العمال يكسبون حرب العودة إلى المكتب لأنهم محقون

أصبح النموذج الهجين سائداً ويختار بعض الموظفين العمل من المنزل بدوام كامل

time reading iconدقائق القراءة - 9
مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية - المصدر: بلومبرغ
مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية - المصدر: بلومبرغ
المصدر:بلومبرغ - مقال رأي

نوشك أن نودع الكمامات الطبية بعد أن باتت المطاعم مكتظة وعاودت رحلات الطيران الدولي حركاتها. لكن ما تفتقر هذه الصورة له هو صفوف موظفين مكبّين على مكاتبهم. لقد كتبتُ منذ أكثر من شهرين بقليل أن العودة للمكتب تشبه نسخة عصرنا من الصراع الطبقي العظيم، ويسعدني إخباركم أن العمال يفوزون، حتى الآن على الأقل.

تبدو نسب إشغال المكاتب في الولايات المتحدة ثابتة عند حوالي 43%، حسب بيانات شركة "كاستل سيستمز" (Kastle Systems)، التي تجمع أرقاماً عن عدد العمال الذين يعملون في مكاتبهم في أكبر عشر مناطق تجارية في أمريكا عبر سبر القطاعات الرئيسية. تراجعت نسب الإشغال إلى 42.8% في 13 أبريل، بعدما ارتفعت إلى 43.1% في 6 أبريل. كما بلغ معدل الإشغال في لندن، عبر المحيط الأطلسي، ذروته عند 42% الشهر الماضي.

الموظفون بدؤوا يجيدون تحصيل الترقيات أثناء عملهم عن بعد

قد يكون هذا مجرد تذبذب، حيث ما يزال الاتجاه طويل الأجل تصاعدياً. لكن يبدو على الأرجح أن الشركات جمعت الثمار سهلة المنال، أي أولئك الذين كانوا متشوقين للعودة بعد غرابة الإغلاق، ويتعين عليها من الآن فصاعداً التعامل مع مزيد من المقاومة. تكافح نخبة الشركات التي أحدثت ضجة كبيرة حول إعادة موظفيها إلى العمل مثل "غولدمان ساكس" و"مورغان ستانلي" مع مقاومة بلغت حوالي 30% من العمال. فكلما استمرت المواجهة، زادت صعوبة تغيير عادات الناس.

يستخدم أصحاب العمل سياسة العصا والجزرة بلا تحفظ للتغلب على هذه المقاومة، فيرحبون بالعمال العائدين بحفلات الشراب وأكياس الهدايا والدروس المجانية وكثير من الأحاديث السعيدة عن كيف يجب أن يكون المكتب ممتعاً. رحبت "غوغل" تابعة شركة "ألفابت" (Alphabet) عبر حفل موسيقي أقامته المغنية ليزو. بينما أقامت شركة "مايكروسوفت" حفلات مع المواهب الموسيقية المحلية، في حين قدمت شركة "كوالكوم" (Qualcomm) فصول لياقة البدنية للعاملين في المكتب. إنه من المدهش أن يتمكن أي شخص من إنجاز أي عمل.

يدركون ويتجاهلون

لكن هناك حالة من اليأس حيال ذلك. فهل يُقدِّر العمال حقاً "الوجبات المجانية والهدايا" بدرجة عالية لدرجة أنهم على استعداد لتحمل تنقلات عالية التكاليف لتناولها؟ هل نريد حقاً ممارسة التمارين في مكاتبنا مع جميع زملائنا في العمل؟ وما الذي يمكننا استنتاجه عندما شجعت شركة "كليونز" (Clions) الناشئة، التي تعمل في مجال التقنية، الموظفين على نقل مكاتبهم لتكون مواجهة لأشجار زهرة الكرز كي يبدو لهم العمل كأنه من المنزل؟

كيف يغير العمل عن بعد قطاع السفر إلى الأبد؟

أمرت عديد من الشركات لاحقاً، بما فيها "غوغل"، موظفيها بالحضور لفترة زمنية محدودة، غالباً ما كانت ثلاثة أيام في الأسبوع. لجأ بعض المديرين للهمس بأنه سيكون هناك "حد أقصى لاجتماعات زووم" للعمال الذين يبقون في المنزل بدل العمل من المكتب. أطلقت الحكومة البريطانية حملة لإعادة موظفي الخدمة المدنية العاملين من منازلهم إلى مكاتبهم. جمَّع جاكوب ريس موغ، وزير الكفاءة الحكومية، جدول تصنيف الأقسام حسب معدلات الإشغال. تأتي وزارة التعليم في نهاية الترتيب بنسبة 25%. ويبلغ متوسط الإشغال عبر الخدمة المدنية 44%. اعتاد ريس موغ على ترك ملاحظات زائفة مهذبة على مكاتب موظفي الخدمة المدنية تقول: "آسف لأنك كنت بالخارج عندما زرتك. وأتطلع إلى رؤيتك في المكتب قريباً جداً".

عصا وجزرة

مع ذلك، فإن التنمر ليست أكثر احتمالاً من نجاح الرشوة في سوق العمل المحدود اليوم. الفرصة الوحيدة أمام أصحاب العمل للفوز بالصراع الطبقي واستعادة نظام ما قبل الوباء هي إذا اجتمعوا معاً لإجبار الموظفين على العودة إلى مكاتبهم. لكن بغياب مثل هذه المؤامرة الرأسمالية الكبرى، سيتشبث الموظفون باختيارهم ويستخدم أصحاب العمل الأذكياء المرونة كأداة توظيف. تشير سلسلة استبيانات لآراء الموظفين لنفس النتيجة، حيث وجدت شركة "إبسوس" (Ipsos) أن ثلث الموظفين يفضلون الاستقالة على العودة إلى المكتب بدوام كامل، بينما وجدت شركة الاستشارات "كورن فيري" (Korn Ferry) أن نحو 64% من الموظفين يخشون أن تلحق العودة للعمل ضرراً بصحتهم العقلية. يشعر ثُلثا موظفي "غوغل" بعدم رضاهم عن الاضطرار إلى العودة إلى العمل ثلاثة أيام في الأسبوع. أفاد أصحاب أعمال أن الموظفين الجدد المحتملين يطالبون بدوام مرن كشرط حتى للتفكير في الحصول على وظيفة.

"لاغارد" ترى استمرار العمل من المنزل جزئياً بعد الجائحة

أُجبر المدافعون عن العودة إلى العمل من المكتب في مجتمع الأعمال على التنازل. قال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ"جيه بي مورغان تشيس آند كو" (JPMorgan Chase & Co) في رسالته الأخيرة إلى المساهمين أن نصف موظفي البنك سيقضون بعضاً أو كل وقتهم في العمل من المنزل في المستقبل. فيما يزداد الإصلاحيون، الذين خلصوا إلى أن شيئاً أساسياً تغير في عالم العمل، ثقة بتحليلهم. خفَّضت شركة "ديلويت" العملاقة للمحاسبة والاستشارات مساحة مكتبها في لندن بأكثر من الثلث، حيث أصبح النموذج الهجين سائداً ويختار بعض الموظفين العمل من المنزل بدوام كامل.

هناك عديد من الأسباب المحتملة التي تجعل الكثيرين مترددين حيال العودة إلى الأساليب القديمة الجيدة، ومنها القلق المستمر بشأن فيروس "كوفيد"، والوضع الدولي القاتم وارتفاع تكلفة الوقود وزيادة الاضطراب في المدن الأمريكية، فضلاً عن ارتفاع معدلات الجريمة، وانتشار معسكرات المشردين وأعداد من المرضى العقليين الذين يجوبون قطارات الأنفاق.

تكاليف الوقود

تُظهر أرقام شركة "كاستل" أن معدلات إشغال المكاتب كانت أعلى بكثير في أوستن ودالاس، وهما الأعلى في البلاد، مقارنة مع نيويورك وسان فرانسيسكو، حيث يكون التنقل أطول والاضطراب الحضري أسوأ. وجد استطلاع للرأي أجرته شركة "هاريس" (Harris) لصالح جريدة "يو إس إيه توداي" (USA Today) أن 78% من الموظفين قلقون بشأن القدرة على تحمل تكاليف الوقود في تنقلاتهم.

لم يكن حتى الآن أي من هذه التفسيرات مقنعاً تماماً، حيث وصل معدل حجوزات المطاعم ومعدلات إشغال المقاعد على متن الطائرات في أمريكا إلى 90% من مستويات ما قبل الوباء، بينما شهدت بريطانيا نزوحاً جماعياً من البلاد في عيد الفصح.

"ياهو" لموظفيها في اليابان: اعملوا من أي مكان وتنقلوا بالطائرة

إن السبب الحقيقي لعدم رغبة الناس بالعودة إلى المكتب بدوام كامل هو أنهم لا يرون هدفاً وراء ذلك. يعتقد معظم العاملين في مجال المعرفة أنه يمكنهم القيام بعملهم بنفس الطريقة من المنزل، ويمكنهم الإشارة إلى أرقام لا حصر لها تظهر أنهم على حق. فلماذا تتجشم متاعب التنقل إن أمكنك كتابة التقارير في مكتب المنزل؟

يُعدّ الصدام بين العمال وأرباب العمل حول العودة إلى العمل أكثر من مجرد صراع على التنقل والراحة، على الرغم من أنه بالتأكيد كذلك. إنه صدام حول معنى العمل. إن الدرس الكبير الذي تعلمه العمال من "كوفيد" هو أن العمل لم يَعُد يعتمد على المكان. فبفضل قوة الحوسبة المنتشرة على نطاق واسع، يمكنك العمل في أي مكان تقريباً. أما الدرس الكبير الذي تعلمه أصحاب العمل من "كوفيد" هو أن الشركات هي أكثر من مجرد "علاقات تعاقدية"، كما قال مايكل جنسن وويليام ميكلينغ في 1976.

مشاركة المكان

إنها منظمات اجتماعية تعمل في مجال نقل الثقافات الفريدة، فكلمة شركة بالإنكليزية تأتي من جمع كلمتين لاتينيتين تعنيان "سوية" و"خبز"، ما يعني التشارك في الخبز. عندما يتعلق الأمر بنقل حيل التجارة، أو توليد شعور بالصداقة أو حل المشكلات الجماعية، فلا يوجد شيء أفضل من مشاركة ذات المكان.

سيبقى أصحاب العمل مُحبَطين طالما أنهم يتوقون للعودة إلى عالم ما قبل "كوفيد"، فبدلاً من إعادة الأشخاص إلى المكتب أولاً لثلاثة أيام ثم لأسبوع، ينبغي أن يعيدوا التفكير بمعنى العمل في عصر قوة الكمبيوتر الموزعة. يجب أن يدرك أصحاب العمل أن الناس لن يرتادوا المكاتب لعمل ما يمكنهم القيام به بنفس السهولة في منازلهم. لذا، فإن الفكرة المرحة التي تقول إن ثقافة الشركات هي منتج ثانوي يتشكل بمجرد قدوم الموظفين إلى مكان العمل، ببساطة هي فكرة تنطبق على الطيور.

تحتاج الشركات للتفكير بجدية حول كيفية استخدام التقنية الجديدة لتعزيز الروابط الاجتماعية ونقل ثقافة الشركة:

أتختار "العمل المشترك الافتراضي"، حيث يفتح الزملاء الذين يعملون في المنزل مكالمات زووم باستمرار أو التعاون في مشاريع معينة؟ أم تجمعات افتراضية حيث يلتقي الزملاء بأوقات محددة مسبقاً؟ أو اجتماعات افتراضية لتناول القهوة حيث تقوم خوارزمية بترتيب اجتماعات عشوائية بين الزملاء؟ كانت وزارة الخزانة البريطانية تستخدم هذه الخوارزمية قبل جائحة "كوفيد". تحتاج الشركات قبل كل شيء لإعادة تصور المكاتب كأماكن اجتماعية في الأساس، وليست مجرد مكان يرتاده الناس لأداء وظائفهم القديمة ويتخللها قليل من "المرح"، بل مكان يؤدون مهام جماعية لا يمكن اختزالها بدلاً من مجرد إدخال بيانات لأجهزة ذكية لا تأبه أين يجلسون.

هذا المقال لا يعكس موقف أو رأي "الشرق للأخبار"وهو منشور نقلا عن Bloomberg Mediaولا يعكس بالضرورة آراء مجلس تحرير Bloomberg أو ملاكها
تصنيفات