أميركا تراهن على شبكة سكك بملياري دولار لمنافسة الصين في أفريقيا

الولايات المتحدة تريد موطئ قدم في إحدى أغنى الاقتصادات بالنحاس

time reading iconدقائق القراءة - 18
تحميل النحاس على عربات في محطة قطار في زامبيا - المصدر: بلومبرغ
تحميل النحاس على عربات في محطة قطار في زامبيا - المصدر: بلومبرغ
المصدر:بلومبرغ

قبل رحلته إلى زامبيا في سبتمبر، توجه كيرت هاوس إلى واشنطن للقاء وكيل وزارة الخارجية الأميركية خوسيه فرنانديز، الذي كتب لاحقاً على "إكس" (تويتر سابقاً): "نحن بحاجة إلى المزيد من الشركات الأميركية التي تستثمر في أفريقيا مثل (كوبولد - KoBold)".

بعد ذلك، توقف هاوس، الرئيس التنفيذي للشركة، في لوبومباشي، أكبر مدينة في حزام النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث شاهد عن كثب المنافسة التي تواجهها شركته. ويقول: "كانت الطائرة مليئة بالمواطنين الصينيين"، وربما لم يكن ذلك مفاجئاً نظراً لأن المشغلين الصينيين يسيطرون على معظم إنتاج الكوبالت والنحاس في الكونغو. أضاف هاوس: "خرجوا جميعاً من لوبومباشي. إنهم في طريقهم إلى الأمام في الكونغو. هذا واضح جداً".

تأمل شركة "كوبولد"، وهي شركة ناشئة في وادي السيليكون تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع عملية البحث عن النحاس، أن تصبح أول شركة أميركية تبني منجماً في زامبيا منذ عقود. تعتقد الشركة أن بحوزة البلاد مخزوناً كبيراً وعالي الجودة من النحاس، ولكن لا يوجد تقييم مستقل لحجمه.

اشترت شركة "كوبولد"– التي تشمل قائمة داعميها مشاريع "أبولو" التابعة لسام ألتمان، وبيل غيتس – حصةَ أغلبيةٍ في المشروع مقابل 150 مليون دولار في ديسمبر 2022، معلنةً عن الصفقة خلال قمة القادة الأميركيين - الأفريقيين. كشف هاوس أن الإنتاج يمكن أن يبدأ في وقت مبكر من عام 2030.

أميركا تحاول تجديد سيطرتها

هذا التفاؤل مبنيٌ على مشروع تبلغ قيمته مليارات الدولارات مدعوم من واشنطن لإحياء خط سكك حديد عمره 122 عاماً يمكن أن يعمل كشريان نقل رئيسي لنقل هذه المعادن خارج البلاد. في الوقت الحالي، يمكن أن تستغرق شاحنة محملة بالنحاس أكثر من شهر للوصول إلى الموانئ التقليدية. ولكن الطريق محفوف بالمخاطر، إذ يسعى المسؤولون الفاسدون ومعهم قطاع الطرق إلى الاستفادة من البضائع الثمينة، في وقت تخلى بعض التجار تماماً عن الطريق السريع إلى ديربان في جنوب أفريقيا الذي يعتبر الشريان الرئيسي على مدى العقدين الماضيين لنقل المعادن من زامبيا والكونغو.

اقرأ أيضاً: شركة تعدين مدعومة بالذكاء الاصطناعي تكتشف مخزوناً ضخماً من النحاس في زامبيا

يبدو مشروع ممر لوبيتو للسكك الحديدية البالغة كلفته 2.3 مليار دولار طموحاً ومعقداً على حد سواء. يمتد المشروع عبر ثلاث دول، إذ يربط الكونغو وزامبيا في قلب أفريقيا الغني بالنحاس بساحل أنغولا الأطلسي، عبر شبكة من خطوط السكك الحديدية بطول 2600 كيلومتر.

يُمول المشروع بالشراكة بين حكومة الولايات المتحدة والبنك الأفريقي للتنمية وتاجر السلع "ترافيغورا" (Trafigura)، وهو أكبر خطوة ملموسة من واشنطن لمواجهة هيمنة الصين على سوق المعادن الحيوية في أفريقيا.

تعتبر استعادة الولايات المتحدة لبعضٍ من السيطرة أمراً بالغ الأهمية لخطة الرئيس الأميركي جو بايدن لنقل الاقتصاد الأميركي إلى الطاقة النظيفة، وزيادة اعتماد المركبات الكهربائية.

تفاؤل حذر

رغم التفاؤل، يرى مستشار بالكونغرس على دراية بالمبادرة، أن تدخل إدارة بايدن في مشروع السكك الحديدية محفوف بالمخاطر. أثار التدخل أسئلة حول سجل أنغولا في مجال حقوق الإنسان بعد فوز جواو لورينسو بفارق ضئيل في الانتخابات الرئاسية لعام 2022. كما أن الكونغو ليست مستقرة على الإطلاق. ويضيف المستشار أن أي تغيير في القيادة في أي من الدول المشاركة، يمكن أن يقوض استدامة المشروع.

كما تساءل البعض أيضاً عما إذا كان الطلب على المعادن سيبرر تكلفة المشروع، بينما تساءل آخرون عما إذا كان القائمون على قطاع التعدين في الكونغو، أي الشركات الصينية والغربية، سيستخدمون خطاً ممولاً جزئياً من قبل أحد منافسيهم، "ترافيغورا".

لا يزال البيت الأبيض مصراً على المضي قدماً بالمشروع. ويرى آموس هوكستين، كبير مستشاري بايدن للطاقة والاستثمار، أنه "لا يوجد وقت لنضيعه. لقد تغيبنا عن الساحة لفترة طويلة جداً".

دور أفريقيا بالطاقة النظيفة

أضاف هوكشتاين: "أهم ما في السيارة الكهربائية هي البطارية، وأهم ما في البطارية هو أفريقيا. لذا فإن هناك فرصة كبيرة لأفريقيا لتكون جزءاً من مستقبل الطاقة النظيفة في القرن الحادي والعشرين".

قليلون هم الذين يشككون في الدور المحوري الذي تلعبه أفريقيا في مستقبل الطاقة النظيفة. السؤال الأكبر، كما تقول هانا رايدر، الرئيسة التنفيذية لشركة "ديفلوبمنت ريإيمادجند" (Development Reimagined) الاستشارية ومقرها بكين، هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تعلمت من خطوات الصين الخاطئة، قبل أن تشرع بمحاولتها تأمين موطئ قدم في جزء من العالم حيث تهيمن بكين، وذلك بفضل جزء من إنفاق الرئيس شي جين بينغ تريليون دولار على مبادرة الحزام والطريق.

وتتبع "بلومبرغ" مسار النفوذ الذي تحاول الولايات المتحدة أن تصنعه، من مشروع "كوبولد" بالقرب من تشيليلابومبوي في زامبيا إلى حدود الكونغو وميناء لوبيتو الأنغولي.

اقرأ أيضاً: أنغولا تعتزم بيع حصص في شركة النفط الوطنية "سونانغول" بحلول 2027

على الرغم من التباطؤ الأخير في نمو الطلب على السيارات الكهربائية، فإن إغراء المعادن التي تزودها بالطاقة بدءاً من الكوبالت - وهو عنصر رئيسي في بطاريات الليثيوم - إلى النحاس، من المرجح أن ينمو بشكل كبير خلال العقد المقبل.

يقول تحليل أجرته "بلومبرغ إن إي إف" إن العالم سيحتاج إلى معادن إضافية بقيمة 10 تريليونات دولار من الآن وحتى عام 2050 لتحقيق أهداف صافي الانبعاثات الصفرية. وتنتج الكونغو بالفعل أكثر من ثلثي الكوبالت في العالم، وسرعان ما لحقت ببيرو كثاني أكبر منتج للنحاس. لدى زامبيا في الجنوب هدف طموح، يقول البعض إنه غير واقعي، وهو زيادة إنتاج النحاس بأكثر من أربعة أضعاف بحلول عام 2031.

حزام النحاس

يعني هذا أن الكثير من المعروض المستقبلي من هذه المعادن سيتم استخراجه من حزام النحاس في وسط أفريقيا الذي يمتد بين البلدين.

التعقيد - على الأقل بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا - هو أن الشركات الصينية تسيطر بالفعل أو لديها حصص كبيرة في المناجم التي تنتج غالبية النحاس والكوبالت في الكونغو.

تقوم شركة "فيرست كوانتوم مينيرالز" (First Quantum Minerals Ltd) باستخراج أكثر من نصف إجمالي إنتاج النحاس في زامبيا، وعلى الرغم من أن مقرها في كندا، إلا أن ثاني أكبر مساهم فيها هي شركة "جيانكسي كوبر" (Jiangxi Copper)، المدعومة من بكين. وتقوم المجموعة الكندية "إيفانو ماينز" (Ivanhoe Mines) ببناء أكبر مجمع للنحاس في أفريقيا في الكونغو بالتعاون مع شركة "زيجين ماينينغ غروب" (Zijin Mining Group) الصينية.

اقرأ أيضاً: أفريقيا بحاجة إلى 100 مليار دولار سنوياً للتحول إلى الطاقة المتجددة

يمتد نفوذ بكين إلى ما هو أبعد من المناجم. إذ يتم تشغيل بعض الطرق الحيوية التي تربط الحزام النحاسي بموانئ جنوب أفريقيا من قبل الشركات الصينية، كما تمتد هيمنتها إلى المعالجة العالمية للمعادن التي تحتوي على أكثر من 40% من النحاس وأكثر من ثلثي الكوبالت المكرر في الصين، وفقاً لـ"بلومبرغ إن إي إف".

تمويل البنى التحتية

مع ذلك، لاقت إعادة مشاركة الولايات المتحدة هذه ترحيباً، وخاصة من قِبَل بعض البلدان الأفريقية المثقلة بالديون.

تعاني القارة من عجز سنوي في تمويل البنية التحتية يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات. منذ بداية القرن، أقرضت بكين الحكومات الأفريقية 170 مليار دولار، وفقاً لأبحاث جامعة بوسطن. تم إنفاق الكثير من هذا المبلغ على بناء البنية التحتية للنقل بما في ذلك المطارات والسكك الحديدية والطرق والموانئ. ولكن الكثير من هذه الديون أصبح مستحقاً الآن، مما أدى إلى توتر العلاقات مع بكين، وزيادة الانتقادات المحلية بأن الاقتصادات المحلية والعمال المحليين لم يستفيدوا بالقدر الذي ينبغي أن يستفيدوا منه من المشاريع المدعومة من الصين.

عبء الديون

الكونغو وزامبيا - حيث غالبية السكان تقل أعمارهم عن 18 عاماً - تريدان من الشركات ألا تقوم فقط بتصدير المعادن الخام، بل تطويرها إلى البطاريات ومحركات كهربائية، أو على الأقل المكونات التي يتم تجميعها في بلديهما.

اقرأ أيضاً: أنغولا تُسرع خطة سداد ديونها الخارجية بفضل ارتفاع النفط

يقول سيتومبيكو موسوكوتواني، وزير مالية زامبيا، الذي يأمل أن يساعد تطوير مناجم النيكل والكوبالت والنحاس في الداخل في خلق فرص العمل: "لا نريد أن يهاجر الأفارقة إلى أوروبا، ويخاطروا بحياتهم في البحر الأبيض المتوسط. نريد إنشاء سبل العيش هذه في أفريقيا".

وبعد أن اقترضت مليارات الدولارات من الصين على مدى العقد الماضي، أوقفت زامبيا سداد أقساطها في عام 2020، ولا تزال تحاول إعادة هيكلتها بعد ثلاث سنوات. استخدمت واشنطن نفوذها في البنك الدولي لممارسة الضغط على الصين للموافقة على برنامج لتخفيف عبء الديون الزامبية.

بكين تتحرك

لا تقف بكين مكتوفة الأيدي، إذ تجري شركة صينية للسكك الحديدية مملوكة للدولة محادثات مع الحكومتين الزامبية والتنزانية للاستحواذ على امتياز سكة حديد تازارا الذي يربط الحزام النحاسي بميناء دار السلام على المحيط الهندي. وسيتطلب ذلك استثمارات تزيد عن مليار دولار، وفقاً لسفير الصين لدى زامبيا، دو شياو هوي.

ويوضح مشروع ممر لوبيتو تغيراً صارخاً في المسار بالنسبة للولايات المتحدة، التي أنفقت المليارات على الرعاية الصحية ومكافحة الإرهاب في أفريقيا في حين كانت الصين تدعم مشاريع البنية التحتية.

وانضم الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة ودول مجموعة السبع الأخرى في دعم المشروع، وعينت الأطراف في أكتوبر شركة التمويل الأفريقية ومقرها نيجيريا كمطور رئيسي للربط من زامبيا إلى أنغولا، مستفيدة من خبرتها المحلية. وينبغي الانتهاء من دراسة الجدوى هذا العام، وإذا حصل المشروع على الضوء الأخضر، فسيبدأ البناء في عام 2026، ويستغرق ما يصل إلى أربع سنوات، بحسب الرئيس التنفيذي للبنك، سامايالا زوبيرو.

مناطق حيوية في أنغولا

اعتبر هاوس أن "هناك بالتأكيد عنصر صراع بين القوى الكبرى هنا". تابع: "وضعت الولايات المتحدة الوصول إلى المعادن المهمة لنفسها ولحلفائها كأولوية قصوى للغاية".

اقرأ أيضاً: سعر النحاس يقفز لأعلى مستوى في 11 أسبوعاً خشية إغلاق منجم بنما

تقع بلدة لواو الحدودية الأنغولية عند تقاطع مهم بين خط سكة حديد بنغيلا وممر لوبيتو. وعلى بعد أكثر من 1300 كيلومتر إلى الغرب، يوجد ميناء لوبيتو الذي بالكاد يستخدم اليوم لتصدير المعادن، وعلى بعد 400 كيلومتر إلى الشرق في الكونغو تقع مدينة كولويزي، وهي مركز تعدين رئيسي لكل من النحاس والكوبالت.

تقدر شركة "إيه جي إل" (AGL)، التي فازت بامتياز تشغيل محطة الحاويات بالميناء، وهي وحدة تابعة لشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن ومقرها سويسرا، أنه في غضون عقد من الزمن ستستحوذ لوبيتو على حوالي 20% من إنتاج المعادن الموسع الذي يدخل ويخرج من حزام النحاس في زامبيا والكونغو.

يقول أوليفييه دي نوراي، مدير الموانئ والمحطات في "إيه جي إل"، إن شركته لديها طموحات لزيادة عدد حاويات الشحن التي يتعامل معها الميناء سنوياً إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، ليصل إلى 100 ألف حاوية بحلول أوائل عام 2026، ومضاعفة ذلك بحلول عام 2029.

بين لوبيتو وكولويزي

يبدو الأمر إيجابياً عند النظر إليه من المسار بين لواو وكولويزي. الخط الذي تديره سلطات الكونغو، في حالة سيئة للغاية لدرجة أن القطارات التي تزحف بسرعة متوسطها 10 كيلومترات في الساعة تخرج عن مسارها في كثير من الأحيان.

تقدر شركة "ترافيغورا" أن هناك حاجة إلى استبدال 80 كيلومتراً من السكك الحديدية في الكونغو. تم تخصيص ما يصل إلى 100 مليون دولار من إجمالي الإنفاق لإحياء هذا الجزء من الخط.

أما عند التوجه غرباً من لواو إلى ميناء لوبيتو فإن الصورة مختلفة تماماً. تمر الأحرف (祝你旅途愉快) عبر لوحة الإعلانات أثناء خروج قطار الركاب من المحطة، وتعني باللغة الصينية "أتمنى لك رحلة ممتعة!" وتأتي بمثابة تذكير بأن شركة "تشاينا ريلوي 20 غروب كوربوريشن" (China Railway20 Bureau Group Corporation)، وهي شركة مملوكة للدولة، أعادت بناء هذا الخط منذ حوالي عقد من الزمن بتكلفة تقدر بنحو 2 مليار دولار، ولكنها خسرت في يوليو رخصة التشغيل الطريق الممتد بطول 1344 كيلومتراً من لواو إلى لوبيتو والذي يستغرق حوالي يومين للسفر، أمام التحالف الذي تقوده "ترافيغورا".

اقرأ أيضاً: منافع ضئيلة لاقتصادات أفريقيا من اكتشافات النفط والغاز

يوجد في عربة الطعام تذكير قديم بتراث السكك الحديدية. مطبوعة على الحائط عبارة "مطعم روبرت ويليامز" في إشارة إلى مهندس التعدين الإسكتلندي الذي فاز في عام 1902 بعقد إيجار لمدة 99 عاماً من القوة الاستعمارية آنذاك، البرتغال، لبناء وتشغيل خط بنغويلا من لوبيتو إلى كولويزي.

مشاريع متعددة لسكك الحديد

مع انتهاء العقد، كان قد مرّ على أنغولا نحو ثلاثة عقود من الصراع المدني الذي خلف مئات الآلاف من الضحايا، وحول البلاد إلى بيدق في الحرب الباردة، ودمر البنية التحتية للدولة الغنية بالنفط.

تدخلت بكين لتمويل وإعادة بناء السكك الحديدية في عام 2004. وفي هذه العملية، حصلت أنغولا منذ ذلك الحين على ما يصل إلى 45 مليار دولار من الديون من الصين، وهي أكثر من أي دولة أفريقية أخرى، ويتم سداد جزء منها في شكل شحنات نفط.

تعهد تحالف "ترافيغورا"، الذي يضم أيضاً شركة "موتا إنغيل" (Mota Engel) البرتغالية للإنشاءات، وشركة تشغيل القطارات البلجيكية فيكتوريس، بإنفاق 555 مليون دولار على تحديث الخط.

مدينة لواكانو، التي تقع على بعد 80 كيلومتراً إلى الغرب من لواو، هي المكان الذي سيتم فيه ربط خط السكك الحديدية الحالي بالخط الجديد، الذي يربط المناجم في زامبيا، بما في ذلك منشأة "كوبولد"، بممر لوبيتو. بتكلفة تقدر بـ1.6 مليار دولار، فإن خط زامبيا - لوبيتو سيكون الجزء الأكثر تكلفة في المشروع، ويخطط بنك التنمية الأفريقي للمساهمة بنحو 500 مليون دولار في الخط الجديد.

تضارب المصالح

بعد لواكانو، المحطة التالية هي لوانا، حيث ينطلق ضجيج الأبواق بينما تتهادى المقطورات ببطء متجاوزةً العشرات من دراجات التاكسي المصنوعة في الصين والتي تقل الركاب إلى محطة بنتها وتمولها بكين.

وفي لمحة عن تضارب المصالح المتجسدة بهذه الرحلة، يعرض تلفزيون في الطرف الغربي من عربة الطعام فيلماً باللغة الإنجليزية من إنتاج "نيتفلكس"، بينما تعرض شاشة في الطرف الشرقي فيلماً صينياً للفنون القتالية.

اقرأ أيضاً: روسيا تزيد مبيعات النحاس للصين وتركيا لتعويض تراجع الصادرات لأوروبا

في الواقع، انقلب الصراع على السيطرة على ممر لوبيتو لصالح الغرب. وكتب ممثل لوبي أنغولا في واشنطن عند طلبه من مسؤولي إدارة بادين تنظيم زيارة للرئيس لورينسو إلى البيت الأبيض، أن زعيم الدولة الأفريقية "يتخلى عن علاقات أنغولا التاريخية مع الصين (وروسيا) لصالح شراكة جديدة واستراتيجية مع الولايات المتحدة".

في نهاية شهر نوفمبر، استقبل بايدن لورينسو في البيت الأبيض. وكان مشروع السكك الحديدية في صلب مناقشاتهما.

خفض التكاليف

في البداية، تم تشكيل مجموعتين صينيتين لتشغيل الميناء والسكك الحديدية. وكان هذا التحول محاولة لتنويع المخاطر، وفقاً لريكاردو دي أبرو، وزير النقل الأنغولي. يعتبر الوزير أن تحالف "ترافيغورا" كان لديه أفضل عرض فني، وكان أكثر توافقاً مع مصالح الدولة، فهو يريد من التحالف أن يرفع سعة الشحن على السكك الحديدية إلى 1.5 مليون طن سنوياً في غضون عامين.

أرسلت "إيفانو" شحنة تجريبية من صادرات النحاس من كولويزي إلى ميناء لوبيتو في ديسمبر. استغرق الأمر ثمانية أيام، أي أقل من ثلث الوقت الذي يستغرقه الوصول إلى ميناء ديربان التقليدي عن طريق البر، مما يحد من التكاليف بشكل كبير.

وبلغ متوسط مدة الرحلات اللاحقة خمسة أيام، وفقاً لشركة "ترافيغورا"، التي وقعت في فبراير صفقة مع شركة "إيفانو"، لتصبح أول عملاء الخط على المدى الطويل.

ومع ذلك، فإن الشحنة لم تذهب إلى مصنع معالجة غربي، بل ذهبت إلى الصين. ولم يكن هوكستين منزعجاً، مجادلاً بأن الولايات المتحدة تضيف قيم السوق الحرة إلى المشروع.

ينتهي الخط المؤدي إلى ساحل المحيط الأطلسي عند ميناء لوبيتو، الذي أصبح الآن مدينة ساحلية هادئة.

تراهن الولايات المتحدة وشركاؤها على أن شركات التعدين والتجارة ستستحوذ على القدرة المتنامية. ولكن هناك شكوك حول ما إذا كان هناك ما يكفي من الطلب.

يقول دنكان موني، مؤرخ التعدين الذي درس حزام النحاس في وسط أفريقيا: "تم بناؤه على أساس توقع أن الإنتاج من الحزام النحاسي سيزيد بشكل كبير، وهو ما قد لا يحدث. في هذه الحالة، سيكون الخط زائداً عن الحاجة".

في منطقة غابات في زامبيا، إلى الجنوب مباشرة من الحدود مع الكونغو، تحاول منصة حفر تابعة لـ"كوبولد" إثبات خطأ المشككين. يبلغ ارتفاع المنصة حوالي 20 متراً، وتحمل مقاطع عرضية أسطوانية من الصخور التي يتم ترتيبها بعد ذلك بدقة في صواني بلاستيكية، قبل أن يتم نقلها لمسافة قصيرة بالسيارة إلى مستودع مليء بالآلاف من العينات المتشابهة المصفوفة في صفوف.

مخزونات كبيرة

تلتقط الكاميرا صوراً للمقاطع العرضية ليقوم برنامجٌ بمعالجتها، مما يؤدي إلى تسريع فهم الرواسب المعدنية. يشير شين نيلسن، الجيولوجي الرئيسي في "كوبولد"، إلى أن تركيز النحاس في هذه العينات أعلى بأكثر من 10 مرات من التركيز الموجود في تشيلي، المنتٍج الأكبر، وكل ثقب حُفر يثبت أن المخزونات أكبر بكثير مما كان يُعتقد في البداية.

أضاف نيلسن وهو يمسك بقطعة أنبوبية الشكل من الصخرة: "لا يمكنك وضع المزيد من النحاس في هذا. إنها حقاً استثنائية للغاية".

تصنيفات

قصص قد تهمك