات فنزويلا، عندما انخفضت أسعار النفط في الثمانينيات. في عام 2014، تدهور اقتصاد البلاد، ووصل التضخم إلى أكثر من 65000% في عام 2019، نظراً لاعتماد الاقتصاد الفنزويلي بشكل أساسي على النفط.

لماذا ظهرت على ساحة الأخبار؟

شهدت قارة أميركا الجنوبية في الأسابيع الماضية حراكاً سياسياً وعسكرياً غير اعتيادي، بعد قرار الرئيس الفنزويلي الرامي إلى استعادة الإقليم باستخدام القوة العسكرية.

على الجانب الغياني، تحرك الرئيس عرفان علي باتجاه حلفائه في بريطانيا والولايات المتحدة، التي ردت على الفور بإعلانها من خلال سفارتها في جورج تاون عن إجراء مناورات جوية مشتركة مع غيانا، في إطار رفع الجاهزية والعمليات الروتينية لتعزيز الشراكة الأمنية مع حليفتها.

تصاعدت المخاوف من تفجر النزاع بعد استفتاء مثير للجدل أجرته الحكومة الفنزويلية في 3 ديسمبر بشأن مصير إقليم إيسيكويبو.

جاءت النتيجة النهائية لتعكس تماهي رغبة الفنزويليين الشعبية مع المساعي الرسمية للدولة في ضم الإقليم بنسبة تأييد وصلت الـ98%، وبناء على هذه النتيجة اتخذت الدولة الفنزويلية قراراً بتجنيس كل سكان الإقليم، واعتبارهم فنزويليين، واعتبار الإقليم ولاية من ولايات الدولة الفنزويلية رسمياً، وتم إضافتها إلى خريطة البلاد الرسمية.

فنزويلا تستنفر المشاعر القومية في نزاعها مع غيانا على النفط

ما هي جذور الصراع؟

النزاع الحدودي يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، عندما احتجت فنزويلا المستقلة حديثاً في ذلك الوقت على أن المستعمرة المجاورة (غيانا البريطانية) كانت تتعدى على أراضيها عبر إعادة رسم الخرائط بحدود أبعد بكثير إلى الغرب من تلك التي كانت موجودة عندما كانت فنزويلا تحت الحكم الإسباني، وهي حجة أدت في 1887 إلى قطع مؤقت للعلاقات الدبلوماسية بين فنزويلا وبريطانيا.

في عام 1899 جرى تحكيم دولي ضم قضاة روس وإنكليز وأميركيين منحوا أحقية ملكية هذه الأراضي لبريطانيا، ووافقت فنزويلا آنذاك على نتيجة التحكيم.

أشار تشيفيجي غونزاليس، المتخصص بالتاريخ الفنزويلي، أنه مع مرور الوقت استطاعت فنزويلا مراجعة شهادات بعض القضاة، حيث تبين أن التحكيم كان خدعة غير منصفة.

في 1966 عشية إعلان استقلال غيانا عقد اتفاق في جنيف بين بريطانيا وفنزويلا ألغي خلاله تحكيم عام 1899 وتم وضع آلية لحل النزاع بشكل عادل للطرفين. واستمرت هذه المطالبات لسنوات كثيرة حتى أبريل 2023 حيث قررت محكمة العدل الدولية أنها مؤهلة لإعطاء حكم في الملف.

رئيسا فنزويلا وغيانا يجتمعان لمناقشة الخلاف الحدودي

ما حلول النزاع؟

اعتبر غونزاليس أن أي حل لهذا الملف لن يكون سهلاً خصوصاً مع تزايد نفوذ الولايات المتحدة في غيانا، إذ بسطت سيطرتها على المناطق النفطية و تسعى لبناء قاعدة عسكرية أيضاً. تُضاف هذه العوامل إلى العداء القديم بين البلدين لتزيد من التوترات حول إقليم إيسيكويبو.

تابع غونزاليس أن الرئيسين بايدن ومادورو يتحركان وفي أفقهما السياسي انتخاباتهما الرئاسية المزمع إجراؤها عام 2024، من جهة بايدن لا يرغب بأي شكل في تزويد نظام مادورو بمزيد من حقول النفط والطاقة، مما سيعرضه لانتقادات كبيرة هو بغنى عنها، لذلك قرر المشاركة بمناورات عسكرية بالتنسيق مع غيانا وفي الوقت ذاته طالب دولاً ذات علاقات جيدة مع كركاس وعلى رأسها البرازيل بالتدخل لتهدئة الموقف وفرض التدابير الكفيلة بتحييد أي عمل عسكري.

أما مادورو فنجح من خلال إثارة مسألة الأراضي المتنازع عليها في رص الصفوف بمسألة تتعلق بالوحدة الوطنية، مما أدى إلى انقسام المعارضة وإرباكها وجعلها تلتف حول زعامته لأول مرة منذ وصوله للسلطة، وهو لن يتنازل عن هذا الإنجاز قبل ترجمته في صناديق الاقتراع.

تصنيفات

قصص قد تهمك