كيف استغلت شركة إقراض جائر أموال ملياردير عصامي؟

شركة "دلتا بريدج فَندينغ" متهمة بنهب شركات صغيرة عبر جمع فوائد غير قانونية فاقت مليار دولار

ليون كوبرمان داخل منزله في بوكا راتون بولاية فلوريدا خلال 2022
ليون كوبرمان داخل منزله في بوكا راتون بولاية فلوريدا خلال 2022 غيتي إيمجز/ واشنطن بوست
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

هذه قصة رجلين على طرفي نقيض في وول ستريت. أحدهما ديفيد غلاس، الذي ألهم قصة فيلم (Boiler Room) عن احتيال في تداول الأسهم، ويعني اسمه بالإنكليزية نشاطاً لتسويق استثمارات مشكوك بجدواها عبر اتصالات بمستثمرين غافلين.

تفادى غلاس السجن في قضية التداول بناءً على معلومات داخلية بأنه وافق على حمل جهاز تنصت، ثم أسس نشاطاً على غرار المذكور في اسم الفيلم. الآن شركته متهمة بنهب شركات صغيرة على نطاق واسع، وبجمع فوائد غير قانونية زادت عن مليار دولار على مدى عقد.

أما الثاني فهو ليون كوبرمان، وقد شق طريقه ليشغل منصباً رفيعاً في "غولدمان ساكس" ثم أسس صندوق تحوط جعله مليارديراً. أصبح كوبرمان رائداً معروفاً في مجال العمل الخيري، وتجد اسمه على مباني مستشفيات في نيوجيرسي وفلوريدا، ويصف كوبرمان نفسه بأنه "رأسمالي ذو قلب".

لا يوجد ما يدل على تعارف بينهما، لكنهما مرتبطان بسوق الائتمان الخاص، وهي من أكثر قطاعات وول ستريت جاذبيةً. دفع اللهاث وراء العوائد الأعلى المؤسسات والأثرياء لضخ المال في قروض خارج النظام المصرفي. سواء علم المستثمرون بذلك أم لا، فقد وجد جزء من تلك الأموال سبيله إلى أنشطة تستغل من تشتد حاجته لقرض.

إقراض جائر

في حالة كوبرمان، استثمرت مؤسسته الخيرية أكثر من 100 مليون دولار لدى "بيسبوينت كابيتال" (Basepoint Capital)، وهي شركة ائتمان خاص يديرها أحد تلاميذه. أرسلت "بيسبوينت" بدورها جانباً من المبلغ إلى شركة الإقراض "دلتا بريدج فَندينغ" (Delta Bridge Funding) في نيوجيرسي. بيّن مكتب المدعية العامة في نيويورك أن "دلتا بريدج فَندينغ" هي أحدث نسخة من أنشطة غلاس التي سماها مكتب المدعية العامة "نشاطاً واسعاً للإقراض الجائر".

ظهرت الصلة بين الرجلين في مارس، حين رفعت المدعية العامة في نيويورك ليتيشا جيمس دعوى ضد "دلتا بريدج فَندينغ" وشركات أخرى تطالبها بتعويض قدره 1.4 مليار دولار بسبب مزاعم الإقراض غير القانوني بأسعار فائدة تبلغ 820% سنوياً. لم تطل الاتهامات شركة "بيسبوينت"، ولم يُذكر اسم كوبرمان في القضية.

اقرأ أيضاً: 4 مصرفيين يواجهون السجن لاتهامهم بالاحتيال الضريبي في قضية "كوم-إكس"

بعدما تواصلنا معه هاتفياً في منزله في فلوريدا، قال كوبرمان إنه لا يعلم أي شيء عن "دلتا بريدج فَندينغ" ولم يسمع عن القضية قبل اتصال "بلومبرغ بزنسويك". بيّن كوبرمان أنه مجرد مستثمر واحد بين عدة مستثمرين في "بيسبوينت"، وأنه لا دور له في تحديد الشركات التي تدعمها. قال: "أتمنى لكم التوفيق. أنا لا أعلم شيئاً عن الأمر".

قالت "بيسبوينت" في بيان: "نثق في جهودنا لنضمن جودة برامج الامتثال التي تطبقها الأطراف المرتبطة معنا". كما قال أحد محاميي "دلتا بريدج فَندينغ" إن لديها "التزام موثّق بأن تكون رائدةً في الامتثال على مستوى القطاع". لم يرد غلاس على طلبات بالتعليق.

رائد عمل خيري

تعهّد كوبرمان، 80 عاماً، بأن يتبرع بأكثر من 90% من ثروته التي تُقدّر بـ2.7 مليار دولار، وفقاً لمؤشر بلومبرغ للمليارديرات. في مقال يستعرض قصة حياته نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في 2022، عبّر كوبرمان عن حيرته في- ما يخص أسباب تعرض مليارديرات من أمثاله لانتقادات علنية، وذلك لأن ثروته هي ثمرة عمل دؤوب.

ظهر كوبرمان على قناة "سي إن بي سي" (CNBC) العام الماضي للترويج لمذكراته التي قال إنه كتبها ليتعلم الشباب، مثل أحفاده، مزايا الرأسمالية. غالب كوبرمان دموعه فيما تطرق لنهوضه من أرضية متواضعة.

اقرأ أيضاً: أميركا تحاكم مؤسس "يو إس آي" بدعوى الاحتيال المالي

قال: "لقد جنيت أموالاً طائلة، وأنا الآن أتبرع بها كلها"، ثم صمت ليستعيد جأشه.

رغم أنه توقف عن إدارة الأموال لصالح آخرين منذ سنوات، ما يزال كوبرمان يهتم بثروته وبثروة "ليون آند توبي كوبرمان فاميلي فاونديشن" (Leon and Toby Cooperman Family Foundation). كان أكثر من ربع أصول المؤسسة، أي ما يبلغ نحو 143 مليون دولار، مستثمرة في "بيسبوينت" أو صناديقها حتى يناير 2022، وفقاً لأحدث إقرار ضريبي مكتمل. كانت نحو تسعة ملايين دولار من تلك في صناديق تدعم "دلتا بريدج فَندينغ".

تحقيق في ممارسات الإقراض

جاء هذا التداخل بين التمويل الراقي والوضيع في 2021. كانت شركة غلاس الأصلية، "يلوستون كابيتال" (Yellowstone Capital)، في مأزق، وكانت لجنة التجارة الاتحادية والمدعون العامون في ولايتين يحققون في ممارسات الإقراض بالشركة. هددت شركة من كوريا الجنوبية بسحب خط الائتمان الذي كانت تمده لـ"يلوستون"، وجزء من سبب ذلك كان التدقيق في الشركة، وهذا كان سيعني نهاية نشاط الشركة.

بزغت "يلوستون" من رحم الأزمة المالية قبل عقد. كانت نشاطات صغيرة مثل مطاعم البيتزا الصغيرة وصالونات الحلاقة تواجه صعوبات في الاقتراض من البنوك. لذا نشأ قطاع جديد يقدم سُلفاً نقدية للتجار، وكان مسؤولو المبيعات فيه يعرضون أموالاً لآجال قصيرة بأسعار فائدة سنوية تبلغ 300% أو أكثر.

اقرأ أيضاً: تطبيقات الإقراض الاحتيالية تحصد مزيداً من الضحايا في آسيا

كانت المعاملات الورقية التي تحكم هذه الصفقات مصممة بحيث تلتف على قوانين مكافحة الربا في الولايات، وذلك بتصنيف المعاملات على أنها سُلف على الإيرادات المستقبلية وليست قروضاً.

في جو بعيد عن الرقابة القانونية، اجتذب القطاع أشخاصاً مؤهلاتهم لا تكاد تلفت انتباه مسؤول توظيف لدى "غولدمان ساكس"، منهم محتالو أسهم مدانون من أمثال غلاس، وبائعو رهن عقاري ممنوعون من العمل في القطاع بسبب عمليات الاحتيال، بل وحتى أناس لهم صلات بالمافيا.

أغرقت "يلوستون" وأمثالها نظام المحاكم في نيويورك بكثير من دعاوى تحصيل مشكوك بأمرها، لدرجة أن الولاية اضطرت لتغيير قوانينها لوضع حد لهذه الدعاوى.

نشاط غير قانوني

تسببت أسعار الفائدة المفرطة وأساليب التحصيل الجريئة، بتوريط أعداد كبيرة من مقترضي "يلوستون" في دوامات ديون. قال مؤسس "سيتي بيكري" (City Bakery)، وهو مخبز في مانهاتن يشتهر بإنتاج كرواسون بريتزل، في وثيقة مودعة لدى المحكمة: "كان السبيل الوحيد لنتمكن من سداد المدفوعات هو الاقتراض، وكان ذلك من (يلوستون) نفسها في كثير من الأحيان".

حصل المخبز على سبع سُلف نقدية من "يلوستون" قبل أن يغلق أبوابه.

ذهب سبّاك يعمل في فرجينيا ممن استدانوا من "يلستون" إلى غابة بجواره وحاول الانتحار بعدما قال له مسؤول تنفيذي بالشركة إن المهرب الوحيد من ديونه الثقيلة كان إما الموت أو الفوز باليانصيب.

كان عمل "يلوستون" على ما يرام من ناحية إدارتها في جيرسي سيتي، وكانت ذروة إقراضها تبلغ أكثر من نصف مليار دولار سنوياً. في رسالة نصية حصلت عليها المدعية العامة، أشارت تقديرات مسؤول تنفيذي إلى أن هناك ما لا يقل عن 30 شخصاً أصبحوا من أصحاب الملايين بفضل الشركة.

اقرأ أيضاً: محكمة أميركية تدين مطوراً عقارياً باحتيال ضريبي بـ1.3 مليار دولار

لكن حجم "يلوستون" جعلها هدفاً واضحاً لجهات إنفاذ القانون. كان المحققون يبحثون في ما إذا كانت الشركة تفرض على التجار بشكل ممنهج أن يدفعوا ما يفوق ديونهم، وما إذا كانت الصفقات نفسها قروضاً مموهةً، وهو ما يجعل أسعار الفائدة المذهلة غير قانونية.

وفقاً لدعوى المدعية العامة في نيويورك، وضع غلاس خطة بأن تؤسس مجموعة من مسؤولي "يلوستون" التنفيذيين، لا تشمل غلاس ولا رئيسها التنفيذي أيزاك ستيرن، شركةً جديدةً تتولى أصول "يلوستون" وموظفيها، وتواصل العمليات تحت اسم جديد هو "دلتا بريدج فَندينغ"، فيما توقف "يلوستون" نشاطها.

ليتيشا جيمس، المدعية العامة في نيويورك، رفعت دعوى قضائية تطالب بتعويض قدره 1.4 مليار دولار ضد شركات تقديم السُلف النقدية للتجار في مارس 2024
ليتيشا جيمس، المدعية العامة في نيويورك، رفعت دعوى قضائية تطالب بتعويض قدره 1.4 مليار دولار ضد شركات تقديم السُلف النقدية للتجار في مارس 2024 المصدر: غيتي إيمجز

التحايل على القانون

قالت المدعية العامة إن الصفقة كانت مصممة للتحايل على الدائنين والمحققين وذلك من خلال ترك شركة أغلقت أبوابها ولها أصول ضئيلة. لكن غلاس زعم عكس ذلك في إحدى إفاداته، إذ أشار إلى أنها صُممت لتنمي ما تبقّى بغرض سداد ديونها.

كانت "دلتا بريدج فَندينغ" بحاجة إلى خط ائتمان لتمويل عملياتها كي تكتمل الخطة، وهنا جاء دور "بيسبوينت".

برزت "بيسبوينت" مثلها مثل "يلوستون" بعد الأزمة المالية من أجل توفير الائتمان في القطاعات التي كانت البنوك تنسحب منها. لكن بدلاً من أن تقدم القروض مباشرة، كانت "بيسبوينت" تُقدّم تمويلاً لمقرضين آخرين من مكاتبها التي تطل على مركز روكفلر في مانهاتن.

اقرأ أيضاً: شركة استحواذ خاصة مرتبطة بترمب تسوي اتهامات بالاحتيال مع "لجنة الأوراق المالية"

يسهل أن ترى لماذا تستطيع "بيسبوينت" أن تفرض على العملاء أسعار فائدة أعلى مما قد يفرضه بنك عادي، ولِمَ قد يواجه هؤلاء العملاء متاعب في الحصول على تمويل من مكان آخر.

بعض هؤلاء العملاء هم شركات السُلف النقدية، والبعض الآخر هم شركات إقراض حتى يوم دفع الرواتب، والتي تتحايل على قوانين مكافحة الربا باستخدام العلاقات الأسرية. كما أن بعض شركات الإقراض هذه تقدم قروضاً مقابل سندات ملكية السيارات أو تدير متاجر رهن.

تضم الشركات المتعاملة مع "بيسبوينت" شركة يديرها مهرّب مدان، وأخرى يديرها شخص تسعى هيئة الأوراق المالية والبورصات لحظر تداوله للأسهم الرخيصة. حكمت المحكمة على عميل سابق للشركة بدفع 157 مليون دولار بعدما خلص القاضي إلى أنه خدع الزبائن وانتهك قوانين مكافحة الربا في 12 ولاية.

علاقة كوبرمان

تعود العلاقة بين كوبرمان و"بيسبوينت" إلى 2015 حين استثمر صندوق التحوط الخاص به "أوميغا أدفايزرز" (Omega Advisors) في إحدى صفقات الشركة. في 2020، تولى إريك شنايدر، أحد مساعدي كوبرمان السابقين في "أوميغا أدفايزرز"، إدارة "بيسبوينت".

دمج شنايدر الشركة لاحقاً مع "أدفانتدج إنشورانس" (Advantage Insurance)، ومقرها بورتوريكو، وكوّن بذلك مجموعة مالية قيمة أصولها ستة مليارات دولار. ساهم كوبرمان في تمويل الصفقة وأصبح أحد مالكي المجموعة، وفقاً لشخص على دراية مباشرة بالصفقة طلب عدم ذكر اسمه لأن هوية مالكي "أدفانتدج" غير معلنة. امتنع شنايدر عن التعليق.

اقرأ أيضاً: القضاء الأميركي يدين مؤسسة ترمب في قضية احتيال ضريبي

في تلك الأثناء، آتت خطة غلاس ثمارها. في يوم جمعة من مايو 2021، أغلقت "يلوستون" أبوابها رسمياً، وما إن حل يوم الاثنين حتى عاد الموظفون أنفسهم إلى المكتب عينه، الذي أصبح يحمل اسم "دلتا بريدج فَندينغ".

قالت المدعية العامة إن الإقراض غير القانوني استمر بعدما تغير اسم الشركة، وإن ستيرن وغلاس ظلا على صلة بها. تفيد الدعوى أن "(دلتا بريدج فَندينغ) هي شركة (يلوستون) ذاتها" ولكنها تحمل "اسماً مختلفاً".

كتب لي فارتان، محامي "دلتا بريدج فَندينغ"، في رسالة أرسلها بالبريد الإلكتروني أن هذا ليس صحيحاً، إذ قال: "(دلتا بريدج فَندينغ) هي شركة مستقلة لم ينخرط فيها أبداً أيزاك ستيرن أو ديفيد غلاس. مؤسف أن المدعية العامة قررت أن تنشر عناوين أخبار مضللة بدل أن تقول الحقيقة حول التزامنا الموثّق بأن نكون شركة رائدة في الامتثال على مستوى القطاع، وهو ما نتطلع لإثباته في المحكمة".

بعد أشهر، ساعدت "بيسبوينت" قيادات "دلتا بريدج فَندينغ" الجديدة على الحصول على 25 مليون دولار لتسدد ديناً لـ"يلوستون". ذكرت "بيسبوينت" في بعض الإفصاحات أن الصناديق التي تمول "دلتا بريدج فَندينغ" جمعت 229 مليون دولار من المستثمرين. ويشمل ذلك استثماراً حجمه تسعة ملايين دولار قالت مؤسسة كوبرمان إنها أبقت عليه منذ 2022. كوبرمان غير ملزم بالإفصاح عن أي استثمارات لا تخص المؤسسة.

استثمار خيري

تستهدف الدعوى المرفوعة في محكمة الولاية في مانهاتن، إلى جانب "دلتا بريدج فَندينغ"، شركة "يلوستون" و10 مسؤولين تنفيذيين منهم غلاس وستيرن. بعد خمسة أيام من رفع الدعوى، أبلغت "دلتا بريدج فَندينغ" شركاءها التجاريين أنها ستوقف القروض الجديدة، ثم فصلت عشرات الموظفين في اليوم التالي.

ذكرت "بيسبوينت" أنها لم تكن على علم بما يحدث في "دلتا بريدج فَندينغ". كتبت "بيسبوينت" في بيان: "لم نكن سنقدم التمويل لو كنا نعلم أن (دلتا بريدج فَندينغ) كانت تعتزم سراً (أو غير ذلك) أن تُشرك غلاس أو ستيرن، أو أن (دلتا بريدج فَندينغ) لم تكن تنوي أن تتّبع شروط اتفاقيات السُلف النقدية للتجار التي تمتثل للقانون وسياسات التسوية المكتوبة".

قال شخصان في قطاع الُسلف النقدية ممن حصلوا على تمويل من "بيسبوينت"، وطلبا عدم ذكر اسميهما نظراً لسرية الصفقات، إنهما دفعا لـ"بيسبوينت" عائداً سنوياً بلغ 15% أو أكثر. وقد دفعت "بيسبوينت" لمستثمريها نحو 10% سنوياً على بعض الصفقات، وفقاً لإفصاحات.

سبق أن قال كوبرمان إنه يواصل الاستثمار فقط ليتمكن من جني أموال إضافية ليتبرع بها. في خطاباته ومقابلاته، يحبذ كوبرمان أن يروي قصصاً عن نشأته في حيّ برونكس بمدينة نيويورك الذي وُلد فيه لمهاجرَين بولنديين. ارتاد كوبرمان مدرسة عامة هناك، وعمل أثناء مراهقته في وظائف دفعت له أجراً زهيداً بلغ 55 سنتاً في الساعة.

قال كوبرمان في إحدى المرات: "هذا هو الحلم الأميركي، أن تبدأ من الصفر وتجني كثيراً من المال وتشارك ذلك النجاح مع آخرين أقل حظاً منك".