الدوري الإنجليزي فائق الثراء مهدد بالدخول في فوضى من دون علم

الدوري العريق يمثل صادرات ثقافية إنجليزية تُدر مليارات الجنيهات الإسترلينية على الاقتصاد

time reading iconدقائق القراءة - 11
جماهير نادي \"إيفرتون\" يحملون لافتات احتجاجية في المدرجات قبل مباراة الدوري الإنجليزي الممتاز - المصدر: أ.ف.ب/غيتي إيمجز
جماهير نادي "إيفرتون" يحملون لافتات احتجاجية في المدرجات قبل مباراة الدوري الإنجليزي الممتاز - المصدر: أ.ف.ب/غيتي إيمجز
المصدر:

بلومبرغ

أثنى وزير الخزانة البريطاني جيريمي هنت على الدوري الإنجليزي الممتاز خلال تقرير بوقت سابق من السنة الجارية، لمساعدته الرياضة البريطانية على "الوقوف شامخة على المسرح العالمي".

رغم ذلك، في غضون شهور، يجابه أحد أشهر الأندية في الدوري صعوبة في مواصلة العمل. أجرى نادي "إيفرتون" لكرة القدم محادثات مع شركات استشارية لإعادة الهيكلة بعد توقف محتمل لصفقة استحواذ من قبل شركة "777 بارتنرز" (777 Partners) ويقع مقرها في ميامي، وهي صفقة أعلن الدوري الإنجليزي الممتاز أنه "يعتزم الموافقة عليها" قبل أسابيع قليلة فقط.

نوهت الحكومات البريطانية المتعاقبة بدوري كرة القدم الأشهر على مستوى العالم، بوصفه من الصادرات الثقافية التي تسهم بمليارات الجنيهات الإسترلينية في الاقتصاد، ويدعم آلاف الوظائف. لكن بعيداً عن التهويل، بدأت السياسات السائدة تشهد تغيرات.

الفوضى

تخضع ملكية الأندية، وشؤونها المالية، وطريقة إدارة الدوري، لعملية مراجعة. مع اقتراب موسم العام الحالي من نهايته، يقول المزيد من الأشخاص داخل كرة القدم الإنجليزية إن الدوري الممتاز يتجه نحو السقوط في فوضى من دون أن يشعر.

تدب الخلافات بين مالكي الأندية حول كافة الأمور، بداية من طريقة كسب الأموال، وصولاً إلى دعم الفرق الصغيرة بالمستويات الأدنى، علاوة على قرار أخير اتخذه مسؤولو الدوري الإنجليزي الممتاز بفرض تغيرات على مسابقة كأس الاتحاد الإنجليزي التاريخية.

يُثار أيضاً جدلاً محتدماً حول معاقبة الأندية لانتهاكها القواعد المالية، بينما يتصدى نادي مانشستر سيتي صاحب سلسلة البطولات لاتهامات بارتكاب أكثر من 100 مخالفة قبل أكثر من عقد. ينفي النادي قيامه بأي مخالفات.

اقرأ أيضاً: رياضة ومال: قواعد اللعب المالي النظيف في البريميرليغ تضغط على 3 أندية

يتدخل الآن الساسة عن طريق تأسيس جهة تنظيمية، وهو أمر عارضه منظمو الدوري المكوّن من 20 عضواً على مدى أعوام. يعني القرار أن الدوري الإنجليزي الممتاز سيصبح الدوري الكبير الوحيد عبر كافة أنحاء العالم الذي يتمتع بجهة تنظيمية خاصة به. أو بالنظر للمسألة بطريقة أخرى، فهو حالياً الدوري الكبير الوحيد على مستوى العالم غير الموثوق به لإدارة نفسه.

أوضحت المشرعة من حزب المحافظين كارولين دينيناج، رئيسة لجنة الثقافة والإعلام والرياضة في برلمان المملكة المتحدة: "قطعاً، توجد شكوك وانعدام ثقة بطريقة كبيرة إزاء سياسات إدارة الدوري".

تقويض النجاح

امتنع متحدث باسم الدوري الإنجليزي الممتاز عن التعليق على الموضوع، مشيراً إلى جلسة استماع أخيرة للجنة البرلمانية البريطانية، ومقالة افتتاحية للرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز ريتشارد ماسترز منشورة خلال فبراير 2023.

كتب ماسترز في المقالة: "توجد مخاطر من أن يقوض فرض عملية تنظيمية، النجاح العالمي الذي حققه الدوري الإنجليزي الممتاز، ما يضر بأكبر مصدر للدخل لكرة القدم الإنجليزية".

بحسب مديرين تنفيذيين في الأندية ومحللين مختصين بتمويل كرة القدم، فإن مشاكل المنافسة التي تدر على الاقتصاد البريطاني 8 مليارات جنيه إسترليني (10 مليارات دولار) سنوياً على الأقل، لن تحل من خلال تطبيق نموذج أعمال مهتز.

اقرأ أيضاً: بريطانيا تتدخل لحوكمة رياضة تجني 10 مليارات دولار لاقتصادها

خلال شهر يناير من كل سنة، تنشر شركة الاستشارات "ديلويت" قائمة بفرق كرة القدم الأعلى إيرادات في أوروبا. تهيمن فرق الدوري الإنجليزي الممتاز على القائمة، إذ تضم 6 بين أكبر 10 أندية في أوروبا العام الجاري. ما لا تظهره قائمة "ديلويت" هي الخسائر الضخمة التي تكبدتها أغلب فرق الدوري الإنجليزي الممتاز.

إجمالاً، قفزت إيرادات الدوري الإنجليزي الممتاز إلى 7 مليارات جنيه إسترليني تقريباً سنوياً بصفة أساسية جراء مدفوعات حقوق البث، ومع ذلك كشفت أحدث الحسابات أن 4 أندية فقط حققت أرباحاً تشغيلية.

قواعد مالية

أسفر استمرار وقوع الخسائر عن وضع قواعد مالية مصممة للحد من الإنفاق على أجور اللاعبين وانتقالاتهم. إلى حد الآن، بعد 11 سنة من تفعيل مسؤولي الدوري لهذه القواعد، خُصمت نقاط من ناديي "إيفرتون" و"نوتنغهام فورست" فقط، وكلاهما خلال الموسم الحالي، بسبب فشلهما في الامتثال لها.

اقرأ أيضاً: رياضة ومال: مانشستر سيتي الأعلى دفعاً للأجور في الدوري الإنجليزي الموسم الماضي

لا يجد أصحاب الموارد الكبيرة التي يريدون إنفاقها، أنفسهم سعداء دائماً. ذكر مسؤولون تنفيذيون مثل أماندا ستافيلي أن الأندية مقيدة مالياً بشدة، وأن الدوري الإنجليزي الممتاز يمر "بوقت صعب".

تابعت ستافيلي، المالكة المشاركة لنادي "نيوكاسل يونايتد" الممول من السعودية، خلال فعالية "بلومبرغ" الأخيرة: "عليك تذكر أننا ندير نشاطاً تجارياً ترفيهياً. تناسينا أنه يبنغي لنا تنمية هذ النشاط". أضافت أن "هذا الأمر ليس بالسهل" وسط مناخ العمل في الوقت الحاضر، بالنظر إلى كافة القيود.

في الواقع، بإمكان جميع الأندية الامتثال للقواعد. لكن عقوداً من التنظيم المتساهل للدوري الإنجليزي الممتاز تركت وراءها ثقافة مفادها أن تنفق بطريقة ضخمة حالياً وتقلق لاحقاً. فرضت هيئة تنظيم المسابقة قواعد الإنفاق الحالية خلال 2013، ويعود ذلك جزئياً لمحاولة الحد مما اعتبر إنفاقاً مفرطاً من نادي "تشيلسي" الممول من رومان أبراموفيتش ثم "مانشستر سيتي" الممول من الإمارات. لقد فشلت هذه القواعد.

إنفاق ضخم

على مدى الأعوام الأخيرة، أُنفقت حصة متنامية من الإيرادات على اللاعبين والوكلاء. صعد إجمالي الأجور إلى 3.6 مليار جنيه إسترليني خلال موسم 2021-2022 من ملياري جنيه إسترليني تقريباً خلال 2014-2015، بحسب كيرن ماغيري، خبير تمويل كرة القدم في جامعة ليفربول.

وصف آلان شوغر، المالك السابق لنادي "توتنهام هوتسبير"، صفقة بث تلفزيونية كبيرة قيمتها 5.1 مليار جنيه إسترليني خلال 2015 بأنها مشابهة لعصير البرقوق من حيث إنها "دخلت من جانب وخرجت من آخر"، مبيناً أن الأموال ستذهب بالكامل تقريباً إلى اللاعبين ووكلائهم.

تم هذا الإنفاق الضخم على أجور اللاعبين وتكاليف الانتقالات في الدوري الإنجليزي الممتاز. وخلال صيف 2022، أنفق "نوتنغهام فورست" على انتقالات اللاعبين أكثر من عمالقة أوروبا على غرار نادي "برشلونة"، ونادي "باريس سان جيرمان" ونادي "بايرن ميونيخ"، مع رفض نفس مالكي النادي إعادة توزيع جزء من ثرواتهم على 72 فريقاً آخر يشكلون المستويات الأربعة الأولى لما يسمى بـ"هرم كرة القدم".

اقرأ أيضاً: الحكومة البريطانية تقترح قانوناً جديداً لتقاسم إيرادات كرة القدم

لعب الفشل في إبرام اتفاق بشأن هذه الصفقة، دوراً في تأسيس هيئة تنظيمية، والتي يقول ماسترز مسؤول الدوري الإنجليزي الممتاز السابق إنه يخشى عواقبها. أوضح خلال اجتماع عُقد مؤخراً في لندن: "نجازف بتعريض قطاع ناجح بقوة للخطر".

نادي "إيفرتون"

يمكن القول إن كل انتقادات تستهدف الدوري الإنجليزي الممتاز خلال الأعوام الأخيرة، من ارتفاع الديون إلى الملكية المشكوك فيها، تستطيع العثور عليها في "إيفرتون".

نظرياً، ينبغي للنادي الذي يتخذ في ليفربول مقراً، أن يكون أحد الأصول الجذابة، مع وجود مستثمرين ومليارديرات مغرمين بطفرة رياضية عالية الإنفاق. كما يعد النادي أحد أكبر الفرق التاريخية في إنجلترا، ومن المتوقع أن ينتهي قريباً من تشييد ملعب مزود بتكنولوجيا فائقة التطور قيمته 800 مليون جنيه إسترليني، ويزخر بقاعدة جماهيرية ضخمة وشديدة الولاء له.

لكن النادي على وشك الإفلاس. أقرضته شركة الاستثمار "777 بارتنرز" التي يقع مقرها في ميامي، وتحاول جمع الأموال للاستحواذ على النادي، أكثر من 100 مليون دولار خلال الشهور القليلة الماضية للحفاظ على استمرارية وجوده.

اقرأ أيضاً: مساع حثيثة لمستشاري "إيفرتون" على أمل إنقاذ صفقة الاستحواذ

عانى نادي "إيفرتون" المملوك لفرهاد مشيري وهو محاسب كان غير معروف نسبياً حتى بدأ العمل مع الملياردير الروسي أليشر عثمانوف، جراء أسباب تعود لأمور داخل وخارج الملعب.

تم فرض عقوبات على عثمانوف، ما أسفر عن إلغاء عقود الرعاية المربحة، بينما تراكمت على موشيري ديون ضخمة. اضطر موشيري للبيع جراء شراء لاعبين بارزين، وتمويل التكاليف المتضخمة للملعب، علاوة على أعوام من أداء ضعيف لفريق كرة القدم.

تنتظر "777 بارتنرز" منذ سبتمبر للحصول على موافقة منظمي الدوري الإنجليزي الممتاز على صفقة الاستحواذ على النادي. وبينما يُنظر إلى العديد من المستثمرين الأميركيين على أنهم منقذون محتملون لأندية كرة القدم البريطانية المتعثرة، تعرضت "777 بارتنرز" لانتقادات إزاء استثماراتها الخاصة بها، والتي تتنوع من شركات الطيران إلى أندية كرة قدم أخرى.

خلال مارس الماضي، أعلن مجلس إدارة الدوري الإنجليزي الممتاز أنه "مستعد" لقبول صفقة "777 بارتنرز" إذا حققت سلسلة من الشروط. وإذا انهارت الصفقة حالياً، فقد يقع إيفرتون في حالة تسمى بإدارة الإفلاس، ما يعني توقيع عقوبة خصم 9 نقاط من الفريق. سيصبح أيضاً ثاني فريق بالدوري الإنجليزي الممتاز يواجه نسخة المملكة المتحدة من قانون الإفلاس بعد نادي "بورتسموث" خلال 2010، وهو ناد أصغر كثيراً.

قواعد جديدة

أسرعت إدارة الدوري الإنجليزي الممتاز بتفعيل قواعدها وإضافة قواعد جديدة. يجلب ذلك نظاماً مالياً جديداً على مستوى الدوري، يستند بطريقة أكبر إلى قواعد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم التي تقيد تكاليف اللاعبين بنسبة مئوية من حجم الإيرادات، بحسب أشخاص على دراية بالموقف.

بوقت سابق من الأسبوع الحالي، وافقت الأندية على مواصلة خطط فرض حد أقصى للإنفاق على الفرق، رغم عدم اعتماد أي قواعد حتى الآن.

بينت كريستينا فيليبو، محاضرة في المحاسبة والاقتصاد والتمويل بجامعة "بورتسموث" أنه "ينبغي أن يكون الحد الأقصى لتكاليف اللاعبين مفيداً لكرة القدم. ينظر المستثمرون للإيرادات التي تولدها فرق الدوري الإنجليزي الممتاز، وهي كبيرة بالمقارنة مع غالبية الأندية الأخرى في أنحاء مجال الرياضة، ما يجعلها جذابة بشدة. غير أن هناك اتجاهاً نحو حدوث خسائر".

رغم ذلك، يساور آخرون القلق من أن يسفر الإنفاق وفق حدود قصوى ببساطة عن استمرار أكبر الأندية في احتلال الصدارة، ما يعني تحطيم أحلام الفرق الطموحة التي يمكن لأصحابها ضخ مبالغ مالية كبيرة.

أشار "نوتنغهام فورست" -المملوك لقطب أعمال قطاع الشحن اليوناني إيفانغيلوس ماريناكيس- في بيان رسمي له إلى أن "ركوداً محتملاً يطال لعبتنا الوطنية"، وذلك بعد خصم نقاط لمعاقبته على سوء توقيت بيع أحد نجومه، بحسب وجهة نظره.

أوضح دان كوري، مستشار رئيس الوزراء السابق جوردون براون، أنه طرح منذ 1993 وجهة نظره بأن بزوغ نجم الدوري الإنجليزي الممتاز سيسفر عن الحاجة إلى جهة منظمة لكرة قدم. عزا ذلك إلى أن "قوى السوق ستؤثر بطريقة أكبر مما كانت عليه في السابق". اختتم بأن التهديد في تلك الأيام كان واضحاً دائماً بدرجة كافية تستدعي للقيام بذلك.

تصنيفات

قصص قد تهمك