من يبني عالم "ميتافيرس"؟ تعرفوا إلى كبير مسؤولي "ميتا" لشؤون التكنولوجيا

المصدر: بلومبرغ
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

قبل أن تكشف سلسلة القصص التي نُشرت في 25 أكتوبر، التفاصيل الجديدة عن الوسائل المثيرة للقلق التي تدير من خلالها "فيسبوك" شبكات التواصل الاجتماعي التابعة لها، كانت الشركة التي غيرت اسمها إلى "ميتا بلاتفورمز" تأمل في أن تخصص الأسبوع الماضي للحديث فقط عن خططها التوسعية نحو تقنيات جديدة، إذ ركَّز مؤتمر "كونيكت" السنوي للشركة الذي عقد في 28 أكتوبر على طموحها بإنشاء العالم الرقمي الجديد "ميتافيرس"، الذي تؤمن بأنه سيحل مكان تطبيقات الهواتف الذكية ليصبح الأسلوب الرئيسي للتفاعل عبر الإنترنت. وكان الرئيس التنفيذي للشركة، مارك زوكربيرغ، قد قال سابقاً، إنَّ هذا المسار سوف يسهم في إحداث تحوّل في "فيسبوك"، وأعلن عن هدفه بجذب مليار مستخدم إلى "ميتافيرس" بحلول نهاية العقد الحالي.

اقرأ أيضاً: هل سنشهد "ميتافيرس" حقاً.. أم الأمر مجرد خيال؟

بوسوورث
بوسوورث المصدر: بلومبرغ

لعب "ميتافرس" دوراً رائداً في عالم الخيال العلمي لعقود. ومن الأمثلة على الـ"ميتافيرس"، نذكر العالم الرقمي في روايتي "سنو كراش" (Snow Crash)، و"ريدي بلاير ون" (Ready Player One)، إذ تعيش الشخصيات حياة رقمية موازية لحياتها الفعلية. كذلك، تقدِّم ألعاب الفيديو مثل "روبلوكس" (Roblox)، و"فورتنايت" (Fortnite)، خصائص مشابهة لما يدور في بال "فيسبوك". فبعد أن وصلت الهواتف الذكية إلى حدِّها الأقصى في إنشاء تجارب حوسبة انغماسية، بدأ الناس يبحثون عن المزيد من التجارب، مما سيدفعهم نحو التفاعلات الرقمية ثلاثية الأبعاد، بدل الدردشة عبر تقنية الفيديو على سبيل المثال.

خلال الصيف الماضي، قال زوكربيرغ في حديث لموقع "فيرج" (Verge) المتخصص بأخبار التكنولوجيا: "يمكن النظر إلى (ميتافيرس) على أنَّه الإنترنت المتجسد، ولكن كبديل مشاهدة المحتوى؛ سوف تكون في داخل هذا المحتوى".

اقرأ أيضاً: "فيسبوك" توقف استخدام تقنية التعرُّف على الوجوه

أما المسؤول عن المشروع الجديد، فهو أندرو بوسوورث، المدير التنفيذي والصديق المقرب من زوكربيرغ، والذي سيتولى مهام كبير المسؤولين لشؤون التكنولوجيا في بداية عام 2022. قال بوسوورث البالغ من العمر 39 عاماً، والمعروف في الشركة باسم "بوز": "نريد أن نمنح الناس لمحة عن هذه الرؤية وعن هذا المستقبل". ووصف المؤتمر بـ"رسالة حب إلى مستقبل الـ(ميتافيرس)".

فكرة قديمة

بدأت "ميتا بلاتفورمز" ("فيسبوك" سابقاً) في وضع أسس هذا المشروع منذ عام 2014 على الأقل، حين استحوذت على شركة صناعة سماعات الرأس المتخصصة بالواقع الافتراضي "أوكولوس" (Oculus). وكان بوسوورث قد تولى مسؤولية قسم الواقع الافتراضي، والواقع المعزز في "فيسبوك" عام 2017. وتشير ترقيته إلى منصب كبير المسؤولين لشؤون التكنولوجيا إلى الأهمية التي توليها الشركة للمشروع. وكانت "فيسبوك" قد أعلنت أنَّها سوف توظف 10 آلاف شخص في أوروبا خلال السنوات الخمس المقبلة، من أجل المساعدة في بناء "ميتافيرس".

في غضون ذلك، أعلنت الشركة في أحدث تقرير مالي أصدرته في 25 أكتوبر، أنَّ أرباحها التشغيلية ستتراجع بواقع 10 مليارات دولار في عام 2021، بسب الاستثمار في القسم المخصص لبناء "ميتافيرس"، وهي تخطط كي تزيد هذا الإنفاق في السنوات المقبلة قبل أن تبدأ بتحقيق أموال فعلية من المشروع.

اقرأ المزيد: "فيسبوك" تغير اسمها إلى "ميتا" للتركيز على الواقع الافتراضي

في هذا الإطار، تمارس الشركة لعبة الهجوم والدفاع الآمن معاً. فإذا أصبح الـ"ميتافيرس" وسيلة التفاعل الرائدة المقبلة على الإنترنت؛ فسوف تستفيد الشركة من إسهاماتها في تصميمه. وفي المقابل، تدرك "ميتا" منذ زمن، أنَّ وصولها إلى المستخدم يعتمد على شركات أخرى مثل "أبل"، وشركة "ألفابيت" الأم لـ"غوغل"، والأجهزة والأنظمة التشغيلية التابعة لهما، مما يعدّ نقطة ضعف بالنسبة إليها. وقد ظهر ذلك إلى العلن مؤخراً، إثر النزاع بين "فيسبوك"، و"أبل" حول الاستهداف بواسطة الإعلانات.

تحول منتظر

إلى ذلك، تعتقد "ميتا" أنَّ المستخدمين سوف يدخلون إلى "ميتافيرس" في البداية بواسطة هواتفهم الذكية، إلا أنَّهم سوف ينتقلون لاحقاً بشكل تدريجي إلى استخدام أجهزة تابعة لها، مثل سماعات رأس "أوكولوس" الخاصة بالواقع الافتراضي، وهذا سوف يشكل انقلاباً كبيراً.

بالفعل، قامت "ميتا" باستثمارات هائلة في هذا المجال، أكثر مما يدركه كثيرون، بحسب توم ماينيلي، نائب الرئيس لشؤون الأجهزة وبحوث المستهلك في شركة "آي دي سي" (IDC) للأبحاث. فهو يرى أنَّ "ميتافيرس" منتج أساسي بالنسبة إلى خطط الشركة الهادفة إلى "تنويع مصادر الإيرادات المستقبلية، وتعزيز مكانتها ضمن منصات الحوسبة المقبلة، وربما لإعادة صياغة سردية الشركة من الآن وصاعداً".

من أجل تحقيق هذا الطموح؛ فإنَّ "ميتا" ستحتاج على الأرجح إلى تعاون المستخدمين المشككين، وأيضاً إلى تعاون الشركات المنافسة التي تحاول "ميتا" الالتفاف حولها. ففكرة "ميتافيرس" لن تنجح إلا إذا تمكن مستخدمو "أبل"، و"غوغل" من المشاركة فيها أيضاً. وإلا سوف تكون مجرد عالم إضافي، بحسب وصف بوسوورث.

تراهن الشركة على قدرتها على بناء الـ"ميتافيرس" بطريقة تجذب إليها الشركات الأخرى. وكان بوسوورث الذي يعمل في "فيسبوك" منذ أكثر من 15 سنة، قد أسهم في صناعة كلِّ منتج أساسي لدى الشركة. فقد ساعد على بناء خاصية "آخر الأخبار" التي تعتبر طريقة التفاعل الرئيسية والوسيلة الأساسية المدرَّة للمال للشركة. كما أسهم في إنشاء "مجموعات فيسبوك"، وخاصية الرسائل النصية لـ"ماسنجر"، وفريق الإعلانات في الشبكة. وهو يدير منذ أربع سنوات مختبرات الواقع في "فيسبوك"، التي تعد القسم المتخصص ببحوث المستقبل والمسؤول عن صناعة سماعات الرأس الخاصة بالواقع الافتراضي، ومكبرات الصوت المنزلية، ونظارات الواقع المعزز. كما أنَّ زوكربيرغ يعتبره صديقاً مقرباً، فأولادهما يلعبون معاً، وفي حين كان بوسوورث يبني منزله، استأجر منزلاً من زوكربيرغ، وأصبحا جارين.

تحت الأضواء

يظهر بوسوورث على العلن أكثر من المديرين الآخرين في "ميتا" الذين يفضلون الابتعاد عن الأضواء. فهو يستخدم كثيراً موقعي "فيسبوك"، و"تويتر"، وطبعاً لديه "بودكاست".

كما يعتبر نفسه ثورياً، فقد سبق وشارك بمنشورات جريئة في منتديات "فيسبوك" الداخلية. ففي منشور كتبه في عام 2017، ونشر في مقال في "بازفيد" عام 2018، قال إنَّ التأثيرات السلبية لمنتديات "فيسبوك" مثل تعريض الناس للمتنمرين، أو إتاحة المجال للأنشطة الإرهابية، تحمل ثمناً لا بدَّ من دفعه من أجل تحقيق رسالة الشركة بالتواصل مع العالم. وأضاف: "الحقيقة المرّة هي أننا نؤمن بشدة بالتواصل مع الآخرين، لدرجة أنَّ أي أمر يمكِّننا من التواصل مع المزيد من الأشخاص، نعتبره جيداً بحكم الأمر الواقع".

إلا أنَّ بوسوورث عاد وأكد أنَّ المنشور لا يعبر عن رأيه الحقيقي، حتى في ذلك الوقت، بل كان يسعى إلى فتح نقاش من خلاله. وأشار إلى أنَّه شعر بالإحراج تجاه وقع ما قاله على زملائه وعلى الجمهور بشكل عام، وقد تعلم من ذلك. وأضاف: "كان ذلك مؤلماً جداً بالنسبة إليَّ".

اعتبرت تعليقات بوسوورث مسيئة لصورة "فيسبوك"، بما أنَّها عززت النظرة إلى الشركة على أنَّها تسعى بشراسة إلى تحقيق النمو بغضِّ النظر عن التكلفة، وهي صورة شكلت عائقاً أمام الشركة التي تحاول بناء الثقة في إطار عملها على بناء "ميتافيرس". إلى ذلك، على "ميتا" أن تحدث تغييراً جذرياً في القواعد الراسخة التي تحكم السلوكيات على الإنترنت، بحسب بانو أنثوس، مؤسس صندوق المشاريع، ومسرّع الشركات الناشئة "إكس آر سي لابز" (XRC Labs) الذي كان قد حاول بناء نسخة من "ميتافيرس" قبل 15 سنة.

قال أنثوس: "الأمر مبكر جداً"، مشيراً إلى أنَّ "ميتا" سوف "تنفق المليارات والمليارات في محاولة لدفع سلوكيات المستخدمين للتأقلم مع ذلك".

في إطار السعي إلى التخفيف من المخاوف حيال نواياها، تعتمد "ميتا" اليوم استراتيجية تقوم على الحديث عن هذه النوايا قبل إنشاء "ميتافيرس"، مما يعد انقلاباً على عقلية "تحقيق النمو الآن ثمّ معالجة المشكلات لاحقاً" التي سبق وتسببت بخلق العديد من التحديات لمنتجات شبكة التواصل الاجتماعي التابعة لها. إلا أنَّ النقاد يرون أنَّ النقاشات التي تخوضها الشركة حول "ميتافيرس"، تهدف إلى تشتيت الانتباه عن منتجاتها الأخرى.

من جانبه، يرى بوسوورث أنَّ "ميتا" باتت مدركة لعواقب التكنولوجيا على المجتمع، ويجب أن تؤمن بأنَّها قادرة على الأداء بشكل أفضل هذه المرة. وقال: "المنتجات التي نعتزم طرحها لم توجد سابقاً". وأضاف: "لا بدَّ أن نتخذ القرارات حول كيف ستكون. ولا بدَّ من التمتع بالثقة من أجل القيام بذلك".