أعزائي الطلاب.. ادفعوا وعودوا إلى بلادكم!

ارتفاع أعداد الطلاب الأجانب يساهم في زيادة تكاليف السكن ويضغط على الخدمات العامة ويفاقم الدعوات الشعبوية لتقييد الهجرة

time reading iconدقائق القراءة - 12
طالب يسير أمام مبنى كلية الطب بجامعة سيدني في سيدني، أستراليا، يوم الثلاثاء، 25 فبراير 2020. - المصدر: بلومبرغ
طالب يسير أمام مبنى كلية الطب بجامعة سيدني في سيدني، أستراليا، يوم الثلاثاء، 25 فبراير 2020. - المصدر: بلومبرغ
المصدر:بلومبرغ - مقال رأي

يشهد العالم موسماً مفتوحاً أمام الطلاب الأجانب، وليس لدى الدول ما تخسره سوى رسوم دراسية تقدر بمليارات الدولارات.

تدرس بريطانيا مستقبل برنامج تأشيرة الخريجين الذي يوفر حق العمل بعد الدراسة، بعد أن قدمت لجنة مكلفة بالنظر في احتمال إساءة استخدام النظام تقريرها الأسبوع الماضي (ولم تجد إساءة تذكر).

وتعتزم الحكومة الائتلافية الهولندية الجديدة تخفيض عدد الطلاب الأجانب كجزء من حزمة تدابير تستهدف الهجرة. كما تتخذ أستراليا وكندا خطوات للحد من أعداد المقبولين. وفي يناير، أوقف المجلس الدستوري الفرنسي خطط الدولة لفرض رسوم إيداع على الطلاب الأجانب لتغطية "تكاليف الترحيل" المحتملة.

يسير النقاش على نفس المنوال في هذه الأسواق المتفرقة جغرافياً. فقد ارتفعت أعداد الطلاب إلى مستويات قياسية منذ تفشي الجائحة، مما زاد تكاليف السكن والضغط على الخدمات العامة، وبالتالي تفاقم الدعوات الشعبوية للحد من الهجرة.

مساهمات كبيرة في الاقتصادات

من جهة أخرى، تؤكد مؤسسات التعليم العالي على المساهمة المالية شديدة الأهمية التي يقدمها الطلاب الأجانب للمؤسسات التعليمية والاقتصاد، إلى جانب أرباب العمل الذين يفضلون، مع تساوي العوامل الأخرى، توفر معروض كبير من العمالة الماهرة للاختيار من بينها.

كما انتقد قادة الشركات الهولندية مقترحات دولتهم، وحذر البعض من أنهم قد يضطرون إلى التوسع في أعمالهم في الخارج. ونشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" تقريراً أفاد بأن المديرين التنفيذيين في شركات "أنغلو أميركان" (Anglo American) و"ريو تينتو" (Rio Tinto) و"سيمنز" (Siemens AG) كانوا ضمن الموقعين على رسالة تحذر رئيس الوزراء ريشي سوناك من أن سياسات الهجرة في بريطانيا ربما تضعف قطاع الجامعات.

هذا اتجاه يدعو للأسف، فالمخاوف المتعلقة بالضغوط الشديدة في أسواق الإسكان مخاوف حقيقية، وساهم نمو أعداد الطلاب الدوليين بالتأكيد في رفع الإيجارات، خاصة في مدن مثل لندن وتورونتو التي تعد أكثر المقاصد شعبية وانتشاراً، وتعاني بالفعل من نقص المعروض.

لكن الطلاب الأجانب ليسوا سبب المشكلة، والاهتمام الذي يتجه إليهم يبدو أشبه بالبحث عن كبش فداء، خاصة أنهم يقدمون مساهمات كبيرة في الاقتصادات التي يدرسون فيها، وتخاطر الدول بفقدانهم على مسؤوليتها الخاصة.

في بريطانيا، حيث يدفعون عادةً ضعفين إلى ثلاثة أضعاف الرسوم الدراسية التي يدفعها الطلاب المواطنون، قدرت دراسة أجريت العام الماضي المنفعة الاقتصادية الإجمالية لهؤلاء الطلاب في 2021-2022 بما قيمته 41.9 مليار جنيه إسترليني (53 مليار دولار) مقابل تكاليف قدرها 4.4 مليار جنيه إسترليني، أي بنسبة عائد إلى تكلفة تبلغ 9.4 إلى 1.

زيادة الموارد المالية لقطاع التعليم

ستعاني المملكة المتحدة بشكل خاص من أي تراجع كبير في الطلب من هؤلاء الطلاب، نظراً لاعتماد قطاع التعليم العالي مالياً على الطلاب الأجانب.

لم تتغير الرسوم الدراسية للطلاب المحليين تقريباً خلال 12 عاماً، لذا تآكلت قيمتها الحقيقية بشكل كبير بسبب التضخم، مما دفع المؤسسات إلى التركيز على استقطاب الطلاب الأجانب لتعويض ذلك.

ربما يعتبر النقاد هذا الأمر نموذج تمويل غير مرضٍ، ويخاطر بتقديم مصالح الطلاب الدوليين على مصالح المواطنين المحليين الذين يعتبرون المسؤولية الرئيسية للمؤسسة التعليمية. لكن هذا هو النظام الذي تطور، وأي تغيير مفاجئ قد يؤدي إلى الفوضى.

وتعليقاً على الأمر، قال مكتب الطلاب (The Office for Students)، وهو جهة تنظيمية مستقلة للقطاع، الأسبوع الماضي، إن تقليص أعداد الطلاب، حتى لو بنسبة بسيطة، قد يتسبب في معاناة وعجز مالي في 202 مؤسسة، أو 74% من إجمالي المؤسسات التعليمية.

لنكن واضحين، لم يشر أحد إلى إغلاق أبواب المؤسسات أمام الطلاب الأجانب، بل مجرد تخفيف الأعداد عبر تقليص ما تعتبره الحكومة العناصر غير المرغوب فيها. وهو معيار تسهل فيه الأقوال مقارنة بالأفعال، وما يثير القلق هو النبرة المتبعة في الرسائل. وأقل ما يقال عنها إنها متضاربة.

قال وزير الداخلية جيمس كليفرلي، الذي أمر بإجراء الدراسة، في ديسمبر إن التعليم العالي "يجب أن يكون طريقاً للدراسة والتعليم، وليس طريقاً للحصول على تأشيرات من الأبواب الخلفية".

لكن الحصول على التأشيرات عبر التعليم كان هو بالضبط ما تعرضه الحكومة عندما أطلقت البرنامج في 2021. فهذا البرنامج يتيح للطلاب الذين يكملون دورة تعليمية مؤهلة البقاء والعمل في المملكة المتحدة لمدة عامين بعد التخرج (ثلاثة أعوام في حال الدكتوراه)، كما أنه كان جزءاً من استراتيجية تستهدف زيادة إيرادات البلاد من تصدير الخدمات التعليمية إلى 35 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وجذب 600 ألف طالب دولي بحلول 2030. وتكمن المشكلة في نجاح البرنامج بشكل جيد للغاية، فقد وصل عدد قياسي بلغ 680 ألف طالب من الطلاب الأجانب في العام الدراسي 2021-2022، متجاوزاً الهدف قبل الموعد المحدد بثمانية أعوام.

الهجرة الهدف الأساسي

يعتقد كليفرلي أن بعض الطلاب الدوليين يلتحقون بدورات أرخص وأقل جودة فقط لأنهم يريدون الهجرة. ثم يتجه كثير منهم إلى وظائف الرعاية منخفضة الأجر، ليتضح أنهم ليسوا الفئة "الأفضل والألمع" التي تسعى الحكومة لجذبها.

يبدو ذلك مهيناً بعض الشيء لهؤلاء الطلاب الذين دفعوا أيضاً أموالاً كثيرة. فكيف يمكن للحكومة معرفة رغباتهم؟ أحياناً لا يعرف الشباب نواياهم الخاصة، على الرغم من أننا جميعاً نقدر وفرة الخيارات المتاحة أمامنا. وهذا التصنيف لفئة طلابية يقلل من إمكاناتهم الطموحة، فكيف يمكن للحكومة معرفة أنهم لن ينتقلوا إلى وظائف أكثر مهارة وأعلى أجراً لاحقاً؟

ينم هذا النهج عن الغرور والنخبوية التي ميزت سياسة التعليم البريطانية في الماضي. (الافتراض القائل بأن بعض الدورات التعليمية ليست جيدة كفاية للالتحاق بها يتعارض أيضاً مع الصورة المتوقعة للمملكة المتحدة باعتبارها واحدة من أفضل دول العالم من حيث التعليم).

وقال كريس سكيدمور، وزير الجامعات السابق الذي وضع هدف 600 ألف طالب، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، إن "إساءة استخدام البرنامج التي يفترض حدوثها لم تكن واضحة أبداً". علماً بأنه ليس وحده في حيرته.

عالم أشد فقراً وأقل تعليماً

يجب أن تحذر الحكومة من التأثير الأوسع لنبرتها على مجموع الطلاب الدوليين، الذين قد يستنتجون أن المملكة المتحدة ليست وجهة مرحبة كما كانوا يعتقدون. ويمكن أن تندم الشركات التي تعتقد أن عملاءها مضمونون، على ذلك، والتعليم من الصادرات الرئيسية لبريطانيا.

تظهر بالفعل علامات مبكرة على انخفاض أعداد الطلاب بعد أن شددت الحكومة القواعد المتعلقة بالمعالين ورفعت الحد الأدنى للأجور في تأشيرات العمالة الماهرة إلى 38700 جنيه إسترليني من 26200 جنيه إسترليني.

والمفارقة هنا هي أن الارتفاع القياسي في أعداد الطلاب الدوليين يبدو ظاهرة مؤقتة. ومن الواضح أنه ناتج عن الانخفاض المسجل خلال الجائحة، عندما اضطر الكثيرون لتأجيل دوراتهم التعليمية، ويُتوقع أن تتراجع تلك الطفرة بمجرد انتهاء هؤلاء الطلاب من برامجهم الدراسية، حتى بدون تدخل الحكومات.

يحقق الطلاب الدوليون فوائد عديدة للدول المضيفة لهم تتجاوز مساهمتهم المالية، فهم يثرون التنوع الثقافي، ويرتقون بالتميز الأكاديمي وينشرونه، ويعززون الصداقة والتفاهم عبر الحدود. ولا شك أن التراجع عن الانفتاح الذي يتيح مثل هذه التفاعلات سيجعل العالم أكثر فقراً وأقل تعليماً.

هذا المقال لا يعكس موقف أو رأي "الشرق للأخبار"وهو منشور نقلا عن Bloomberg Mediaولا يعكس بالضرورة آراء مجلس تحرير Bloomberg أو ملاكها
تصنيفات

قصص قد تهمك