كيف تغدو فيتنام حليفاً تجارياً قوياً للولايات المتحدة؟

time reading iconدقائق القراءة - 14
تاجر متجول يجلس أمام عربتها بانتظار المشترين خارج متجر \"سيركل كيه\" التابع لسلسة المتاجر الكندية \"كوتشيه-تارد\" في مدينة هوتشيه منه الفيتنامية - المصدر: بلومبرغ
تاجر متجول يجلس أمام عربتها بانتظار المشترين خارج متجر "سيركل كيه" التابع لسلسة المتاجر الكندية "كوتشيه-تارد" في مدينة هوتشيه منه الفيتنامية - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

- مقال رأي

جعلتني زيارة كامالا هاريس التاريخية لفيتنام، وهي أوَّل زيارة لنائب رئيس أمريكي منذ نهاية الحرب، أفكر بعلاقة البلدين. سيخدم وجود شراكة اقتصادية أوثق مصالحهما، لكنَّ إنجاح شراكة كهذه يتطلَّب تغييرات سياسية بعيدة النظر من جانب حكومتيهما. يجب على الولايات المتحدة أن تنفتح على التجارة مع فيتنام التي يجب عليها إعادة التوازن لنموذج تنميتها الاقتصادية وتعزيزه.

لا يتعلق الدفء الدبلوماسي المتزايد بين الولايات المتحدة وعدوتها السابقة إبان الحرب بالمقام الأول بالاقتصاد؛ بل بالصين. تشعر فيتنام بالتهديد من جارتها الشمالية الضخمة، وبينهما نزاعات إقليمية، وتاريخ طويل من نزاعات مسلحة. برغم أنَّ التحالف الكامل مع الولايات المتحدة مستبعد إلى حدٍّ كبير، إلا أنَّه من المفهوم أن تسعى فيتنام لشراكة استراتيجية تساعدها بالحفاظ على توازن القوى.

يعتمد نجاح مثل هذه الشراكة بشكل حاسم على العوامل الاقتصادية. خطت فيتنام خطوات كبيرة أخيراً فيما يتعلَّق بتعزيز مستوى معيشة شعبها، لكنَّها ما تزال بلداً فقيراً، مع مستواها التقني الذي لا يضعها على قدم مساواة مع جارتها الصين المتطورة بشكل متزايد. تحتاج الولايات المتحدة إلى هيكلة علاقتها الاقتصادية مع فيتنام حول مساعدة ذلك البلد على النمو، ليس فقط من أجل مستويات معيشة الشعب الفيتنامي؛ ولكن حتى يصبح البلد حليفاً أكثر قوة.

إصلاحات تحررية

تتبع فيتنام من نواحٍ عديدة نموذج تنمية شرق آسيا المطروق، فقد أدت سلسلة إصلاحات تحررية في الثمانينيات إلى هجين من استبداد شيوعي مختلط بمشروع رأسمالي. انضمَّت فيتنام إلى منظمة التجارة العالمية، ووقَّعت اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة، كما أصبحت قوة تصديرية للمنتجات المصنَّعة كثيفة العمالة، مثل الملابس والإلكترونيات، وخفَّضت قيمة عملتها لزيادة تنافسية منتجاتها في الخارج.

سمح هذا النموذج القياسي لفيتنام برفع مستويات معيشتها أربعة أضعاف، وبالاستفادة من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

تسير الأمور بشكل جيد حتى الآن، على أنَّ صنع أشياء رخيصة وبيعها في الخارج لا يحتاج سوى أن تكون هناك دولة، لكن للحاق بالصين سيتعيّن على فيتنام تعزيز الإنتاجية، والارتقاء في سلسلة القيمة، والتحول إلى المنتجات المتقدِّمة تقنياً ذات القيمة الأعلى. كما يتضح من حقيقة أنَّ نمو الإنتاجية في فيتنام يتباطأ؛ فإنَّ تحقيق قفزة إلى المستوى التالي من التنمية سيتطلَّب عدداً من التغييرات.

أولاً، يتعيّن على فيتنام أن تتحسَّن في مجال ما تقوم به الحكومات عادةً لدعم النمو، أي التعليم والبنية التحتية. تتمتَّع البلاد بتعليم ابتدائي وثانوي رائع، لكنَّها تتعثر عندما يتعلَّق الأمر بالتعليم العالي، لذا عليها تعزيز الكليات. نظام الطرق في البلاد ضعيف نسبياً، وكثيراً ما تتعرَّض الموانئ لديها لضغوط كبيرة.

استيعاب التقنية

ثانياً، تحتاج فيتنام لتطوير شركات عالمية المستوى. تعمل الشركات الرائدة في البلاد حالياً في قطاعات المنبع التقليدية، مثل النفط والكهرباء، أو في الصناعات الأولية، مثل المواد الغذائية والورق، إذ تقوم شركات أجنبية بكثير من التصنيع الفعلي. سيسمح بناء شركات أفضل في قطاعات التصدير مثل الإلكترونيات لفيتنام، ليس بالحصول فقط على حصة أكبر من قيمة سلاسل التوريد العالمية من خلال العلامات التجارية والتسويق؛ ولكن لاستيعاب التقنية الأجنبية بشكل أفضل أيضاً.

يوضِّح المؤلف جو ستادويل في كتابه "كيف تعمل آسيا" عبر مثال عن شركة "هيونداي موتور" في كوريا الجنوبية كيف يمكن للمصنِّعين أن يكونوا أدوات فعالة للغاية لتعلُّم الطرق الأجنبية في صنع الأشياء وممارسة الأعمال التجارية. يجب أن تهدف فيتنام لخلق شركات مشابهة.

أخيراً، يجب على فيتنام أن تتخلَّى عن التركيز على تخفيض قيمة العملة، لأنَّها يقيناً ستغضب شركاءها التجاريين في نهاية المطاف، ولأنَّها تقدِّم الدعم للمصدرين غير المنتجين، وكذلك للمصدرين المنتجين. يجب على الدولة عوضاً عن ذلك التحوُّل إلى استراتيجية لما يسميه ستودويل "انضباط التصدير"، أي مساعدة الشركات مؤقتاً على البدء كمصدرين، مع سحب الدعم لتلك التي تفشل في الأسواق العالمية.

طلاب التبادل

في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة هيكلة علاقتها الاقتصادية مع فيتنام للمساعدة في تعزيز كل هذه التحولات المطلوبة. تتمثَّل إحدى الخطوات السهلة في تعميق التجارة بين الولايات المتحدة وفيتنام بالتماشي مع خطوط الشراكة عبر المحيط الهادئ. يبدو أنَّ تلك الاتفاقية متعددة الأطراف ماتت، ولكن ينبغي التوصُّل إلى اتفاق ثنائي على غرارها.

يجب على الولايات المتحدة أن تستقبل مزيداً من طلاب التبادل الفيتناميين لمساعدة فيتنام على تحسين تعليمها العالي. سيساهم هؤلاء الطلاب في الاقتصاد الأمريكي، وسيبقى بعضهم، لكن سيعود آخرون إلى فيتنام، وسيأخذون تعليمهم معهم، مما يعزز المعرفة التقنية للبلاد. يمكن للولايات المتحدة أيضاً تقديم تمويل منخفض الفائدة لمشاريع البنية التحتية الفيتنامية، ربما بالتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية.

ستساعد هذه التغييرات فيتنام على التحوُّل لدولة ذات تقنية عالية وتساعدها على تجنُّب فخ الدخل المتوسط، ذلك سيجعل فيتنام شريكاً استراتيجياً أكثر قيمة بالتأكيد. كما أنَّ هذه التحرُّكات تعزز أيضاً روابط المجتمعين الأمريكي والفيتنامي، وتقرِّب ما بين البلدين. سيستفيد كلاهما بشكل كبير من مثل هذا التكامل العميق، فلنأمل أن تكون زيارة هاريس خطوة أولى نحو ذلك.

هذا المقال لا يعكس موقف أو رأي "الشرق للأخبار"وهو منشور نقلا عن Bloomberg Mediaولا يعكس بالضرورة آراء مجلس تحرير Bloomberg أو ملاكها
تصنيفات