للوصول للمريخ.. الجسم البشري قد يحتاج تعديلات جينية

time reading iconدقائق القراءة - 12
الجسم البشري ربما يحتاج لتعديلات جينية من أجل حمايته وضمان قدرته على التأقلم مع ظروف العيش لفترات طويلة في الفضاء - المصدر: غيتي إيمجز
الجسم البشري ربما يحتاج لتعديلات جينية من أجل حمايته وضمان قدرته على التأقلم مع ظروف العيش لفترات طويلة في الفضاء - المصدر: غيتي إيمجز
المصدر:بلومبرغ - مقال رأي

إذا كان البشر سيصلون إلى المريخ في وقت ما، فسنحتاج إلى مهندسين لتصميم صواريخ جديدة، وأجهزة أخرى.

هل سنحتاج أيضاً إلى علماء يمكنهم تغيير جيناتنا؟ يجادل الدكتور "كريستوفر إي ماسون" من كلية الطب "وايل كورنيل"في كتابه الجديد المثير للجدل بذلك بالضبط.

تعديلات جينية

يقول "ماسون"، إنَّ المشكلة تكمن في أنَّ الأجسام البشرية تتكيَّف بشكل رائع مع الحياة على الأرض، ومن غير المرجَّح أن تصمد جيداً أثناء الرحلات الطويلة المطلوبة للوصول إلى القمر والمريخ.

ومع ذلك، في أحد الأيام القريبة، قد تُستخدم التطورات في علم الوراثة والطب - مثل تقنية تعديل الجينات "كريسبر"، أو التقنية العلاجية (كار-تي)، التي تقوم على إعادة برمجة الخلايا المناعية التائية، وتعديلها لمكافحة السرطان وذلك من أجل مساعدة روَّاد الفضاء على تحمُّل قسوة رحلات الفضاء بشكلٍ أفضل.

كثيراً ما كان "ماسون" يبحث في مثل هذه القضايا منذ سنوات، وقاد أحد الفرق التي اختارتها وكالة "ناسا" لدراسة تأثير السفر الفضائي طويل المدى على التوءمين المتطابقين سكوت، و(السناتور حالياً) مارك كيلي، بعد أن قضى الأول عاماً في محطة الفضاء الدولية.

إنَّ مختبر "ماسون" متخصص أيضاً في أبحاث السرطان، فالمجالان يوفِّران المعلومات لبعضهما.

إنَّ الخطة طويلة الأجل لبقاء الإنسان، حدَّدها "ماسون" في كتابه "الخمسمئة عام التالية: هندسة الحياة من أجل الوصول إلى عوالم جديدة".

حررنا المقابلة التالية للتعامل مع طولها ووضوحها.

حماية البشر

آدم مينتر: عندما وصلت إلى الصفحة رقم 100 تقريباً من كتابك، تولَّدت لدي رؤية وكأنَّك قاضٍ في برنامج "شارك تانك". في حين كان كل من جيف بيزوس، أو إيلون ماسك على خشبة المسرح يقدِّمون خطَّة عملهم المريخية. وأنت تسألهم، "كل هذا جيد جداً، ولكن كيف ستُحافظون على هؤلاء الأشخاص على قيد الحياة؟"

كريستوفر ماسون: نعم، كأنَّني أود أن أقول، "شكراً على دفع ونقل البشر إلى الفضاء - ولكن ما هي الخطوات التي نتخذها للتأكُّد من أننا حتماً لا نقوم بإيذائهم؟"

آدم مينتر: على مدار 60 عاماً، فكرنا في الصواريخ، وكبسولات الفضاء، وأجهزة الكمبيوتر باعتبارها الأدوات اللازمة لاستكشاف الفضاء. لكنَّك تجادل بأنَّ البيولوجيا البشرية في الواقع هي الأداة الأساسية.

كريستوفر ماسون: نعم، الأمر كذلك. لكنَّني لا أقول، إنَّه يجب أن يكون الأمر كذلك. ربما سنفاجأ بسرور من المرونة الرائعة لاستجابة الجسم البشري، ولربما سيكون البشر على ما يرام. أو إذا قمت بحفر عميق بما فيه الكفاية على سطح المريخ، فربما يمكنك حماية نفسك من الإشعاع تحت الثرى. قد تكون بخير. لكن مهمات الفضاء السحيق، أو تجاوز الكواكب الداخلية، أو حتى مهمة واحدة طويلة إلى المريخ، والعودة منه، ستدفع حدود ما نعرفه. كما أنَّها تقترب من حدود العمر التقديرية للإشعاع للتعرُّض البشري.

مخاطر صحية

آدم مينتر: بناءً على ما تعلَّمته من التوءم "كيلي"، ما هي المخاطر الصحية الرئيسية لبعثة المريخ على سبيل المثال؟

كريستوفر ماسون: كل رائد فضاء عبارة عن جزيء حيوي ثلجي صغير، إذ لديهم استجابات مميزة لرحلات الفضاء. لكنَّهم جميعاً يواجهون المخاطر نفسها؛ التغيُّر في الجاذبية والإشعاع.

هذان هما العاملان الكبيران اللذان نراهما باستمرار. يمكننا أن نرى أنَّ العاملين يؤديان إلى تغييرات في الجسم، مثل: العظام، والعضلات، والجينات.

ولكن بعد ذلك أيضاً نرى العوامل الأخرى، كالعزلة التي تشعر بها، وأنت بعيد عن الأصدقاء والعائلة، وهذا عنصر إدراكي أساسي يجب عليك تتبعه.

آدم مينتر: هل يجب أن نقول لرائد فضاء يذهب في مهمة لمدة عامين، "من المحتمل أنَّك تتعرَّض لمخاطر صحية، وربما تقصر حياتك؟"

كريستوفر ماسون: لا أعرف ما إذا كنت سأذهب إلى حدِّ القول، إنَّها تقصر حياتك. نحن لا نعرف. روَّاد الفضاء هم من بين المرضى الأكثر مراقبة وفحصاً. إنَّهم يستفيدون من واحدة من أفضل نظم الرعاية الصحية في العالم. وهم بالفعل يتمتَّعون بصحة جيدة عندما يصعدون. لكنَّنا نعلم أنَّه من الممكن أن تزيد الرحلة من خطر الإصابة بأمراض القلب، والأوعية الدموية، والسرطان على المدى الطويل، بناءً على التعرُّض للإشعاع وحده.

"سكوت كيلي"

آدم مينتر: كتب "سكوت كيلي" أنَّه لم يشعر بأنَّه طبيعي لمدة سبعة إلى ثمانية أشهر بعد عودته إلى الأرض. هل تعرف ما تفسير ذلك؟

كريستوفر ماسون: كانت المهمة التي دامت سنة واحدة أصعب من مهمته السابقة. هناك احتمال أن تكون المهمات الأطول في الواقع أصعب على الجسم بطريقة غير خطية، لأنَّها ليست ضِعف الوقت فقط، بل قد تكون أربعة أضعاف.

على سبيل المثال، ليس لدينا بيانات كافية لمعرفة ما إذا كان ذلك يزيد عندما تذهب وتعود في مهمة مدَّتها ثلاث سنوات على المريخ.

يمكننا أن نرى الجينات التي كانت داخل خلاياه تستجيب لرحلة الفضاء، حتى بعد أشهر. كانت الجينات التي تمَّ تنشيطها لإصلاح الحمض النووي ما تزال نشطة على مستوى أعلى مما كانت عليه قبل ذهابه إلى الفضاء.

لقد قمنا أيضاً بأخذ عينات مستمرة وإضافية لتتبُّع ذلك، ويمكننا القول، إنَّ جميع الجينات تقريباً عادت إلى وضعها الطبيعي.

التطبيق الفعلي

آدم مينتر: ما مدى تقدُّم العلماء من ناحية القدرة على أداء بعض التقنيات الهندسية التي نوقشت في الكتاب؟ على سبيل المثال، يجب عليك تشغيل الجينات وإيقافها لحماية شخص ما من الإشعاع بشكل مؤقت؟

كريستوفر ماسون: نحن في المرحلة الفنية التي تمكِّننا القيام ببعض من هذا. لكنَّني لا أعتقد أنَّنا وصلنا إلى المرحلة التي يمكننا فيها تطبيقها على روَّاد الفضاء. أعتقد أنَّنا لن نتمكَّن من تطبيق بعض هذه الأفكار على روَّاد الفضاء قبل مدَّة تتراوح بين 10 إلى 20 عاماً.

إنَّ هذا بعيد المنال؛ لأنَّنا سنحتاج بالفعل إلى إكمال العديد من التجارب السريرية، ونحتاج ألا يكون لدينا أي شكٍّ تقريباً حول سلامة وفعالية هذه العلاجات الوراثية والتخليقية. لكن كما أشرت في الكتاب، نحن بالفعل نقوم ببعض من هذا اليوم.

يوجد الآن أكثر من ألف تجربة في مجالات "CAR-T"، و"CAR"، نحن نقوم بهندسة الخلايا، وإعادة زرعها في المرضى، وهم يتجوَّلون حول الأرض اليوم، ويتحلون بالشفاء.

لكنَّنا لم نجرب هذه التقنيات في مسألة الإشعاع هذه حتى الآن، إلا في الخلايا. لكن أعتقد أنَّنا سنصل إلى ذلك قريباً.

مزيد من الوقت

آدم مينتر: إذاً، من 10 إلى 20 عاماً هو الإطار الزمني الذي نحن مستعدون فيه لإرسال الأشخاص في تلك المهمة التي تستغرق ثلاث سنوات إلى المريخ؟.

كريستوفر ماسون: نعم، سيكون الأمر مثل معظم الأدوية. ربما سيكون شيئاً اختيارياً للغاية. إذا كان لديك خياران، أحدهما أكثر خطورة، فلن تفعل الخيار الأكثر خطورة. ستختار الخيار الأكثر أماناً، وهو الخيار الذي أُثبتت صحته عبر العلاجات السريرية.

إنَّ اللقاحات لا تخلو من المخاطر أيضاً. نقول للناس، إنَّه إذا كنت ستذهب إلى منطقة، فيها مسبب مرض معروف، فعليك الحصول على اللقاح. يشبه هذا التشابه الذهاب إلى مكان تعرف أنَّ فيه خطراً، ويمكنك منعه، على الرغم من أنَّ الشيء الذي يمكن أن يمنعه قد لا يحتوي على أيِّ مخاطرة. عليك أن تقوم بحساب أنَّ هذه المخاطرة أقل من أيِّ خطر.

تقدُّم الصين

آدم مينتر: أنت تأتي على ذكر العلم الصيني في كثير من الأحيان في الكتاب، ولسبب وجيه. فقد وصلت الصين حقاً إلى الكثير من هذه التقنيات، إذ يوجد لدى الغرب بعض المخاوف والموانع الأخلاقية. هل هناك احتمال أن يتصدَّروا في استكشاف إنسان الفضاء لمجرد أنَّهم أكثر استعداداً لتحمُّل هذه المخاطر؟

كريستوفر ماسون: من المحتمل أن تكون الإجابة في بعض الحالات نعم، لأنَّنا رأينا هذا بالفعل. على سبيل المثال، أجنة "كريسبر" التي تمَّ زرعها، ثم ولادتها بواسطة العالم "خهجيان كوي"، الذي هو حالياً في السجن بسبب ذلك. هو، باحث صيني في الفيزياء الحيوية، ادعى أنَّه عدَّل وراثياً أجنَّة توءَمين في عام 2018. وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في العام التالي. لكنَّه لم يسجن حتى صدور إدانة دولية. أعتقد أنَّ حدسك صحيح، وقد رأيته بنفسي. بشكل عام، هم لا يتجنَّبون المخاطرة كما نتجنَّبها نحن، ويبدو أنَّ عتبة المخاطرة الخاصة بهم تسمح لهم بالتقدُّم بشكل أسرع إلى الأشياء التي قد تأخذ منا وقتاً أطول.

تحسين النسل

آدم مينتر: فكرة أنَّه يجب علينا هندسة البشر للفضاء ستبدو حتماً مثل تحسين النسل بالنسبة لبعضهم. كيف تردُّ على ذلك؟

كريستوفر ماسون: إنَّ علم تحسين النسل كان يسلب الحريات من الناس، بما في ذلك التعقيم القسري. وجهة نظري هي أنَّه إذا تمَّ نشر التكنولوجيا بشكلٍ عادل ومنصف وبعناية، فيمكنها في الواقع زيادة الحريات الخلوية. إنَّها فعلياً عكس علم تحسين النسل. فبدلاً من قيام شخص ما بتقييد ما يمكنك فعله بخلاياك، فإنَّنا نقلب ذلك؛ إذ يمكن أن تمنحك التكنولوجيا أكبر قدر ممكن من المرونة للقيام بأشياء مع خلاياك وجزيئاتك، ومن ثمَّ مساعدتك في الذهاب إلى الأماكن التي لن تستطيع الوصول إليها بدون ذلك.

الفائدة ليست بالفضاء فقط

آدم مينتر: يبدو أنَّه من المحتمل أن يستفيد الكثير من الأشخاص الذين لن يذهبوا إلى الفضاء أبداً من العمل الذي تقوم به أنت مع الآخرين في محاولة اكتشاف كيفية جعل الناس أكثر مرونة في البيئات القاسية.

كريستوفر ماسون: بشكل كبير جداً، حتى أشياء مثل، إذا كنت تقوم بالعلاج الإشعاعي للسرطان؛ فإنَّ اكتشاف طرق لحماية المناطق المحاذية له أمرٌ يساعد الجميع.

آدم مينتر: كيف يتفاعل المسؤولون العموميون الذين تعمل معهم - في وكالة "ناسا" على سبيل المثال –مع إمكانية هندسة البشر للفضاء؟

كريستوفر ماسون: ما يزال الوقت مبكراً، لأنَّ هذه التقنيات لا يتجاوز عمرها بضع سنوات. هل سيكون هذا ما سنفعله لروَّاد الفضاء العام المقبل؟ أو حتى خلال خمس سنوات؟ كلا، وحتى لا أعتقد أنَّنا يجب أن نفعل ذلك. لكن هل نقوم بذلك حالياً في مختبري لمرضى السرطان؟ نعم، لأنَّه ليس لديهم الكثير من الوقت.

لأنَّ مرضى السرطان يحدِّقون في وجه ملاك الموت. يجب أن يتمتَّع روَّاد الفضاء بحياة طويلة وكاملة. في الوقت الحالي، لا نعرف ما يكفي عن هذه التقنيات لاستخدامها على روَّاد الفضاء. في الكتاب، أقترح أن يبدأ معظمها في عام 2040.

الرحلات التجارية للفضاء

آدم مينتر: كيف يتعامل القطاع التجاري للسفر إلى الفضاء مع هذه الأفكار؟

كريستوفر ماسون: أعتقد أنَّنا فقط في الجزء السفلي من الأفعوانية، عندما تبدأ في الصعود، لأكبر تلٍّ في الرحلة. يتزايد الزخم بالنسبة لنا حتى نتمكَّن في القريب العاجل من إرسال المزيد من الأشخاص إلى الفضاء أكثر من أيِّ وقت مضى. وفي النهاية، نأمل أنَّه في غضون عقد أو أطول من ذلك بقليل، من المحتمل أن نكون على سطح المريخ.

هؤلاء هم بشر مدرَّبون تدريباً عالياً، ومتخصصون للغاية، ويتمُّ انتقاؤهم بعناية كبيرة للذهاب إلى الفضاء. تبحث شركات الفضاء التجارية عن أشخاص عاديين من طراز فيلم "جاك وجيل"، ربما أكبر سناً، وربما يكونون في حالة لائقة أقل، وقد تكون لديهم أمراض مشتركة أخرى، وقد تعرِّضهم لمخاطر أكبر، نظراً لأنَّ الرحلات الفضائية التجارية تستكشف الفضاء، فإنَّها تضفي الطابع الديمقراطي على الفضاء. لا نعرف كيف سيكون أداء جسم الإنسان الأقل لياقة أثناء الطيران، لكنَّنا سنكتشف ذلك قريباً. إذا فعلنا ذلك جيداً، وبعناية، فإنَّه حقٌّ للناس أجمعين.

هذا المقال لا يعكس موقف أو رأي "الشرق للأخبار"وهو منشور نقلا عن Bloomberg Mediaولا يعكس بالضرورة آراء مجلس تحرير Bloomberg أو ملاكها
تصنيفات

قصص قد تهمك