مدينة طوكيو من برج سكاي تري أطول برج بث في العالم المصدر: بلومبرغ

ماذا يمكن أن يتعلم العالم من خطط اليابان لمواجهة الكوارث؟

المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

في اليابان، يعدُّ التخطيط للكوارث الطبيعية أمراً يحظى بأهمية كبيرة لسبب وجيه، لأنَّه على مدار العقد الماضي، نجت الدولة من حوالي 20% من أقوى الزلازل في العالم (بقوة 6 درجات أو أكثر)، ذلك بالإضافة لعدد من العواصف الاستوائية المتعددة التي تضربها سنوياً، وكان من الممكن لبعض من أسوأ هذه الأحداث أن يدمرها تماماً، كزلزال "توهوكو" الذي ضرب البلاد عام 2011، الذي تسبَّب في مدِّ "تسونامي" هائل، وانصهار جزئي في محطة "فوكوشيما دايتشي" للطاقة النووية، أودى بحياة أكثر من 15 آلاف شخص.

من جهة أخرى، يؤدي تغيُّر المناخ إلى زيادة تواتر هذه الكوارث الكبرى؛ فقد كشف تقرير حديث للأمم المتحدة عن أنَّ العدد العالمي للكوارث الطبيعية قفز إلى 7348 حادثة على مدى السنوات العشرين الماضية، صعوداً من 4212 خلال العقدين الماضيين السابقين. لتؤثِّر هذه الكوارث على 4.2 مليار شخص، وتُسبِّب في خسائر اقتصادية، قدرها 2.97 تريليون دولار خلال الأعوام العشرة الماضية.

ومع أخذ كل هذا بالاعتبار، يصبح تكثيف الاستثمار الياباني، في استراتيجيات التخفيف من حدَّة الكوارث الطبيعية عبر تمويل القطاع العام الضخم، وهندسة تفادي الزلازل، والتقدُّم في الذكاء الاصطناعي، أمراً مفهوماً.

موجات تسونامي الناجمة عن زلزال توهوكو في 2011
موجات تسونامي الناجمة عن زلزال توهوكو في 2011 المصدر: صور غيتي

خطة بـ144 مليار دولار

وكانت الحكومة اليابانية تبنَّت خطة جديدة، في ديسمبر الماضي، تمتد خمس سنوات، بقيمة 15 تريليون ين (ما يعادل 144.4 مليار دولار)، بهدف تسريع الاستعدادات لمواجهة الكوارث. وتتراوح الخطَّة بين التدابير التي تهدف إلى التخفيف من مخاطر الزلازل الهائلة المتوقَّعة، وكذلك أضرار الرياح والفيضانات، وبين تطوير الطرق والمدارس، والمطارات المُجهَّزة لمواجهة هذه الكوارث، وذلك بخلاف تطوير تكنولوجيا رقمية للتنبؤ بهطول الأمطار. وتمَّ تبني الخطة، التي تشمل 123 مشروعاً للحدِّ من الكوارث، وذلك بعد اعتبار الحكومة أنَّ المشروع القائم الذي يمتد على ثلاث سنوات غير كافٍ لحماية الأرواح والممتلكات.

من جانبهم، يجتهد المهندسون والمعماريون لدفع التقدُّم التكنولوجي، وتطوير التصميمات لتقليل الأضرار الناجمة عن الكوارث، وتشمل العوامل التي تميِّز نظم الحماية من الكوارث في اليابان عن غيرها، قانون خاص بالمهندسين المعماريين المرخص لهم بالعمل، الذي يتيح للدولة تحميلهم المسؤولية عن عيوب البناء لمدَّة تستمر 10 سنوات. وأشار تقرير البنك الدولي لعام 2018 إلى أنَّه من خلال تعديل قوانين البناء تدريجيا كاستجابة للزلازل المتتالية، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، أوجدت اليابان بيئة معمارية "تعدُّ الأكثر أمانًا، والأكثر مقاومة للكوارث في العالم.

برج طوكيو سكاي تري تم تصميمه للسماح للرياح القوية بالمرور عبر الفجوات
برج طوكيو سكاي تري تم تصميمه للسماح للرياح القوية بالمرور عبر الفجوات المصدر: بلومبرغ

البرج الإذاعي الأطول في العالم

ويعدُّ برج "طوكيو سكاي تري" الإذاعي الأطول في العالم بارتفاع 634 متراً، أحد أهم مناطق الجذب السياحي في المدينة منذ افتتاحه في عام 2012، واحداً من الأمثلة الشهيرة التي تبرز جهود الدولة في هذا الصدد. وقال أتسو كونيشي، كبير المهندسين الإنشائيين في شركة "نيكين سيكي" الذي ساهم في تشييد برج "طوكيو سكاي تري"، إنَّ الرياح تشكِّل أصعب حالة طقس تواجه المباني الشاهقة، لذلك صمَّم كونيشي وزملاؤه برجاً جميلاً، صُنع من الفولاذ بطريقة تسمح للرياح القوية بالمرور خلاله عبر فجوات.

ويحتوي برج "طوكيو سكاي تري" أيضاً على نظام فريد للتحكُّم بالاهتزازات من خلال إضافة عمود أساسي خرساني، يبلغ ارتفاعه 375 متراً في مركزه، ويتصل بالإطار الخارجي للبرج عن طريق سلسلة من "المخمدات" المرنة، ولكنَّه مستقل من الناحية الهيكلية، ويتحرك العمود بتفاوت زمني، ويقلل اهتزاز المبنى بأكمله بنسبة تصل إلى 50% أثناء الزلازل، و30% في حالة الرياح القوية.

ويعدُّ نظام العزل الزلزالي هو النظام الأكثر شيوعاً في اليابان، إذ تشتمل أساسات الأبنية على طبقات من الفولاذ والمطاط التي تعمل على مصِّ الصدمات، وتمَّ استخدام هذه التقنية في البلاد منذ أوائل الثمانينيات، كما تمَّت الاستعانة بها في بناء آلاف المباني في اليابان وخارجها، بما في ذلك مقر شركة "آبل" في وادي السيليكون.

وتقوم بعض الشركات باختبار مواد غير تقليدية في تصاميم المباني الجديدة، إذ تعمل شركة "مايدا كورب" على بناء مبنى إداري في طوكيو مكون من 13 طابقاً باستخدام شبكة من الخشب والفولاذ، مصمَّمة لتحسين مقاومة المبنى للزلازل.

وقال يوشيتاكا واتانابي، كبير مهندسي شركة "مايدا كورب" إنَّه: "نادراً ما يتمُّ استخدام الخشب كعنصر مقاوم للزلازل داخل مبنى هيكله من الفولاذ"، ولكن نظراً لكون الفولاذ يستطيع تحمُّل قوى السحب، في حين يتحمَّل الخشب قوى الضغط، فإنَّ كل مادة تعوِّض عيوب الأخرى".

مبنى المكاتب الهجين
مبنى المكاتب الهجين المصدر: بلومبرغ

دور الذكاء الاصطناعي

وبحسب أكيرا وادا، أستاذة الهندسة في "معهد طوكيو للتكنولوجيا"، فإنَّ استخدام الأخشاب يقلِّل من الأثر البيئي لعملية الإنشاء، كما أنَّ دمج الفولاذ بالبناء يؤخِّر الانهيار في حالة نشوب حريق، مما يتيح المزيد من الوقت لإخلاء المبنى.

وفي هذ الإطار، بدأ الذكاء الاصطناعي أيضاً في لعب دور مهم في تصميم المباني الأكثر أماناً، إذ يمكن لبرنامج محاكاة الأعاصير التنبؤ بالرياح وسرعاتها قبل يومين إلى ثلاثة أيام، وهي عملية قد تتطلب عادة شهوراً من جمع البيانات، واختبارات الرياح.

ويقول هيديوكي تاناكا، رئيس قسم الهندسة البيئية الطبيعية والبيولوجية في شركة "تاكيناكا"، وهي شركة الهندسة المعمارية التي تقوم بتطوير البرنامج: "إنَّ دقة حساب البرنامج تتمتَّع بجودة اختبارات النفق الهوائي نفسها". وبذلك، سيتمكَّن المهندسون المعماريون من تحليل البيانات إلى عناصر ضمن التصميم، مثل: شكل المبنى، وسمك زجاج النوافذ الأمثل.

وبالرغم من التقدُّم الذي أحرزته اليابان في التخطيط لمواجهة الكوارث، إلا أنَّها لا تزال تعاني من خسائر كبيرة، كما أنَّ إدارة مخاطر الفيضانات في البلاد لا تزال قيد التطوير. وهي قضية وضعتها الأمطار القياسية في الواجهة، بعد أن تسبَّبت بوفاة 84 شخصاً في يوليو من العام الماضي، وغالباً ما يكون الإجلاء صعباً بشكل خاص بالنسبة للضعفاء وكبار السن، مما يمثِّل مشكلة استثنائية لسكان البلاد من المسنين.

أسرة من الورق المقوى في مأوى للسكان المتضررين من الفيضانات
أسرة من الورق المقوى في مأوى للسكان المتضررين من الفيضانات المصدر: صور غيتي

كورونا يزيد الأزمة

حالياً أدى تفشي "كوفيد-19" بالطبع إلى تأزم هذه المشاكل، ففي حين لم تشهد مرافق الإخلاء ازدحاماً خلال فيضانات يوليو الماضي، أفادت وسائل إعلام محلية أنَّ أكثر من 1500 شخص ظلوا في عالقين في منازل، وسيارات غارقة بالمياه لعدَّة أسابيع أحياناً، نتيجة مخاوف من مخاطر الإصابة بالعدوى في مراكز الإخلاء.

ويتمثَّل أحد الحلول الممكنة لهذه المشاكل في بناء ملاجئ للوقاية من الكوارث داخل المنازل. بشكل مستوحى من تصميمات الأبنية في بلدان الشمال الأوروبي. وقد تمَّ تصميم ملجأ مصنوع من الخشب من قبل المهندسة المعمارية ناوكو إيتو، المقيمة في مدينة ناغويا. ويضمن تصميم الملجأ زيادة متانة المنزل بالكامل، كما أنَّه يوفِّر مكاناً أكثر أماناً للسكان دون الحاجة إلى إجلائهم. ومع ذلك، لم يتم سوى إنشاء أمثلة قليلة من تصميم "إيتو" حتى الآن.

ملاجئ "ناوكو" إيتو المقاومة للكوارث صممت على أن يتم بناؤها داخل المنزل.
ملاجئ "ناوكو" إيتو المقاومة للكوارث صممت على أن يتم بناؤها داخل المنزل. المصدر: بلومبرغ

ويتعيَّن على إدارة المخاطر في اليابان فعل المزيد لتجنب الكوارث، ولكن مع زيادة تواتر الكوارث الطبيعية، قد ترغب دول أخرى في دراسة نهجها.

وقالت مايومي ساكاموتو، الأستاذة في كلية الدراسات العليا بجامعة هيوجو المتخصصة في إدارة مخاطر الكوارث: "إنَّنا بحاجة إلى التخطيط للهيكل بطريقة تمكِّنه من تحمُّل الكوارث في مرحلة التصميم، ومن خلال تضمين مرافق الاستعداد للكوارث في مرحلة البناء، ستصبح المدينة بأكملها أكثر مرونة".