رئيس السلفادور يخرب حلمه بتحويل بلاده إلى سنغافورة أخرى

نجيب أبو كيلة بحاجة لأن يجتهد حتى يحقق التوازن المالي إذا أراد تحقيق ما يطمح إليه

time reading iconدقائق القراءة - 9
الرئيس ناييب بوكيلي يصل إلى مركز الاقتراع قبل الإدلاء بصوته في 04 فبراير 2024 في سان سلفادور، السلفادور. - المصدر: بلومبرغ
الرئيس ناييب بوكيلي يصل إلى مركز الاقتراع قبل الإدلاء بصوته في 04 فبراير 2024 في سان سلفادور، السلفادور. - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

- مقال رأي

بعد أن سحق المعارضة السياسية وعصابات الجريمة المنتشرة في بلاده في أقل من 5 أعوام، يواجه رئيس السلفادور الذي لا يهدأ نجيب أبو كيلة تحدياً أشد صعوبة، هو تحقيق الرخاء لشعبه.

يرى بعض المعلقين أن تحويل السلفادور إلى نسخة من سنغافورة في أميركا اللاتينية ينبغي أن يكون هدف الرئيس النهائي، أي تحويلها إلى نموذج مثالي للنظام وحرية الأسواق، ويهيمن عليها سياسياً حزب واحد باسم تحقيق الكفاءة– وهو نموذج لا يخجل الزعيم من الترويج له.

فكما أصبحت سنغافورة واحدة من أغنى دول العالم في عهد لي كوان يو، وهو زعيم آخر مثير للجدل، يزعم أصحاب هذا الرأي أن الرئيس البالغ من العمر 42 عاماً من جيل الألفية، يستطيع أن يتقدم بالسلفادور اعتماداً على استراتيجيته التي تشجع قطاع الأعمال، وتقوم على الأمن الشامل، واحتضان التكنولوجيا.

هذه الفكرة، وإن بدت طموحة، لا تنتفي عنها صفة الواقعية تماماً، فتحول البلاد إلى منارة للسلام نسبياً في أميركا الوسطى، سيساعدها بالتأكيد على جذب استثمارات جديدة وسياح جدد، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويحقق الرفاهية. غير أن المشكلة على ما يبدو تتمثل في أن أبو كيلة يقوّض ذلك الهدف المأمول بسبب تجاهله ضرورة إصلاح العجز المالي في السلفادور، وظهوره في بعض الأحيان بمظهر لا يدعم الثقة عند مجتمع الأعمال. وهي أمور تندرج تحت هزيمة الذات، إذا كنت تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية.

اقرأ أيضاً: كيف كسب رئيس السلفادور الداعم لـ"بتكوين" تأييد وول ستريت؟

مواجهة الجريمة والفساد

عندما تولى أبو كيلة رئاسة السلفادور في عام 2019، كان يبلغ من العمر 37 عاماً فقط، أي ما يزيد بعام واحد على عمر لي عندما تولى منصب أول رئيس وزراء لسنغافورة قبل ذلك بستة عقود.

وقد تبنى كلاهما نهجاً صارماً في مكافحة الجريمة والفساد، إذ إن تكتيكات رئيس السلفادور القاسية حولت بلاده إلى أكثر الدول أماناً في أميركا اللاتينية، بعد أن كانت واحدة من أشد دول العالم عنفاً، على الأقل من حيث نسبة جرائم القتل إلى عدد السكان.

كذلك، لا يخفى على أحد أن أبو كيلة ليس مغرماً بالديمقراطية الليبرالية، حيث تجاهل القيود الدستورية للترشح مرة أخرى في فبراير، عندما حقق انتصاراً مدوياً بنسبة 85% تقريباً من الأصوات. وفي الوقت نفسه، قررت السلفادور في وقت سابق من هذا الشهر إلغاء ضريبة الدخل على الاستثمارات الأجنبية والتحويلات الخارجية (الذي حظي بتأييد 69 صوتاً مقابل صفر في البرلمان)، وهو ما يتماشى مع نموذج جذب المستثمرين الأثرياء عبر تقديم مزايا مالية سخية، تماماً كما فعلت سنغافورة.

معنى ذلك أن العقد الاجتماعي الذي تُوضع خطوطه هنا يقوم على مقايضة مواطني السلفادور حرياتهم السياسية بوعد التقدم الاقتصادي والسلام الاجتماعي. فبالنسبة لمنطقة تعصف بها الجريمة، لا ينبغي الاستهانة بالأثر الإيجابي للنمو الناتج عن إحكام القبضة على مظاهر العنف. وربما كنت على حق في مساءلة سجله في مجال حقوق الإنسان، غير أن ما تحقق يُعد إنجازاً هائلاً ومحل ترحيب في مجتمع عانى من سنوات كثيرة مؤلمة، لدرجة أن الناخبين انتهى بهم الأمر إلى تجاهل دستورهم.

لسوء حظ أبو كيلة أن السلفادور تختلف أيضاً في أمور كثيرة عن سنغافورة، التي تُصنف باعتبارها أفضل بقعة في العالم لممارسة الأعمال. ذلك أن السلفادور، التي يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين نسمة وتقل مساحتها قليلاً عن إسرائيل، ليست جزيرة استراتيجية من الناحية الجغرافية، بل هي جزء من جوار فوضوي، إذ تعاني أميركا الوسطى من أزمات عديدة، تمتد من الهجرة وتجارة المخدرات إلى انخفاض الإنتاجية وضعف الدينامية الاقتصادية (من المؤكد أن لي واجه أيضاً وضعاً سياسياً صعباً عندما تولى السلطة في سنغافورة، قبل انفصال البلاد عن ماليزيا).

وعلى الرغم من أن الرئيس السيلفادوري قد يكون بطلاً في بعض الدوائر المحافظة أو الليبرالية في الولايات المتحدة، فهو لم يقم بعد ببناء شراكة استراتيجية صادقة مع الحكومات الأميركية المتعاقبة، كما فعل لي على مدى عقود. والأهم من ذلك، لم تعد البلاد حتى الآن خطة لمعالجة الاختلالات المالية غير المستدامة، والتي يقدرها بنك "باركليز" عند 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 بعد احتساب عجز المعاشات التقاعدية. وتلك نقطة ضعف رئيسية في استراتيجية الرئيس للسيطرة الكاملة.

اقرأ أيضاً: الصين تعرض على السلفادور شراء ديونها من السندات الخارجية

مناورة لكسب الوقت

قال لي جيسون كين، خبير الائتمان في بنك "باركليز" إنه "من الواضح أن السلفادور أكثر أماناً بكثير، وقد ارتفعت أعداد السائحين، وحققت زيادة في الاستثمار الأجنبي المباشر متناهي الصغر، ولكن ليس بعد على المستوى المؤسسي المطلوب. ويبدو أن الأمر كله مناورة لصرف الأنظار بعيداً عن المشكلة. يستطيع بوكيلي اتخاذ الإجراءات الضرورية لإصلاح الوضع المالي، لكننا لم نر دليلاً واضحاً على أنه يفعل ذلك".

ومع استعداده لبدء ولاية جديدة، يبدو أن تركيز الحكومة ينصرف إلى محاولة كسب الوقت. وربما أن أبو كيلة يأمل في أن تضمن له إدارة أميركية تشبه في تفكيرها عقلية دونالد ترمب، شروطاً أفضل في اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وقد استقبل المستثمرون بسرور ودهشة سداد البلاد التزاماتها من السندات في أوائل عام 2023، مما أدى إلى تجنب التخلف عن السداد، وما صاحب ذلك من ارتفاع كبير في أوراق الديون الخاصة بالبلاد. لكنهم أصبحوا الآن أكثر حذراً.

علاوة على ذلك، قد يتراجع احتمال إبرام صفقة جديدة مع صندوق النقد الدولي، لأسباب ليس أقلها الافتقار إلى الشفافية في حسابات الحكومة. ولم يساعد إقرار "بتكوين" عملة قانونية في أواخر عام 2021. وإذا لم يكن الرئيس مستعداً للتخلي عن "بتكوين" عندما انخفضت إلى ما يقرب من 15 ألف دولار للوحدة في أواخر عام 2022، فلن يفعل ذلك الآن بعد أن ارتفعت العملة المشفرة إلى مستوى 65 ألف دولار؛ إذ إنه في الواقع يتلقى تحية النصر.

اقرأ أيضاً: برلمان السلفادور يوافق على اعتبار "بتكوين" عملة قانونية

إن رفض برنامج صندوق النقد الدولي هو بالطبع خيار سياسي سليم، لكنه لن يحل المشكلة الأساسية المتمثلة في الاضطرار إلى تغطية تمويل بقيمة 2.6 مليار دولار أميركي يقدّر "باركليز" أنه مطلوب بين عامي 2024 و2027 (وهو رقم كبير بالنسبة لاقتصاد قيمته 35 مليار دولار أميركي).

من المحير أن زعيماً يتمتع بهذا الدعم الشعبي غير قادر على رسم طريق للاستدامة المالية. فوفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي العام الماضي، فإن جهود التقشف اللازمة لتحسين الثقة تعادل نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات الثلاث التالية، وهو أمر صعب، ولكنه ليس مستحيلاً. صحيح أن الرئيس قد يفضل المراهنة على نمو الاقتصاد بوتيرة أسرع من المتوقع بحيث تنخفض تكلفة ضبط الميزانية. ولكن على أي حال، لن يتحقق أي نمو اقتصادي قوي حتى تتخلص السلفادور من مخاوف التخلف عن سداد التزاماتها في المستقبل.

شروط ضرورية لتحقيق المعجزة

في نهاية المطاف، لكي نشهد معجزة سلفادورية، تحتاج البلاد إلى تحقيق معدلات نمو تتراوح بين 5% و6% لسنوات قادمة- لا نسبة 1.9% الهزيلة المتوقعة لعام 2024. ويتطلب ذلك الاتساق والتخطيط والاستثمار الحكومي الكبير في التعليم والابتكار. وحتى الآن، لم تظهر السلفادور كثيراً من تلك الإجراءات.

وبدلاً من ذلك، يبدو الرئيس مهتماً أكثر بإلقاء محاضرات للعالم عن نهاية العولمة و"قوى الظلام" القادمة للولايات المتحدة. من المؤكد أن أسلوبه الاستفزازي الذي لا يلتزم بالتقاليد قد رفع من مكانته العالمية، ولكن هذا لا يساوي خلق الثقة اللازمة لإقناع الشركات بإنفاق أموال طائلة في بلاده.

هذا أمر مؤسف، لأنه وفقاً لمؤسسة التمويل الدولية، يمكن للسلفادور أن تحقق صادرات تراكمية إضافية إلى الولايات المتحدة تتراوح قيمتها بين 6.9 مليار دولار إلى 13.8 مليار دولار في العقد المقبل بفضل الاتجاه نحو نقل خطوط الإنتاج إلى دول مجاورة.

وكما تعلمت بعض الحكومات الأخرى في المنطقة -سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية– عبر التجارب الأليمة، فإن الأزمات المالية الدائمة هي أوثق الطرق إلى فقدان السيطرة السياسية. والأكثر من ذلك، فإن التجربة المحزنة لديكتاتوريات أميركا اللاتينية مثل فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا لا تدعم فكرة أن الحكومات الاستبدادية تستطيع إدارة الاقتصاد بطريقة أفضل، بل على العكس من ذلك تماماً.

إذا كان أبو كيلة يرغب حقاً في الوصول إلى يوتوبيا سنغافورة التي يحلم بها، فعليه أن يعمل على ضبط أرقام الميزانية، وأن يضمن مساراً للنشاط الاقتصادي في المستقبل تستطيع الشركات والعائلات أن تتنبأ به حتى يشجعها على الاستثمار. وإلا فإنه يخاطر بأن ينتهي به الأمر مثل العديد من القادة المستبدين الآخرين في المنطقة، بأن يصبح رئيساً قوياً ربما يحظى بالإعجاب، ولكن دون أن يستطيع تحسين الفرص الاقتصادية لشعبه بشكل ملحوظ.

هذا المقال لا يعكس موقف أو رأي "الشرق للأخبار"وهو منشور نقلا عن Bloomberg Mediaولا يعكس بالضرورة آراء مجلس تحرير Bloomberg أو ملاكها
تصنيفات

قصص قد تهمك