كيف أصبح بوتين وشي "أفضل الأصدقاء"؟

لدى الصين وروسيا تحالف فعلي وتعززت علاقاتهما على المستويات كافة نتيجة حرب أوكرانيا

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي يتبادلان وثائق بعد محادثاتهما في بكين في 16 مايو
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي يتبادلان وثائق بعد محادثاتهما في بكين في 16 مايو Sputnik
المصدر: بلومبرغ
تعديل مقياس القراءة
ع ع ع

لدى الصين وروسيا، المتنافستين منذ قرون، تحالف فعلي، حتى لو فشلتا في الوصول إلى مستوى علاقات أعلى "بلا حدود" وضعه الرئيسان شي جين بينغ وفلاديمير بوتين قبل أسابيع فقط من انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022.

العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي نشأت على مدى العقد المنصرم بين أقوى دولتين شموليتين في العالم- وكلتاهما تهدف إلى تغيير أجزاء على الأقل من نظام ما بعد الحرب الباردة الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة-تعززت نتيجة للحرب، على الرغم من انزعاج الصين من إخفاقات الحرب الروسية وتجاوزاتها. وقد أثار ذلك قلقاً متزايداً بين القادة الديمقراطيين في عواصم مثل واشنطن وطوكيو.

ما الذي دفع الصين وروسيا إلى التقارب؟

كان الدافع وراء هذا التقارب هو التباعد المشترك عن واشنطن والذي زاد بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وأصبح علنياً على نحو متزايد بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، والتي نشأت في الولايات المتحدة.

خلصت الدولتان إلى أن الانهيار من شأنه أن يقوض الثقة العالمية في النموذج الاقتصادي والسياسي الأميركي. وقد زادتا العلاقات بحذر حتى عام 2014، عندما أدى ضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى فرض عقوبات عليها وقطيعة نهائية بين موسكو والغرب الأوسع. وأجبر ذلك روسيا على البحث عن شركاء جدد وخاصة أسواقاً جديدة لصادراتها من الطاقة. وكانت الصين سريعة النمو خياراً مناسباً، إذ أثبتت أنها مشترٍ ضخم للسلع والأسلحة الروسية.

وتشترك الدولتان أيضاً في العداء العميق تجاه التحالفات الأميركية في ما تعتبرانها مناطق نفوذهما المشروعة، أي منظمة حلف شمال الأطلسي في أوروبا بالنسبة لروسيا؛ أما بالنسبة للصين، فهي شبكة واشنطن من معاهدات الدفاع الثنائية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ورغم أن الشراكة بين الصين وروسيا لا ترقى إلى مستوى التحالف الرسمي القائم على المعاهدات، فقد تعززت بفضل الرابط الشخصي القوي بين بوتين وشي.

اقرأ أيضاً: "شي" لبوتين: العلاقات بين الصين وروسيا يجب أن تستمر لأجيال

لماذا تقارب الزعيمان؟

نظراً للطفولة القاسية التي عاشها الرجلان، فقد أظهرا تصميماً على سحق المعارضة في الداخل، وإعادة دولتيهما إلى أيام العظمة والمجد، وإنهاء ما يتصوران أنه إذلال أميركي وأوروبي لهما. وقد التقيا 40 مرة على الأقل، وأعدا الزلابية معاً في تيانجين والفطائر في فلاديفوستوك. وفي 2019، وصف شي بوتين بأنه "أفضل صديق له". وجعل بوتين الصين أول وجهة خارجية له بعد أيام من تنصيبه لولاية رئاسية خامسة في مايو 2024، رداً لزيارة شي إلى موسكو في مارس 2023، والتي كانت أول رحلة إلى الخارج خلال فترة ولايته الثالثة كرئيس صيني. وفي بيان مشترك في بكين، أعلن الزعيمان أن العلاقات الروسية الصينية "تشهد أفضل فترة في تاريخهما".

وفي بيانهما المشترك في 2023، عبّرا عن ازدرائهما المشترك للأفكار الغربية عن الديمقراطية، وعرّفاها من دون الإشارة إلى الانتخابات أو استقلال القضاء أو حرية وسائل الإعلام. وقالا إن الأمر متروك لكل دولة على حدة لتقول ما إذا كانت ديمقراطية أم لا. وعزز الرجلان علاقاتهما في اجتماع آخر في الصين في أكتوبر.

اقرأ أيضاً: الصين تحدد 5 مبادئ لعلاقتها مع روسيا.. وشي وبوتين يجمعان على حل سياسي في أوكرانيا

ما هو التاريخ بين الدولتين؟

في منتصف القرن التاسع عشر، كانت روسيا من القوى الأوروبية التي فرضت ما يسمى بالمعاهدات غير المتكافئة على أسرة تشينغ الحاكمة في الصين، التي اضطرت إلى التنازل عن مليون كيلومتر مربع (386100 ميل مربع) من الأراضي - وهي مساحة تعادل تقريباً مساحة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مجتمعة. تحسنت العلاقات بشدة وإن كانت لفترة قصيرة بعد أن قاد ماو تسي تونغ الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة في عام 1949، ووجد في جوزيف ستالين حليفاً طبيعياً.

لكن ماو عارض التغييرات السياسية في الاتحاد السوفيتي المعروفة باسم "اجتثاث الستالينية" التي أعقبت وفاة الزعيم السوفيتي عام 1953، قبل أن ينفصل عن موسكو في عام 1961. وفي عام 1969، خاضت الدولتان حرباً حدودية قصيرة بسبب أراضٍ متنازع عليها، وفي 1972، فعّلت الصين ما لا يمكن تصوره بالتحول نحو الولايات المتحدة. ولم تتحسن العلاقات مرة أخرى إلا في منتصف الثمانينيات، عندما تولى ميخائيل غورباتشوف المسؤولية في الكرملين.

لوحة لماو تسي تونغ وجوزيف ستالين بريشة د نالبانديان.
لوحة لماو تسي تونغ وجوزيف ستالين بريشة د نالبانديان. D Nalbandian

ماذا يمكن أن تقدم كل منهما للأخرى الآن؟

منذ عام 2014، باعت روسيا للصين بعضاً من أنظمة الأسلحة الأكثر تطوراً، ومنها أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات "إس-400" وطائرات هجومية "سو-35" بما قيمته 5 مليارات دولار.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الصين واحدة من المشترين الرئيسيين للنفط والغاز والفحم الروسي، وتفاوضت على أسعار مناسبة مع خفض أوروبا الواردات.

وفي غضون شهرين من ضم شبه جزيرة القرم، وقعت شركة "غازبروم" الروسية صفقة قالت إن قيمتها تقارب 400 مليار دولار لتزويد الصين بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب يسمى "باور أوف سيبيريا" (Power of Siberia)-وحتى بسعر أقل مما يحصل عليه عملاؤها الأوروبيون-وتحاول الآن إبرام صفقة للحصول على خط جديد.

وفي أعقاب العقوبات الغربية المفروضة منذ غزو بوتين الكامل لأوكرانيا، أصبحت بكين شريان حياة لاحتياجات روسيا من الواردات، لتحصل في المقابل على إمدادات طاقة مخفضة السعر.

وشدد بوتين على التجارة والاستثمار كموضوعين رئيسيين للنقاش مع شي في زيارته في مايو 2024، وسط ضغوط أميركية متزايدة على الصين لتقليص الدعم الذي يساعد موسكو على مواصلة حربها. كما عمدت روسيا والصين إلى زيادة تنسيق مواقفهما في مجلس الأمن الدولي، حيث يتمتع كل منهما بحق النقض، كما تبنى كل منهما قضية مشتركة ضد الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: شحنات الغاز الروسي إلى الصين تحلّق إلى مستويات قياسية

ما الذي يقلق القوى الديمقراطية؟

دفع التعاون المتنامي بين الصين وروسيا بعض صنّاع السياسات في الولايات المتحدة إلى الخوف من احتمال اضطرار واشنطن إلى خوض حروب على جبهتين. أحد المخاوف هو أن الصين قد تشن هجوماً على تايوان، مستفيدة من تركيز الولايات المتحدة على تسليح أوكرانيا للدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت الولايات المتحدة أيضاً بتوجيه الاهتمام والموارد العسكرية نحو إسرائيل في أعقاب هجوم كبير شنته حركة حماس هناك. وقد زعم عضو مجلس الشيوخ الأميركي السابق جيم إنهوف أن الصين وروسيا، بعد تعديلات وفقاً لتعادل القوة الشرائية، تنفقان مجتمعتين على الدفاع أكثر من الولايات المتحدة. أما اليابان فعبرت عن قلقها البالغ إزاء العدد المتزايد من التدريبات العسكرية المشتركة بين الصين وروسيا في تقريرها الدفاعي السنوي لعام 2023، ووصفت هذه المناورات بأنها استفزاز واضح ومتعمد. وأعلن بوتين وشي في اجتماعهما عام 2024، أن جيشي بلديهما سيعملان على "تعميق الثقة والتعاون".

اقرأ أيضاً: التقارب الروسي الصيني في أزمة أوكرانيا يثير مخاوف الغرب

وثمة قلق أوسع من أن الجمع بين القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي يمكن أن يحشدها الاثنان يشجّع زعماء العالم الآخرين ذوي الميول الاستبدادية، ويقوّض الثقة في الديمقراطية كنظام سياسي، ويهدد النظام الدولي القائم على القواعد الذي تروج له الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ نهاية الحرب الباردة.

ويرى شي وبوتين أن هذه القواعد لا تفيد سوى الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يخرقونها متى شاؤوا، وهو الرأي الذي اكتسب الدعم في ما يسمى بالجنوب العالمي. كما قوض قادة شعبويون في الغرب نفسه، بمن فيهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الثقة في المؤسسات الديمقراطية.

فلاديمير بوتين وشي جين بينغ بعد محادثاتهما في موسكو في مارس 2023
فلاديمير بوتين وشي جين بينغ بعد محادثاتهما في موسكو في مارس 2023 Sputnik

كيف أثرت الحرب في أوكرانيا على العلاقة؟

تجنبت الصين انتقاد الغزو، وألقت باللوم على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في الصراع، واشترت النفط الروسي الذي كانت تتجنّبه بعض الدول الأخرى، مما أدى بشكل غير مباشر إلى تمويل آلة الحرب في موسكو.

لكن شي أثبت تردّده في دعم الحرب بشكل لا لبس فيه، أو مساعدة روسيا في تخفيف الأثر المالي للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي سبتمبر 2022، بعد أول اجتماع شخصي بين الزعيمين منذ الحرب، ذهب بوتين إلى حد الاعتراف بأن الصين لديها "أسئلة ومخاوف" بشأن هذا الأمر. وكان الجمع بين العقوبات والخسائر العسكرية الروسية في أوكرانيا سبباً في جعل العلاقة غير المتوازنة بالفعل أكثر اختلالاً لصالح الصين. ولما كان الناتج المحلي الإجمالي الصيني يعادل 8 أضعاف نظيره الروسي، فإن بكين لديها مخاطر أكبر بكثير في الاقتصاد العالمي الذي لا تزال الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة تهيمن عليه.