لماذا تتسابق شركات كبرى لإطلاق صناديق "بتكوين" مُدرجة؟

"بلاك روك" و"فيديليتي" و"إنفيسكو" تتنافس لتيسير شراء الأصول الرقمية عبر قنوات استثمار جديدة

time reading iconدقائق القراءة - 10
صورة تعبيرية - المصدر: بلومبرغ
صورة تعبيرية - المصدر: بلومبرغ
المصدر:بلومبرغ

اعترت قطاع العملات المشفرة الشدائد خلال العامين الأخيرين، إذ تلاشى نحو تريليوني دولار من القيمة السوقية للعملات الرقمية منذ بلغت ذروتها في أواخر 2021، وتلى ذلك انهيار شركات الأصول الرقمية الكبرى وسط مزاعم بالاحتيال والتلاعب بالسوق، كما أن الهيئات الناظمة الأميركية ضيقت الخناق على شركاته القائمة.

لكن جانباً آخر من ذلك السوق بدأ يجذب اهتمام لاعبين كبار لهم سمعة لامعة في "وول ستريت"، وهو صناديق "بتكوين" المُدرجة. بعض أكبر وأشهر شركات "وول ستريت" تقدم أو تعيد تقديم طلبات إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، كي تكون أول من يطلق هذا المنتج.

ستستثمر صناديق "بتكوين" تلك في العملة المشفرة نيابة عن مساهميها. بعبارة أخرى، تمنح الصناديق المستثمرين تعرضاً مباشراً للعملات المشفرة بسهولة عبر شركات الوساطة وشراء أسهم صناديق "بتكوين" المُدرجة تماماً كما يشترون الأوراق المالية.

صندوق "بلاك روك" ينعش تدفقات الأصول الرقمية لأعلى مستوى في عام

تقدمت "بلاك روك" (BlackRock)، وهي أكبر شركة لإدارة الأموال في العالم، بطلب لإنشاء صندوق مؤشر يتداول في البورصة للاستثمار في "بتكوين" في منتصف يونيو، فشجعت سلسلة طلبات من شركات إدارة الاستثمارات مثل "فيديليتي إنفستمنتس" (Fidelity Investments) و"إنفيسكو" (Invesco) و"ويزدوم تري" (WisdomTree).

أعاد مشغلو بورصتي "ناسداك" (Nasdaq) و"سي بي أو إي غلوبال ماركتس" (Cboe Global Markets)، الذين كانوا قد قدموا طلبات نيابة عن "بلاك روك" و"فيديليتي إنفستمنتس"، على التوالي؛ تقديم طلباتهم بعدما قالت لجنة الأوراق المالية والبورصات إن طلباتهم الأولية كانت غير كافية وتفتقر إلى معلومات محددة.

غير أن الصد ليس جديداً على لجنة الأوراق المالية والبورصات، فقد حاول عمالقة إدارة الاستثمارات، على مدى سنوات، الحصول على موافقة الهيئات الناظمة الأميركية لإطلاق صناديق مُدرجة تركز على العملات المشفرة، لكن طالما قوبلت طلباتهم بالرفض. إذاً ما الذي حفز موجة الطلبات الحالية في وقت فقدت فيه العملات المشفرة معظم صخبها الاستثماري السابق؟

قضية حاسمة

يتزامن توقيت اندلاع هذه الموجة مع دعوى قضائية يتابعها القطاع عن كثب، والتي تختصم فيها شركة "غرايسكيل إنفستمنتس" (Grayscale Investments) لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أمام إحدى المحاكم الإتحادية. تدير الشركة صندوق "غرايسكيل بتكوين تراست" المطروح للتداول العام، الذي يحوز عملات "بتكوين" كما لو كان صندوق استثمار مُدرج لكن دون هيكلية ذاك النمط من الصناديق التي تسمح بالإبقاء على سعر الحصص متماشياً مع سعر العملة المشفرة.

تُتداول حالياً أسهم الصندوق بأقل من قيمة حيازاته من الأصول الرقمية بنحو 28%. تسعى "غرايسكيل" للحصول على موافقة لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية لتحويل "غرايسكيل بتكوين تراست" إلى صندوق استثمار متداول في البورصة، ودحض منطق الهيئة الناظمة في رفض طلبها. ويُتوقع الفصل في النزاع القضائي القائم خلال هذا الشهر.

في مارس، أثارت المرافعات الشفهية في القضية تكهنات حول إمكانية أن يمهد قرار المحكمة لإطلاق صندوق مُدرج للاستثمار في "بتكوين". استجوب قضاة هيئة الاستئناف بواشنطن لجنة الأوراق المالية والبورصات بشأن موقفها من صناديق "بتكوين" مُدرجة، ملاحظين أنه لا ينبغي السماح بتأسيسها لأن العملة المشفرة أكثر عرضة للاحتيال والتلاعب من عقود "بتكوين" الآجلة.

كانت لجنة الأوراق المالية والبورصات قد وافقت بالفعل على تأسيس صناديق مُدرجة للاستثمار في عقود "بتكوين" الآجلة، والتي تتداول في بورصة شيكاغو منذ 2017. تساءل القضاة عن أوجه الاختلاف بين سوق العقود الآجلة والسوق الفورية المباشرة لعملات "بتكوين" رغم اعتمادهما على تسعير الأصل الأساسي ذاته.

سباق الأرباح

قال جيمس إنجل، أستاذ التمويل المشارك في جامعة جورج تاون، الذي وقع على مذكرة ودية لدعم "غرايسكيل": "يتوقع القطاع إحراز تقدم في القضية، حيث تدرك شركات الاستثمار أن هناك احتمالاً ولو ضئيلاً، أن لجنة الأوراق المالية والبورصات ستضطر للسماح بتأسيس صندوق (بتكوين) متداول في السوق الفورية المباشرة سواءً شاءت أم أبت. عندما تحصل "غرايسكيل" على الموافقة اللازمة لإطلاق الصندوق، ستتدافع الشركات للفوز بسباق الأرباح، وسيصطف الجميع عند خط الانطلاق بانتظار طلقة البداية".

"فيديليتي" تطالب باعتماد صندوق بتكوين متداول في البورصة

عدل محللو "بلومبرغ إنتليجنس" الذين توقعوا انتصار هيئة الأوراق المالية والبورصات في المعركة القضائية توقعاتهم؛ مرجحين فوز "غرايسكيل" بنسبة 70%. كما قالوا إن صيغة الحكم ستكون لها أهمية بالغة، إذ يمكن للمحكمة أن تطلب من الهيئة الناظمة إعادة النظر في أسبابها، ما يمنحها فرصة لرفض طلب "غرايسكيل" لكن لحيثيات مختلفة. كما يمكن للجنة الأوراق المالية والبورصات استئناف الحكم إن جاء لصالح "غرايسكيل"، ما سيؤدي إلى إرجاء صدور الموافقة لفترة أطول.

لن تفتح صناديق "بتكوين" المُدرجة الباب أمام مزيد من فرادى المستثمرين لتداول العملات المشفرة فحسب؛ بل قد توفر أيضاً وسيلة أكثر جاذبية لمستشاري الثروة الذين يستثمرون نيابة عن عملائهم أو المشاركين المؤسسيين، حيث سيكونون أكثر ارتياحاً لاستثمار الأموال في منتج مألوف لديهم.

تمثل الصناديق المتداولة في البورصة قطاعاً استثمارياً ضخماً، فقد أدارت "بلاك روك" نحو ثلاثة تريليونات دولار من أصول العملاء في صناديق متداولة في البورصة بنهاية مارس عبر الاستثمار في مجموعة من الأصول تشمل أسهماً وسنداتٍ وسلعاً.

تغيير النظرة

قال سالم رامجي، رئيس قطاع الاستثمار في الصناديق المتداولة في البورصة والاستثمار المرتبط بالمؤشرات لدى "بلاك روك"، لتليفزيون "بلومبرغ" إن اهتمام الشركة بالعملات المشفرة يشكل امتداداً منطقياً لنموذجها، وأضاف: "كيف نساعد المستثمرين على الوصول إلى أجزاء من السوق ستكون دون ذلك باهظة الثمن أو غامضة أو يصعب بلوغها؟".

يبدو أن الرئيس التنفيذي لاري فينك غير موقفه من الاستثمار في "بتكوين". كان فينك قد صرح، قبل ست سنوات، بأن العملات المشفرة تعد مؤشراً على حجم غسيل الأموال في العالم. لكنه قال في حوار لقناة "فوكس بيزنس" أخيراً إن "بتكوين" تعتبر "أصولاً دوليةً" على غرار "رقمنة شراء الذهب".

توسعت "بلاك روك" العام الماضي نحو قطاع التشفير، حيث عملت مع "كوين بيس غلوبال" لتسهيل إدارة وتداول "بتكوين" للمستثمرين المؤسسيين وإنشاء صندوق استئماني خاص لتداول العملة المشفرة. بينت الإفصاحات المودعة لدى الجهات الناظمة، أن "كوين بيس" ستضطلع بحماية حيازات صندوق "بلاك روك" المُدرج من عملات "بتكوين"، وستساعد في مراقبة عمليات التداول لضمان نزاهة السوق.

زخم صندوق "بتكوين" يدفع سهم "كوين بيس" إلى أعلى مستوى منذ أغسطس

تستطيع "كوين بيس" أن ترى نشاط التداول الأميركي بوضوح باعتبارها أكبر بورصة عملات مشفرة في الولايات المتحدة. لكنها كانت هي الأخرى هدفاً للهيئات الناظمة، فقد رفعت لجنة الأوراق المالية والبورصات دعوى قضائية ضد بورصة العملات المشفرة في يونيو اتهمتها فيها بإدراج العملات التي تعتبرها الوكالة أوراقاً مالية غير مسجلة. حاججت "كوين بيس" ضد الدعوى بأن المنتجات المدرجة لديها لا تتوافق وتعريف الأوراق المالية.

مخاطر تنظيمية

قال ممثل عن "فيديليتي إنفستمنتس" إن "شريحةً كبيرةً" من عملائها إما تملك عملات مشفرة أو أنها مهتمة بشرائها. وجدت الشركة في استطلاع رأي نُشر العام الماضي أن إنشاء صناديق متداولة في البورصة للاستثمار في "بتكوين" هي الفكرة الأكثر جاذبية في الولايات المتحدة لإطلاق منتج أصول رقمية جديد، وأن أكثر من ثلاثة أرباع المستثمرين ذوي الملاءة المالية العالية، ومكاتب إدارة ثروات الأسر الثرية، والمستشارين الماليين يرغبون بشراء أصول رقمية.

لكن بعض الميزات التي قال عدد من المستثمرين المؤسسيين إنهم يفضلون العملات المشفرة بسببها، مثل تنويع محافظهم الاستثمارية والتحوط من التضخم، تبدو أكثر هشاشة هذه الأيام. فقد تراجعت أسعار "بتكوين" العام الماضي، فضلاً عن هبوط أسهم شركات التقنية والسوق الأوسع نطاقاً وسط أعلى معدل تضخم تشهده البلاد منذ عقود.

كانت سوق العملات المشفرة قد شهدت عدة تقلبات، حيث ارتفعت قيمة "بتكوين" 305% في 2020 و60% في 2021 قبل أن تنخفض 64% في 2022. قال غاري غينسلر، رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات، في تصريحات للصحفيين في أعقاب موجة طلبات إنشاء صناديق الاستثمار المتداولة في البورصة؛ إن المستثمرين في قطاع العملات المشفرة لا يمكنهم أن يثقوا بعدالة ونزاهة السوق بما يشبه سوق الأسهم الأميركية.

ما يزال قطاع التشفير يفتقر إلى التنظيم إلى حد كبير، وهو ما أدركه المستثمرون لدى انهيار سلسلة من الشركات البارزة خلال العام الماضي، ما كبدهم بعض مدخراتهم وتسبب بتفشي عدوى الانهيارات في أسواق العملات المشفرة.

حذر تجاه "بتكوين" مع تراجعها رغم قفزة الأسواق العالمية

قال جون ريد ستارك، محامي الإنفاذ السابق لدى لجنة الأوراق المالية والبورصات، الذي يدير الآن شركته الاستشارية الخاصة: "يشكل إطلاق تلك الصناديق خطورة بالغة على المستهلكين... عندما تباشر كيانات مثل (فيديليتي) وغيرها التعامل بالعملات المشفرة، فإنها بذلك تضفي قدراً من الشرعية غير المبررة عليها، لأن قطاع العملات الرقمية يعج بالتلاعب والاحتيال".

راهناً، تنتظر كبريات شركات قطاع المال قرار القضاة ولجنة الأوراق المالية والبورصات ليفصلوا فيما إذا كان بإمكان صناديق "بتكوين" المتداولة في البورصة المضي قدماً.

قد يستغرق التقاضي شهوراً، لكن يبدو أن متداولي "بتكوين" متفائلون بالنتائج ويرحبون بخطوات "وول ستريت"، فقد قفز سعر "بتكوين" بأكثر من 20% منذ تقدمت "بلاك روك" بطلبها.

تصنيفات

قصص قد تهمك