تغيُّر المناخ يُهدد البشرية بالانقراض..فكيف نواجهه؟

منزل مهجور في مدينة يابوكوا في بورتوريكو دمَّره إعصار ماريا في 17 سبتمبر 2018
منزل مهجور في مدينة يابوكوا في بورتوريكو دمَّره إعصار ماريا في 17 سبتمبر 2018 المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

في نهاية 2016، وقبل انهيار شبكة الكهرباء في بورتوريكو، اندلعت حرائق هائلة وصلت إلى القطب الشمالي، كما اجتاحت فيضانات مدمرة ولاية كارولينا الشمالية، وأغرقت جزءاً كبيراً من الولاية.

وأمام ذلك نشر "جوناثان غوسلينغ" (Jonathan Gosling)، بحثاً أكاديمياً، طرح فيه تساؤلاً مُلحَّاً، ألا وهو: كيف يمكننا الاستعداد لمواجهة العواقب الناجمة عن الكوارث المناخية التي تجتاح كوكبنا؟، قبل أن يضيف: "تبيَّن أن بعض السيناريوهات الأكثر تطرُّفاً فيما يتعلق بالأزمة البيئية صحيحة، فسنضطر في الغرب إلى مواجهة مثل هذه التحولات".

الاحتباس الحراري يُهدِّد باضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية

وبعد مرور عامين تقريباً على هذه الكوارث، وفي حين لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تواجه سلسلة متتابعة جديدة وشديدة من الأعاصير والحرائق؛ بدأ المزيد من الأكاديميين التطرق إلى الأسئلة والمواضيع التي كانت سابقاً، تُنسب للجماعات التي تعتقد بقرب نهاية العالم.

ولعل من هذه الأسئلة: هل بإمكان المجتمع المعاصر الاستعداد لعالم يُهدِّد الاحتباس الحراري فيه باضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية على نطاق واسع؟ ما السياسات والآثار الاجتماعية المترتبة على الاضطرابات المناخية السريعة والضارة معظم الأحيان؟

وتدعو هذه المجموعة من الباحثين- الذين يُعدُّون أكثر تشاؤماً من معظم الأكاديميين الآخرين بشأن وتيرة تغيُّر المناخ- إلى ضرورة إجراء سلسلة من التغييرات في البنية التحتية، والزراعة، وآليات استخدام الأراضي، والعلاقات الدولية، والتوقُّعات بشأن جميع الجوانب الحياتية الأخرى، إذ تهدف هذه التغييرات إلى المساعدة في التعامل مع الآثار الكارثية التي يسببها التغيُّر في الأنماط المناخية.

مزرعة خنازير في نيو بيرن بولاية نورث كارولاينا محاطة بمياه الفيضان، في 21 سبتمبر 2018
مزرعة خنازير في نيو بيرن بولاية نورث كارولاينا محاطة بمياه الفيضان، في 21 سبتمبر 2018 المصدر: بلومبرغ

تكلفة باهظة

يشير مصطلح "التكيُّف" في مفهوم تغير المناخ إلى الوسائل التي يمكن من خلالها تخفيف حدة الآثار المباشرة للظروف المناخية القاسية، مثل بناء الأسوار البحرية، والمحافظة على المياه الصالحة للشرب، وتحديث الأنظمة، والقوانين المتعلقة بالبناء، وتوفير المساعدة لمزيد من الناس للحصول على تأمين ضد الكوارث.

لكن المشكلة أنَّ تكاليف هذه الوسائل باهظة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، تدرس الحكومة الأمريكية خطة بناء سور بحري بطول 8 كم بتكلفة تصل إلى 20 مليار دولار بهدف حماية مدينة نيويورك من العواصف، في حين تخطِّط ولاية لويزيانا لإنفاق 50 مليار دولار لإنقاذ أجزاء من سواحلها من الغرق. ووفقاً للأمم المتحدة، فإنَّ الدول الفقيرة قد تحتاج إلى 500 مليار دولار سنوياً لتتمكن من التكيُّف مع الظروف المناخية.

ويتطرق بعض الباحثين إلى إجراءات ووسائل أعمق من هذه، فهم يدعون إلى وضع "خطَّة تكيُّف عميق" لمواجهة الأزمة المناخية. وبالنسبة إلى "غوسلينغ"، فإنَّ هذه الخطة تعني عدم اقتصار التكيُّف على الحد من انبعاثات الكربون بشكلٍ سريع، وإنشاء بنية تحتية مقاومة العواصف فحسب، بل بناء أنظمة مياه وشبكات اتصالات قادرة على أن تبقى صامدة في حال انهيار شبكة الكهرباء أيضاً، والبحث عن طرق لتحقيق الأمن الغذائي عن طريق حماية الحشرات المُلقَّحة.

يذكر أن ما يحفِّز التوجه نحو هذه الإجراءات والوسائل الوقائية، هو العلامات والإشارات البيئية، التي تدلُّ على أنَّ المشكلة تتفاقم بوتيرة سريعة للغاية. وفي دراسة نُشرت في صيف 2018 حول أعمال "الأكاديمية الوطنية للعلوم" (National Academy of Sciences)، أشار 16 من علماء المناخ من جميع أنحاء العالم- إلى أنَّ ظاهرة البيت الزجاجي "الدفيئة" قد أصبحت أقرب بكثير مما كان يُعتقد في السابق، ويقصد بهذه الظاهرة ارتفاع درجات حرارة الأرض بمعدل 4 إلى 5 درجات مئوية عن معدلها الطبيعي، وما يتضمنه ذلك من "التحدِّيات الخطيرة التي تهدد استمرارية البشرية".

ويصف "جيم بيندل" (Jem Bendell)- وهو بروفيسور في "جامعة كَمبريا" (University of Cumbria)- مصطلح "التكيُّف العميق" (Deep Adaptation)، الذي يقوم بالترويج له، بأنه يعد مزيجاً من التغييرات الملموسة، التي تشمل الابتعاد عن السواحل، وإغلاق المنشآت الصناعية الملوَّثة للمناخ، والتخطيط لترشيد استهلاك الأغذية، والسماح للمناطق البيئية باستعادة غلافها النباتي (مع أخذ التغيرات الثقافية بعين الاعتبار)، والتخلي عن التوقعات لبعض أنماط الاستهلاك، والاعتماد أكثر على الأشخاص من حولنا.

وكتب "بيندل" في بحث نشره على مدونته في شهر يوليو 2018، بعد أن رفضت مجلة أكاديمية أن تقوم بنشره: "تشير الأدلة- التي بين أيدينا- إلى أننا سنواجه مستويات مدمِّرة يصعب السيطرة عليها لتغير المناخ، ستؤدي إلى انتشار المجاعة والدمار والهجرة والأمراض والحروب. لذا فإنَّ علينا تحديد التدابير المتاحة للتكيّف".

رجل يجمع الحطب من على سد جاف في مقاطعة جاوة الغربية في إندونيسيا في 15 سبتمبر 2018
رجل يجمع الحطب من على سد جاف في مقاطعة جاوة الغربية في إندونيسيا في 15 سبتمبر 2018 المصدر: غيتي إيميجز

ربما يميل الكثيرون إلى رفض أفكار "بيندل" و"غوسلينغ" واعتبارها متطرفة؛ لكنهما ليسا الوحيدين اللذين كتبا أبحاثاً حول إمكانية حدوث صدمات سياسية واجتماعية هائلة بسبب تغير المناخ، وضرورة الاستعداد جيداً لهذه الصدمات.

ويقول بيندل: "إنه تلقَّى بعد نشره البحث اتصالات عديدة من الأكاديميين الذين يتناولون الأسئلة ذاتها، ومن هنا تمَّ إنشاء مجموعة على موقع "لينكد إن" (LinkedIn) أُطلق عليها اسم "ديب أدابتيشين" تضمُّ العديد من الأساتذة والعلماء الحكوميين والمستثمرين.

ومن بين الأشخاص الذين يشعرون بالقلق بشأن المستقبل، في ظل التغير المناخي، البروفيسور "وليام كلارك"، من جامعة "هارفارد"، وهو عضو سابق في مؤسسة "ماك آرثر".

العالم بحاجة لخفض الانبعاثات بشكل سريع

ويقول "كلارك" الذي قام بتحرير البحث المتعلق بأعمال "الأكاديمية الوطنية للعلوم": "نحن نقف على حافة الهاوية".

ويضيف"كلارك" أنه- وبالإضافة إلى ضرورة العمل على تقليل الانبعاثات بشكل سريع، وعلى نطاق واسع- يجب على المجتمعات وضع خطة جديدة للتكيّف، فمثلاً، على الحكومات النظر في تنفيذ مشاريع ضخمة طويلة الأجل للبنية التحتية، مثل: نقل المياه إلى المناطق التي تشهد تزايداً في الجفاف، وإبعاد المدن عن المحيطات، بدلاً من أن تطالب الناس بتقليل عدد المرَّات التي يسقون فيها حدائقهم. ويحذِّر: "هذه ليست بوسائل التكيُّف التي نأخذها عن أجدادنا".

في حين تقول "ديانا ليفرمان"، أستاذة في كلية الجغرافيا والتنمية في "جامعة أريزونا"، وواحدة من المؤلفين الذين اشتركوا في كتابة الدراسة التي نُشرت في صيف 2018، إنَّ التكيف سيعني "الانتقال إلى مكان جديد، أو إنشاء بنية تحتية، وزراعة محاصيل مختلفة كلياً".

واستشهدت "ليفرمان"، في حديثها بكتاب الخيال العلمي "نيويورك 2140" (New York 2140) الذي يتخيَّل فيه المؤلِّف، "كيم ستانلي روبنسون" أنَّ المدينة تعيش على عمق 15 متراً تحت مستوى سطح الماء، على اعتبار أنَّ هذا الوضع يعدُّ من "أقصى درجات التكيف".

قد تكون عملية نقل أعداد كبيرة من المنازل بعيداً عن الساحل أكثر وسائل التكيُّف تكلفة، فقد أنفقت "الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ" في الولايات المتحدة الأمريكية 2.8 مليار دولار منذ عام 1989، لشراء 40 ألف منزل في المناطق الأكثر عرضة للفيضانات، لكي يتمكَّن أصحاب هذه المنازل من الانتقال إلى مناطق أكثر أماناً.

ووفقاً لدراسة نُشرت في مجلة "نيتشر كلايمت شينج" (Nature: Climate Change)، عام 2016، فإنَّه في حال ارتفاع مستوى مياه البحار بمتر واحد فقط، سيتعيَّن على أكثر من 4 ملايين أمريكي ترك منازلهم والانتقال لمكان آخر.

ويقول "روب مور"، خبير الشؤون السياسية في "مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية" (Natural Resources Defense Council)، المتخصص في كوارث الفيضانات: "ستضطر الحكومة إلى إنفاق المزيد من الأموال للمساعدة في ترحيل المواطنين"، مضيفاً أنَّ البديل لهذا الحل سيكون "هجرة عشوائية لمئات الآلاف، إن لم يكن الملايين من سكان البلاد".

حريق في كاربولي، السويد، في 15 يوليو 2018.
حريق في كاربولي، السويد، في 15 يوليو 2018. المصدر: غيتي إيميجز

طرق جديدة لإدارة المشاكل العابرة للحدود

أما "كاميرون هارينغتون"، الأستاذ في العلاقات الدولية من "جامعة دورهام" (Durham University) في بريطانيا، فشارك في تأليف كتاب "الأمان في عصر الأنثروبوسين" (Security in the Anthropocene)، عام 2017، إذ يؤكد أن التكيف مع الاضطرابات المنتشرة على نطاق واسع، سيتطلب من الحكومات أن تتجنب النظر إلى تغير المناخ كتهديد أمني بالدرجة الأولى.

وطالب الدول بإيجاد طرق جديدة لإدارة المشاكل التي أصبحت عابرة للحدود، وذلك من خلال تقاسم موارد المياه العذبة، التي تعاني من ندرة تزداد تدريجياً على سبيل المثال، مضيفاً: "لا يمكننا رفع الجدران الحدودية بما يكفي لمنع الآثار الناجمة عن تغير المناخ".

ارتفاع درجات الحرارة ونقص الغذاء والوقود

وبالإضافة لما سبق، فإنَّ هناك تقديرات أخرى- أكثر تشاؤماً- بشأن تغير المناخ، فمثلاً يؤكد "غاي ماكفرسون"، وهو أستاذ حاصل على درجة فخرية في الموارد الطبيعية من "جامعة أريزونا"، أنَّ انهيار الحضارة الذي سيسببه تغيُّر المناخ لن يستغرق فترة طويلة بعد أن يختفي الغطاء الجليدي في القطب الشمالي.

وتوقَّع أنَّ ذلك قد يحدث في وقت مبكر من عام 2019، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية بشكل مفاجئ، ونقص كبير في الغذاء والوقود في غضون عام واحد.

ومع هذا، فإنَّ توقُّعات العديد من الأكاديميين تعدُّ أقل خطورة بكثير من التوقُّعات الأخرى. فمثلاً، صرَّح "جيسي كينان"، الذي يُدرِّس في "كلية الدراسات العليا للتصميم بجامعة هارفارد"، ويقدِّم المشورة لحكومات الولايات المختلفة حول التكيُّف مع المناخ، بأنَّ التحذيرات بشأن الانهيار الاجتماعي مبالغ فيها.

ويقول "كينان": "أعتقد أن عملية معالجة المشاكل البيئية ممكنة في معظم أنحاء العالم"، مضيفاً أنَّ انقراض البشرية بسبب الآثار الناجمة عن تغيُّر المناخ قد أصبح موضوعاً يتم مناقشته بشكل واسع في الخطابات الأكاديمية منذ فترة قصيرة فقط.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الباحثين يعترفون بوجود دواعٍ للقلق إزاء تأثير التغيرات المتسارعة على الاستقرار الاجتماعي، إذ يقول "سولومون سينغ" (Solomon Hsiang)، أستاذ "بجامعة كاليفورنيا"في بيركلي، الذي يدرِّس التفاعل بين البيئة والمجتمع، إنَّ الوقت لا يزال مبكراً للتنبؤ بسرعة تقدُّم الاحتباس الحراري، لكنه يحذر من أن المجتمع يمكن أن يواجه صعوبة في التأقلم مع التغيُّرات السريعة في المناخ.

ويضيف "سينغ": "إذا كانت هذه التغيُّرات مهمَّة وسريعة بالفعل، فستظهر أدلة قوية وعلى نطاق أوسع، تفيد أن التأثير على العديد من الأنظمة البشرية، بما في ذلك إنتاج الغذاء، والاستقرار الاجتماعي سيكون أكثر حدَّة وسلبية".

وبالنسبة لـ"بيندل" فإنَّ المسألة المتعلِّقة بالموعد الذي قد يهتز فيه النظام الاجتماعي الغربي- نتيجة تغير المناخ- أقل أهمية من الحديث عن كيفية الاستعداد لهذه الأزمة، كما يعترف بأن فرضيته تشترك في بعض جوانبها مع حركة البقاء على قيد الحياة التي تعرف (بالبقائية) المبنية على الاعتقاد، بأننا على موعد مع أحد أنواع الانهيار الاجتماعي.

ومع هذا فهو يرى أنَّ خطة التكيُّف العميق مختلفة كلياً، فهي تبحث عن طرق لتخفيف الأضرار الناجمة عن هذا الانهيار، إذ يقول، فيما يتعلق بهذا الشأن: "إنَّ النقاش الذي قمت بطرحه، يدعو إلى استجابات جماعية لتقليل الأضرار، وليست الطريقة التي يمكن من خلالها لعدد قليل من الناس أن يعيشوا لفترة أطول من غيرهم".